شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

حافظت الجماعة الإسلامية على سلمية عملها في الداخل

لدى الجماعة تاريخ في المقاومة، لكنّ انخراطها في حرب الإسناد كان خاطئاً

مراكز الجماعة مغلقة بالتنسيق مع الدولة وهي خارج دائرة الخطر

السلاح المصادر لم يكن من مركز الجماعة فقط بل من الطرف الآخر أيضاً

آن الأوان للخروج نحو حلّ الجناح العسكري وتصفية الملفات العالقة

الجماعة الإسلامية مدعوّة للتحرّك نحو مقاربات جديدة تأخذ بعين الاعتبار كلّ المتغيرات الحاصلة في العام والإقليم والبلد، وأن تخرج من الجمود إلى المبادرة الشجاعة في القرارات التي ينبغي اتخاذها.. قبل فوات الأوان

أحمد الأيوبي

بداية، لا بُدَّ من التأكيد على أنّ كاتب هذه السطور سبق أن أكّد في اللقاءات الخاصة مع قيادة الجماعة الإسلامية، وفي الإعلام، عدم تأييده لدخول الجماعة حرب إسناد غزة، لأسباب كثيرة، أهمها عدم جدوى ذلك التدخل بالنسبة لقضية غزة وشعبها، فضلاً عن أنّ تلك المشاركة وضعت الجماعة في المشهد العام ضمن اصطفاف شكلي على الأقل مع “حزب الله” الذي يعمل لصالح المحور الإيراني ويستجلب الرفض من أغلب الشعب اللبناني.

وكنتُ قد نصحتُ مباشرة وعبر الإعلام ايضاً، بضرورة اتخاذ الجماعة الإسلامية قراراً بحلّ الجناح العسكري التابع لها (قوات الفجر) خاصة بعد انتهاء حرب إسناد غزة، لإخراج الجماعة وشبابها من دائرة الاستهداف، خاصة أنّ عملهم الميداني كان محدوداً لضيق ذت اليد وغياب الدعم، ولأنّ شباب هذا الجناح أصبحوا يستشهدون وهم مطارَدون وليس على خطوط المواجهة، إضافة إلى أنّ الصراع أخذ منحى إقليمياً لا يصحّ أن تبقى فيه الجماعة ضمن رمادية الموقف، ولا يصحّ أن تخضع للابتزاز الإيراني، أي إمّا أن تكون مع إيران، أو أن تكون مع المعسكر الإسرائيلي.

هذه الرؤية وهذا النقاش مع قيادة الجماعة الإسلامية مستمرّ، ولا ينبغي أن ينقطع، لكنّه لا يعني القبول باستهداف الجماعة والافتراء عليها كما حصل في حادثة الاعتداء على مركزها في عائشة بكار في بيروت. ومن هنا ينبغي الإضاءة على مجموعة من الحقائق غيّبها الإعلام، وقصّرت الجماعة في توضيحها، ومنها:

 

أولاً: أنّ مركز الجماعة الرئيس في بيروت (عائشة بكار) وباقي المراكز في المناطق، قد جرى إغلاقها بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، وجرى إخلاؤها من العمل التنظيمي وكلّ أشكال النشاط حفاظاً على سلامة محيط هذه المراكز من الاستهداف الإسرائيلي. وقد صرّح بعض مسؤولي الجماعة باستعدادها لوضع مراكزها بتصرف الدولة اللبنانية إذا لزم الأمر.

هذا يعني بوضوح، أنّ التخويف من الاستهداف الإسرائيلي لمراكز الجماعة، وخاصة مركز بيروت، ادعاء كاذب، وما جرى من خطاب يبرّر الاعتداء على مركزها وشبابها هو مجرّد غطاء لافتعال الإشكال المسبق التحضير.

ويدلّ على هذا أنّ خطاب المختار طارق عيسى، وهو ليس مختار المحلة، جاء مُحَمَّلاً برسائل ذات طابع تحريضي، وكأنّه يتلبّس حالة ياسر أبو شباب في غزة، من خلال مسلحيه وانتشاره الأمني وطبيعة تحرّكه المشبوه، وهو الذي دارت حوله شبهات الانتماء إلى ما يسمى سرايا المقاومة، وله صلاتٌ معروفة بـ”الأحباش” وبجهات أخرى لا تقلّ شبهة عما تقدّم.

