بقلم: رولا سوبره
باحثة دكتوراه، مستشارة في الادارة التربوية والقيادة والحوكمة، متخصصة في وضع الاستراتيجيات لأفضل الممارسات في الدمج التربوي والوصول الشامل
يمرّ القطاع التربوي في لبنان بمنعطف وجودي يتجاوز في أبعاده التفاصيل اللوجستية للامتحانات الرسمية، ليلامس جوهر الأمن الأكاديمي والعدالة الاجتماعية. وفي أوقات الأزمات الكبرى والحروب، لا تُقاس كفاءة الإدارة التربوية بمدى تمسكها بالعناد الإداري والأنظمة التي وُضعت في زمن السِّلم، بل بقدرتها على ابتكار “المرونة الإستراتيجية” التي توازن بدقة حاسمة بين استمرارية المرفق العام من جهة، والمسؤولية الإنسانية والأخلاقية لحماية الأرواح وتأمين تكافؤ الفرص من جهة أخرى.
إن الإصرار الحالي للسلطتين التنفيذية والتشريعية على تسيير امتحانات الشهادة الثانوية العامة (الترمينال) بآلياتها التقليدية والجامدة، في ظل واقع ميداني يفرض نزوح مئات الآلاف من الطلاب والأساتذة وحرمانهم من مقومات التحصيل الدراسي الأساسية، يعكس فجوة عميقة بين مراكز صناعة القرار والواقع الميداني والتربوي المعاش.
المنهجية المقارنة: كيف تدير الدول الهيكلية أزماتها التربوية؟
عند قراءة السياسات التربوية الدولية المقارنة في أوقات الطوارئ البنيوية، نجد أن دول العالم المتقدم تلجأ فوراً إلى تطويع القوانين لحماية الأجيال بدلاً من معاقبتهم بالآليات.
في فرنسا، وتحديداً خلال الأزمة الهيكلية العاصفة التي هددت العامين الدراسيين 2020 و2021، لم يكن قرار الانتقال إلى نظام “التقييم المستمر” (Contrôle Continu) وإلغاء الامتحانات التقليدية لشهادة البكالوريا مجرد قرار إداري معزول لوزير التربية الأسبق جان ميشيل بلانكيه. لقد شهدت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) نقاشات حامية وضغوطاً تشريعية مكثفة من مختلف القوى السياسية التي أجمعت على تقديم السلامة الجسدية والنفسية للطالب فوق أي اعتبار تنظيمي. شكّل النواب هناك شبكة أمان تشريعية وقانونية منحت القرار غطاءً وطنياً حمى السمعة الدولية للشهادة دون تعريض طالب واحد للخطر.
بالتوازي، تقدم التجربة التشريعية الأمريكية نموذجاً رائداً في الحوكمة المرنة. فبين عامي 2011 و2015، وفي ذروة تفاوتات إقليمية وأزمات بنيوية حادة منعت بعض الولايات من تلبية شروط القوانين الفيدرالية الصارمة للتعليم، تحرك وزير التعليم الأمريكي الأسبق أرني دانكان بتنسيق وثيق وتفويض مباشر من نواب الكونغرس ومجالس الولايات الفيدرالية. لقد أصدر دانكان إعفاءات طوارئ فيدرالية (Waivers) شملت أكثر من 42 ولاية، مانحاً الإدارات المحلية الصلاحية المطلقة لابتكار آليات تقييم بديلة وعادلة تناسب واقع كل منطقة، تلافاها النظام الفيدرالي عبر إتاحة “الترفيع المشروط” بالعام الجامعي الأول كفلتر أكاديمي صارم.
المقاربة المحلية: مخالفة صريحة للدستور والقوانين المرعية
إذا كانت الدول الكبرى تطوّع قوانينها لحماية الأمن الأكاديمي، فإن المفارقة المؤلمة في لبنان تكمن في أن الإصرار على الآليات الحالية لا يمثل جموداً إدارياً فحسب، بل يقع في موقع المخالفة الدستورية الصريحة للقوانين اللبنانية مرعية الإجراء:
إن عراقة ومصداقية الشهادة الرسمية اللبنانية لا تستمد قيمتها من جمود الآليات الإدارية، بل من عدالة تطبيقها وإنسانية معاييرها. إن الحكم الرشيد وإدارة الأزمات الحقيقية تتجلى في الجرأة على ابتكار الحلول الاستثنائية وقت الشدائد؛ ليبقى الطالب اللبناني هو الهدف الأسمى والخط الأحمر الذي لا يجوز لأي حسابات سياسية أو إدارية أن تتخطاه.
