طارق الحجيري
قديمًا وقبل تطور الآلة وتقنيات الزراعة، كان المزارعون يحرثون أرضهم على الدواب، وكانوا يعرفون أن الحراثة على فدان الحمير تحتاج إلى شرطين: نيرًا يشدّ الحمارين معًا، وخطًا مرسومًا لا يحق لأحدهما أن يحيد عنه. الحمار الأيمن لا يقرر، والحمار الأيسر لا يعترض، والمطلوب فقط أن تبقى السكة مستقيمة ولو كانت الأرض مليئة بالحجارة.
منذ سنوات، يبدو أن بعض أهل السياسة عندنا استعاروا التقنية الزراعية نفسها، لكن بدل الحقل صار هناك مقاعد نيابية، وبدل المحراث صار صندوق اقتراع، وبدل العلف أصوات تفضيلية تُساق بالتكليف.
في بعلبك – الهرمل، ومع كل موسم انتخابي، نرفع الصوت عاليًا تحت عنوان “التمثيل السنّي الحقيقي”. تُقام الندوات الدستورية، تُرفع الشعارات البرّاقة، وتُوزَّع الوعود، ثم تنتهي المعركة غالبًا كما تبدأ، ليس وفق مزاج الأرض وأهلها، بل وفق اتجاه اليد التي تمسك بالصند – المحراث.
الناخب يسمع عن المنافسة الحرة، يشاهد المهرجانات الانتخابية، ويقرأ خطابات القرار المستقل، ثم يكتشف أن مساحة الحركة تشبه حركة الفدان تمامًا: خطوة إلى اليمين ممكنة، خطوة إلى اليسار تحتاج حسابًا، أما الخطوة خارج الخط فمغامرة تستدعي لسعة “المسّاس” من سائق الفدّان.
في الحراثة القديمة كان الهدف إنتاج القمح. أما في السياسة الحديثة، فيبدو أن الهدف هو إنتاج أشباه نواب، يُطيعون من أوصلهم أكثر مما يُمثلون ناسهم وبيئاتهم، حاضرون في المشهد، غائبون عن القرار، مقتنعون بأن الاستقلال السياسي رفاهية زائدة، وأنّ الكرامة كالأعشاب الضارة.
لكن يبقى هناك فرق جوهري: الدابة في الماضي لم يكن لها حق الاختيار، أما الناخب فله قراره إن قرر أن يستخدمه. وعندها يكتشف الجميع أن الأرض لا تُحرث بالنير وحده، وأن المقعد لا يكتسب شرعيته ممن يدفعه إلى البرلمان، بل ممن يمنحه صوته بحرية وكرامة.
في السياسة أخطر ما في الفدان ليس من يجرّه، بل أن يقتنع من يُقاد بالرّسن أنه يسير بإرادته وقناعته.