 

ثانياً: تساءل المختار طارق عيسى بتذاكٍ ملحوظ عن سبب وجود مسلحين في مركز الجماعة، وهذا سؤال خبيث يتجاهل أنّ المركز يحتاج إلى حماية من اللصوص أو أشباهم، لاحتوائه على مقتنيات ذات قيمة مادية ومعنوية، ولا يُعقل تركه مشرّعاً للعابرين.

ثالثاً: تأكد أنّ أغلب سلاح شباب الجماعة هو سلاح مرخـّص، وهو محصور الاستعمال في حماية المركز، ولم يُستخدم لانتشارٍ أمني في المنطقة، أو لأعمال بلطجة أو اشتباكات مع الجوار، بينما يُعرف عن المختار عيسى أنّه جزء من شبكات مافيا المولدات التي تستخدم السلاح في سبيل فرض سطوتها وحماية مخالفتها للقانون، وخاصة تسعير فاتورة المولدات.. وهذا حديث آخر.

 

رابعاً: جرى الترويج أنّ صور السلاح الذي صادره الجيش اللبناني بعد وقوع الإشكال هي مصادرة فقط من مركز الجماعة الإسلامية، بينما الحقيقة أنّ ما جرى عرضه صودر أيضاً من المسلحين المحسوبين على المختار عيسى، ومنها أسلحة انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أنّ بعضها تستورده الدولة اللبنانية حصراً، ما يطرح أسئلة كثيرة عن هذا الملف، وهذا حديث آخر أيضاً.

 

خامساً: جاءت عمليات التوقيف بشكل غير متوازن، وتحتاج إلى مقاربة واقعية لحقيقة أنّ مركز الجماعة تعرّض للهجوم، وأنّ عناصرها لم ينفذوا أي انتشار في المحيط.

 

سادساً: إذا كان من داعٍ لاتخاذ إجراء بخصوص مركز الجماعة الإسلامية في بيروت، فإنّ الدولة وأجهزتها هي التي تتخذ القرار، وليس مجموعات مسلحة خارج القانون أصلاً، ومن غير المقبول من الدولة التسليم بوجود هذه المجموعات التي تدعي وصايتها على الأمن في بيروت.

 

سابعاً: كانت الجماعة من أبرز مؤيدي أن تكون بيروت منزوعة السلاح وخالية من السلاح غير الشرعي، ومن غير المنصف تصويرها على أنّها تشكل مظهراً من مظاهر السلاح المنفلت، فليس لها مقارّ عسكرية وكلّ ما لديها وسائل حماية أقلّ من عادية لمركزها الرئيس. بينما تتجاهل الأجهزة الأمنية الحالات المتضخمة

 

ثامناً: كلّ الأمور تُقاس بالسوابق. وتاريخ الجماعة يؤكد أنّها لم تشارك ولم تنخرط في أيّ أحداث أو صدامات داخلية، حتى في ذروة الانقسامات اللبنانية، وهي وإن أخطأت في مقاربة ملف “المقاومة” في التوقيت والوسائل وحتى الخطاب، غير أنّها لم تكن ميليشيا مارست الفتنة والاقتتال في الداخل.

أخيراً،

إذا كان للدولة من موقف، فيجب أن يكون محاسبة من أخطأ أياً كان، سواء من الجماعة أو من الذين هاجموا مركزها، وأن يكون القضاء حاسماً في معالجة هذا الملف، فلا يخضع للتمييع والاستقطاب السياسي والأمني، حتى لا تتكرّر تداعيات أحداث خلدة وما نتج عنها من مخاطر.

يحمل الاعتداء على مركز الجماعة بُعداً سياسياً واضحاً، ولا شكّ أنّه أعاد التذكير بالإشكاليات العالقة لديها، مع تعرضها للعقوبات الأميركية وتداعياتها التي لم تتضح كلُّ معالمها بعد.

وفي هذا السياق،

الجماعة الإسلامية مدعوّة للتحرّك نحو مقاربات جديدة تأخذ بعين الاعتبار كلّ المتغيرات الحاصلة في العام والإقليم والبلد، وأن تخرج من الجمود إلى المبادرة الشجاعة في القرارات التي ينبغي اتخاذها.. قبل فوات الأوان. وقد آن الأوان للخروج نحو حلّ الجناح العسكري وتصفية الملفات العالقة سياسياً وتنظيمياً.

شاركها.