شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د.أيمن خالد

قضيتُ 35 عاماً في الصحافة والإعلام، بين أروقة التحرير وشاشات التلفزيون، تقلبتُ خلالها بين قضايا العرب والشرق الأوسط، وعايشتُ كواليس صناعة الرأي العام في العواصم العربية والعالمية.

طوال تلك العقود الثلاثة والنصف، كنتُ أظن أنني فككتُ شفرات “البروباغندا” وفهمتُ حدود المناورة، لكنني بكل صراحة، لم أتخيل يوماً حجم القدرة الإيرانية الحالية التي استطاعت أخيراً إفشال الماكينة الإعلامية الأمريكية والأوروبية بالضربة القاضية.

لقد وقف العالم مذهولاً أمام مفارقة جيوسياسية وإعلامية غريبة: كيف استطاع هذا الإعلام الإيراني المحاصر والمستنزف، أن يثبت للعالم كلياً أن إيران انتصرت سياسياً وعسكرياً واقتصادياً؟ في المقابل، بدا الإعلام الأمريكي العتيق والعملاق مرتبكاً، ضعيفاً، ومنزوياً في موقع المدافع المنهزم.

كل العالم الليلة يتحدث بلغة واحدة: “النصر لإيران”. فما الذي جعل أمريكا والغرب في هذه الصورة من الضعف؟ وهل يعقل أن واشنطن غير قادرة على الدفاع عن سرديتها، أم أن في كواليس الحرب النفسية سراً آخر؟

إن قراءة المشهد بعين الخبير، تفكك هذه المفارقة الصادمة عبر معادلة بالغة التعقيد:

لقد انتصرت الرواية الإيرانية وهي الغارقة في دماء المعركة، بينما انهزمت الرواية الأمريكية وهي التي فرضت بالفعل كل شروطها على الأرض!

ولكي نفهم كيف طهت طهران هذا التناقض العجيب، دعونا نضع الوقائع والميدان في كفتين:

1. الميدان أمريكي.. والسردية إيرانية

الحقيقة الصلبة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن أمريكا فرضت شروطها بالحديد والنار؛ خنقت الموانئ الإيرانية بثلاث حاملات طائرات، واغتالت القيادات، واقتادت طهران قسراً نحو طاولة التوقيع تحت وابل الطائرات والتطويق وقاذفات B-52.

ومع ذلك، نجح العقل الإيراني ببراعة في تطبيق تكتيك “أول من يصرخ بالانتصار”؛ فضخ في الساعات الأولى أرقاماً فلكية عن حزم إعمار بـ 300 مليار دولار ورسوم خدمات في هرمز، ليصنع “صدمة وعي مضادة” امتصت مرارة التنازلات الميدانية وحولتها في عقول الجماهير إلى “إذعان أمريكي”.

2. غسيل الدماء بالبروباغندا

إيران التي تدخل هذا الاتفاق الإطاري وهي غارقة في دماء معاركها الإقليمية، ومثقلة باقتصار تحالفاتها على جبهات مذهبية منهارة وضعت شعوبها تحت القصف، استطاعت عبر إعلامها الموجه بـ”الغرفة الواحدة” إخفاء كل هذه العيوب الهيكلية.

لقد نجحت في تسويق انحنائها الاضطراري كـ”ثبات وإباء”، بينما سقطت الماكينة الأمريكية في فخ “تعدد الأصوات الديمقراطي”؛ حيث تحول الاتفاق في واشنطن إلى بازار للتناحر الحزبي والانتخابي، فظهر الردع الأمريكي في صورة الارتباك والضعف الإعلامي.

3. عقلية “التاجر” وعقدة الاقتصاد الغربي

لم تنهزم أمريكا عسكرياً، لكن إعلامها بدا مهزوماً لأن إدارة ترامب تفكر بعقلية “رجل الأعمال” لا العقائدي؛ ترامب حصل على جوهر غايته (تأمين تدفق النفط في المضيق وتجميد التخصيب)، ولم يكترث بترك “الهامش اللفظي” لطهران لتمارس فيه استعراضها الإعلامي أمام جمهورها المخدوع.

الغرب تحكمه حسابات التضخم وحذر أسواق الطاقة، وهو ما منحه غلافاً من التردد، في حين لا تملك طهران ما تخسره سوى المزايدة بـ”الانتصار الوهمي”.

خلاصة القول بـ رؤية_خاصة

نحن أمام أكبر عملية خداع بصري وإعلامي في التاريخ الحديث؛ إيران أدبت الصورة الأمريكية الليلة بروايتها، لكنها لم تؤدب السلطة الأمريكية في الميدان.

إنها معركة وعي بامتياز، تفرض على النخب وقادة الفكر ألا يسقطوا في فخ الصور النمطية والأفكار المعلبة.

الرواية الإيرانية انتصرت رقمياً وهي مثقلة بالدماء، لكن مهلة الـ 60 يوماً المشروطة قادمة، وحين ينقشع غبار المعركة الإعلامية وتبدأ اللجان الفنية بالتفتيش الصارم تحت عصا الـ B-52 الحاضرة في السماء، سيعود الإعلام الأمريكي ومعه وقائع الميدان الصلبة ليثبتا أن الكلمة الأخيرة تُكتب بالحقائق لا بالشعارات.

شاركها.