هل تُدار حكومة نواف سلام من السراي أم من خارجها؟
بقلم: المحامية فيكتوريا أحمد فاضل (محامية وباحثة في القانون العام)
ليست الكلمات في الخطاب السياسي مجرد أدوات للتعبير. ففي بلد مثل لبنان، حيث لا يزال النزاع قائمًا حول مفهوم الدولة نفسها وحدود سلطتها وموقع مؤسساتها، قد تصبح المفردة جزءًا من معركة سياسية متكاملة: تُمنح بها الشرعية حينًا، وتُسحب بها حينًا آخر.
ومن يتابع تصريحات حزب الله وعدد من القوى السياسية والإعلامية المنضوية ضمن محور الممانعة، يلاحظ تكرارًا لافتًا لعبارة «السلطة اللبنانية» بدلًا من «الدولة اللبنانية»، وخصوصًا عند الحديث عن الحكومة أو عن المسارات التفاوضية والقرارات الرسمية التي لا تنسجم مع خيارات هذا المحور.
في الظاهر، لا خطأ قانونيًا في استخدام كلمة «السلطة». فالحكومة هي جزء من السلطة التنفيذية، والوزراء يمارسون صلاحيات عامة مستمدة من الدستور والقوانين.
لكن المشكلة لا تكمن في الكلمة منفردة، بل في نمط استخدامها.
عندما يكون المطلوب تحميل المؤسسات اللبنانية مسؤولية الحماية أو إعادة الإعمار أو مواجهة الاعتداءات أو تأمين الخدمات، تُستدعى عبارة «الدولة اللبنانية».
وعندما يكون المطلوب مطالبة المؤسسات بتغطية خيار المقاومة أو الاعتراف بسلاحها أو مراعاة معادلاتها، تصبح الدولة مرجعيةً مطلوبةً وواجبة الحضور.
أما عندما تحاول الحكومة اتخاذ قرار مستقل، أو إدارة تفاوض رسمي، أو إعادة جمع القرار السياسي والأمني داخل المؤسسات، تتحول الدولة فجأةً إلى مجرد «سلطة لبنانية».
وهنا لا نعود أمام اختلاف عابر في المصطلحات، بل أمام هندسة خطابية واضحة: الدولة تكون دولةً عندما تتبنى خيارهم، وتصبح سلطةً عندما تخالفه.
المشاركة في الدولة ونزع صفة الدولة عنها
المفارقة أن القوى التي تستخدم هذا الخطاب ليست خارج النظام السياسي اللبناني، وليست معارضةً تقف بعيدًا عن مؤسسات الحكم.
هي تشارك في الحكومات، وتفاوض على الحقائب، وتقترح الوزراء، وتتمسك بمواقعها داخل الإدارات، وتحرص على ضمان حضورها في كل استحقاق.
لكنها تحتفظ، في الوقت نفسه، بحق الوقوف خارج المؤسسات والطعن بشرعيتها المعنوية متى صدر عنها قرار لا ينسجم مع رؤيتها.
وهنا تكمن الازدواجية الأخطر: الاستفادة من الدولة عند توزيع النفوذ، ونزع صفة الدولة عنها عند تحمّل المسؤولية.
فإذا نجحت الحكومة في تقديم خدمة أو معالجة أزمة أو انتزاع دعم خارجي، قيل إن الدولة قامت بواجبها.
أما إذا اتخذت قرارًا لا يرضي محورًا سياسيًا معينًا، أصبحت فجأةً «سلطة» متهمة بالتبعية والتفريط والتنازل.
ولا يعود معيار الشرعية هو الدستور أو المؤسسات أو الإرادة الوطنية، بل مقدار اقتراب القرار الرسمي أو ابتعاده عن قرار القوة الموازية للدولة.
هل الحكومة مؤسسة واحدة فعلًا؟
هذا السؤال لا يتعلق بخطاب الممانعة وحده، بل يمتد إلى داخل الحكومة نفسها.
فالحكومة، دستوريًا، ليست تجمّعًا لوزارات مستقلة عن بعضها بعضًا، وليست ملتقىً لمندوبين عن الأحزاب والطوائف والزعامات.
إنها السلطة التنفيذية التي تضع السياسة العامة للدولة وتتحمل مسؤولية تطبيقها.
أما الوزير، فليس ممثلًا لمرجعيته داخل الوزارة، ولا صاحب إقطاعية إدارية منفصلة، بل مسؤول عن إدارة مرفق عام باسم الدولة وتحت سقف الحكومة.
لكن الممارسة اللبنانية كثيرًا ما تنتج مشهدًا مختلفًا: وزارة لهذا الفريق، ووزارة لذاك المرجع، وإدارة محسوبة على هذا الزعيم، وملف لا يُحسم قبل الحصول على غطاء سياسي أو طائفي من خارج المؤسسة.
وبذلك يتحول مجلس الوزراء من سلطة تنفيذية واحدة إلى مجموعة مراكز نفوذ متجاورة، لكل منها مرجعياتها وحساباتها وهوامشها.
نواف سلام: قوة الخلفية المؤسساتية وحدودها
دخل الرئيس نواف سلام إلى رئاسة الحكومة من خارج البنية التقليدية للزعامات اللبنانية.
لم يأتِ من ماكينة انتخابية محلية، ولا من شبكة خدمات سياسية متجذرة في الإدارات، ولا بوصفه وريثًا لزعامة طائفية.
