
محمد شفيق حمود
فخامة الرئيس أحمد الشرع،
نثمّن حكمتكم في إدارة الملفات السياسية واعتمادكم مبدأ التوازن والحكمة، حفاظاً على مصالح سوريا وشعبها، وإدراكاً منكم لحساسية المرحلة ودقة التحديات.
ونُدرك في هذا السياق أهمية انتهاج سياسة «شعرة معاوية» في إدارة العلاقات والملفات الحساسة، بما يحفظ التوازن بين مقتضيات السيادة ومقتضيات الانفتاح، ويُبقي جسور التواصل قائمة مع الأشقاء والأصدقاء دون تفريط بالثوابت أو بالمصالح الوطنية.
لكن يبقى سؤالٌ مشروع يطرحه آلاف اللبنانيين: هل يُعقل أن يدفع معارضو النظام البائد في لبنان ثمن مواقفهم مرتين؟
فقد عانى كثيرون منهم، على اختلاف انتماءاتهم، لعقود طويلة من ظلم النظام البائد، حيث مُنعوا من دخول سوريا عبر لوائح الأسماء على الحدود وقرارات المحكمة العسكرية، وتعرّضوا للملاحقة والتضييق بسبب مواقفهم السياسية وانحيازهم إلى الحرية والكرامة. وقد دفعوا أثماناً باهظة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً طوال سنوات طويلة.
واليوم، وبعد سقوط ذلك النظام، يجد عدد كبير منهم أنفسهم أمام قيود جديدة تجعل دخولهم إلى سوريا لقضاء أبسط حاجاتهم المعيشية أو لتلقي العلاج أو زيارة الأقارب مرهوناً بتأشيرات وموافقات مسبقة.
فخامة الرئيس،
إن غالبية هؤلاء لا يقصدون سوريا للسياحة أو الترفيه، بل تدفعهم ظروفهم الاقتصادية الصعبة إلى ذلك. وقد تفاقمت هذه الظروف نتيجة سنوات طويلة من الأزمات والسياسات الفاشلة وسوء الإدارة التي ساهمت في إفقار اللبنانيين واستنزاف قدراتهم المعيشية، حتى بات كثير منهم تحت خط الفقر. ولذلك يقصدون الأسواق السورية لأنها أقل كلفة، ويلجؤون إلى الأطباء والمستشفيات فيها لأن كلفة العلاج أصبحت أكثر ملاءمة لإمكاناتهم المحدودة.
أما آن الأوان لإنصاف من دفع الثمن أربعة عشر عاماً من الوقوف إلى جانب الشعب السوري في محنته، بل وعقوداً طويلة من المعاناة بسبب معارضته للنظام البائد؟ أما آن الأوان لطيّ صفحة الماضي وفتح الأبواب أمام من وقف إلى جانب الحق وتحمل تبعات مواقفه السياسية والإنسانية؟
وإن اعتماد مقاربة متوازنة تنسجم مع سياسة الحكمة ومدّ الجسور لا يتعارض مع متطلبات الدولة، بل يعزز صورة سوريا الجديدة كدولة قادرة على الجمع بين الحزم والإنصاف، وبين حماية مصالحها وتقدير من ساند شعبها في أحلك الظروف.
إن تسهيل دخول هؤلاء إلى سوريا ليس مجرد إجراء إداري، بل هو موقف إنساني وأخلاقي ورسالة تقدير ووفاء لمن دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن مبادئهم وقناعاتهم.
فخامة الرئيس،
إن سوريا الجديدة التي يتطلع إليها السوريون والأشقاء العرب هي سوريا التي تداوي الجراح ولا تعيد فتحها، وتكرّم من وقف إلى جانب شعبها في أصعب الظروف، وتمنح الأمل لمن ينتظرون أن يلمسوا ثمار التغيير الذي ناضلوا من أجله.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.
