شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

لا صوت يعلو فوق صوت الأسمنت ومداخن البتروكوك!

في مشهدٍ يعكس حجم الاختلال في أولويات السلطة، سارعت شركات الترابة في شكا إلى إعلان “الانتصار”، وهنأت العمال ودعتهم إلى العودة الفورية إلى العمل، فيما خيّم شعور عميق بالمرارة والخيبة على أبناء الكورة والشمال وكل اللبنانيين الذين ما زالوا يؤمنون بأن حق الإنسان في الصحة والحياة والبيئة السليمة يجب أن يسمو فوق مصالح الكارتيلات وأصحاب النفوذ.

لم تكن القضية يوماً مواجهة بين العمال وأهالي المنطقة، ولم يسعَ أحد إلى حرمان أي عامل من لقمة عيشه. بل كانت، وما زالت، قضية حق مجتمع كامل في أن يتنفس هواءً نظيفاً، ويشرب مياهاً سليمة، ويعيش في بيئة آمنة بعيداً عن التلوث والأمراض والمخاطر التي راكمتها عقود من الاستهتار البيئي.

لكن ما جرى خلال الأشهر الماضية أوصل رسالة قاسية ومؤلمة مفادها أن أصوات الخبراء والأطباء والباحثين والجامعات والجمعيات البيئية والمجتمعات المحلية لا قيمة لها عندما تتعارض مع مصالح كارتيل الأسمنت. وكأن الدراسات العلمية والتحذيرات الصحية والبيئية الموثقة لم تكن موجودة أصلاً، وكأن معاناة الناس وأوجاعهم وحقهم بالحياة لا تستحق حتى مجرد الاستماع.

والأكثر إثارة للأسف والاستغراب أن اللجنة البيئية انتظرت أشهراً طويلة للقاء دولة رئيس مجلس الوزراء وعرض الوقائع والوثائق والدراسات أمامه. وبعد طول انتظار حُدِّد موعد رسمي للقاء، قبل أن يُلغى ليلاً بسبب سفر مفاجئ إلى ألمانيا. عاد دولة الرئيس منذ أشهر، لكن مكتبه لم يحدد حتى اليوم موعداً جديداً للاستماع إلى ممثلي الأهالي والخبراء. أما أصحاب المصالح والنفوذ، فقد بدا أن أبواب السلطة بقيت مفتوحة أمامهم على الدوام.

إن ما حصل مؤسف ومستغرب وغير مقبول في دولة يفترض أنها تحترم حق مواطنيها في المشاركة وإسماع صوتهم. ويشعر كثيرون اليوم بأن القرار كان متخذاً سلفاً، وأن المطلوب لم يكن الاستماع إلى المواطنين والخبراء، بل الاكتفاء بالاستماع إلى كارتيل الأسمنت وحلفائه النافذين في مواقع القرار.

لقد اتخذت وزارة البيئة ووزارة الصناعة قرارات مصيرية تجاهلت الاعتراضات الشعبية الواسعة، وأثارت تساؤلات قانونية وبيئية وصحية خطيرة. فكيف يمكن منح الموافقات من دون تقييم بيئي جدي وشامل يحدد حجم الأضرار المتراكمة والجرائم البيئية المرتكبة؟ وكيف يمكن تجاوز مبدأ إشراك المجتمعات المحلية والاستماع إلى المتضررين مباشرة؟ وكيف يمكن التغاضي عن جبال جُرفت، وأحراج اقتُلعت، وينابيع اختفت، ومناطق دفعت أثماناً صحية وبيئية باهظة على مدى عقود؟

في بدبهون وكفرحزير وشكا والجوار، لا يتحدث الناس عن نظريات أو مخاوف افتراضية، بل عن واقع عاشوه بأعينهم. يتحدثون عن جبال أزيلت من الوجود، وعن ملايين الأمتار المكعبة من الأراضي التي جرى اقتلاعها، وعن ينابيع مياه اختفت، وعن أشجار زيتون وتين وعنب وتوت كانت تشكل جزءاً من هوية الأرض وتاريخها، قبل أن تبتلعها المقالع والكسارات ومشاريع التوسع الصناعي.

لقد أصبح الشعار غير المعلن لهذه المرحلة: “لا صوت يعلو فوق صوت الأسمنت… ولا شيء يتقدم على مصالحه، لا القانون ولا البيئة ولا صحة الناس.”

ومع ذلك، فإن الأمل لم يمت بعد. فتبقى الأنظار متجهة إلى مجلس شورى الدولة، بوصفه المرجع القضائي الأعلى المختص بحماية المشروعية وسيادة القانون. وتبقى الآمال معلقة على أن يقول القضاء كلمته بعيداً عن الضغوط والمصالح، وأن يؤكد أن الدولة ليست ملكاً للكارتيلات، وأن البيئة ليست سلعة، وأن صحة المواطنين ليست تفصيلاً يمكن التضحية به.

إن القضية اليوم لم تعد قضية مصانع أو تراخيص أو استثمارات فحسب، بل قضية عدالة وكرامة وحق بالحياة. إنها معركة الدفاع عن الإنسان قبل الحجر، وعن صحة الناس قبل أرباح الشركات، وعن حق الأجيال القادمة في أن ترث أرضاً قابلة للحياة، لا أرضاً منهكة بالتلوث والاقتلاع والتدمير.

فالتاريخ لا يذكر من انتصر بالقوة والنفوذ فقط، بل يذكر أيضاً من دافع عن الحق عندما كان مكلفاً، ومن وقف إلى جانب الناس عندما اختار الآخرون الوقوف إلى جانب المصالح.

شاركها.