جاء من خلفية أكاديمية ودبلوماسية وقضائية، ومن خطاب إصلاحي ومؤسساتي رفع سقف التوقعات لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.
وقد يكون هذا الأمر مصدر قوة، لأنه يمنحه مسافةً عن المنظومة التقليدية.
لكنه قد يتحول أيضًا إلى مصدر ضعف إذا لم تُستكمل المعرفة الدستورية بخبرة دقيقة في شبكات النفوذ الداخلية التي تراكمت داخل الإدارات والوزارات والمؤسسات طوال عقود.
فالنظام اللبناني لا يُدار بالنصوص وحدها.
إنه يُدار أيضًا من خلال علاقات غير معلنة، وتحالفات متقاطعة، ومراكز تأثير، وأسماء تبدو مستقلة في الظاهر لكنها تأتي أحيانًا ضمن تسويات أو اقتراحات أو توازنات لا تظهر للرأي العام كاملةً.
ولا يجوز اتهام أي وزير بانتماء خفي من دون دليل. لكن من حق اللبنانيين أن يسألوا: هل أحسن رئيس الحكومة تقدير حجم النفوذ المتداخل داخل حكومته؟ وهل أدت الرغبة في تشكيل حكومة متآلفة إلى إعادة إنتاج مراكز القوى القديمة بأشكال أقل وضوحًا؟
هل اقتصر دور رئيس الحكومة على الملفات السيادية؟
قد يكون من المشروع طرح فرضية أعمق.
هل دخل الرئيس نواف سلام إلى السراي ضمن توزيع ضمني للأدوار، لا يرقى بالضرورة إلى اتفاق معلن أو مكتوب، لكنه يظهر من خلال الممارسة؟

أي أن يُترك له هامش واسع في الملفات الكبرى التي تحظى باهتمام دولي واضح، مثل استعادة قرار الدولة، وحصرية السلاح، والعلاقة مع المجتمع الدولي، والإصلاحات المطلوبة للحصول على الدعم الخارجي، فيما تبقى الإدارة اليومية للوزارات والمؤسسات خاضعة، بدرجات متفاوتة، لشبكات النفوذ التقليدية التي اعتادت التحكم بها.
لا توجد معطيات كافية للجزم بوجود اتفاق صريح من هذا النوع.
لكن السؤال يصبح مشروعًا عندما تبدو بعض الوزارات وكأنها تتحرك ضمن مساراتها الخاصة، أو تستعين بمرجعيات سياسية خارج مجلس الوزراء لتثبيت قراراتها، أو تضع رئيس الحكومة أمام نتائج سياسية لا يستطيع التنصل منها ولا يبدو قادرًا على ضبطها كاملًا.
وقد يكون الرئيس سلام، بحكم خلفيته ورغبته في عدم خوض معركة زعامة سنية مع رؤساء الحكومات السابقين، قد تجنّب الدخول في مواجهة مباشرة مع الشبكات التي أدارت المؤسسات خلال السنوات الماضية.
وقد يكون قد أراد أن يكون رئيسًا للحكومة لا زعيمًا لطائفة، وهذه نقطة إيجابية في المبدأ.
لكن المشكلة أن الفراغ لا يبقى فارغًا. فإذا لم تمارس المؤسسة صلاحياتها كاملةً، ملأت المرجعيات السياسية المساحة المتروكة لها.
وإذا لم يجمع رئيس الحكومة القرار التنفيذي داخل السراي، توزعت الحكومة فعليًا بين مراكز قوى لا تظهر دائمًا في الواجهة.
قانون الفجوة المالية: من يتحمل الكلفة السياسية؟
ظهر هذا الإشكال بوضوح في ملف قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بقانون الفجوة المالية.
هذا الملف ليس مسألة تقنية محصورة بوزارة المال أو بوزارة الاقتصاد أو بحاكم مصرف لبنان.
إنه أحد أخطر الملفات الوطنية منذ انهيار النظام المصرفي، لأنه يطال حقوق مئات آلاف المودعين، ويعيد توزيع الخسائر، ويطرح السؤال الذي لا يزال اللبنانيون ينتظرون جوابًا واضحًا عنه: من يتحمل مسؤولية الانهيار؟ ومن يدفع ثمنه؟
شارك رئيس الحكومة في متابعة المشروع والدفاع عنه، فلا يمكن تصويره كأنه كان بعيدًا عنه أو مفاجأً به.
لكن الاعتراض الشعبي الواسع الذي رافق الملف كشف مشكلة أعمق: الحكومة لم تنجح في إقناع الناس بأن المحاسبة تسبق التسوية، وأن حقوق المودعين لن تتحول مرةً جديدةً إلى بند قابل للتفاوض، وأن توزيع الخسائر لن يكون طريقةً قانونية لتبرئة المستفيدين من النظام المالي السابق.
وهنا تحمل رئيس الحكومة الجزء الأكبر من الكلفة السياسية.
فحين يشتد الغضب الشعبي، لا يتوقف الناس طويلًا عند توزيع الصلاحيات بين الوزراء.
يتجهون إلى السراي، وإلى رئيس الحكومة، باعتباره المسؤول السياسي الأول عن الحكومة وعن خياراتها.
وزارة التربية: عندما يحتاج القرار الإداري إلى غطاء سياسي
يتكرر السؤال اليوم في ملف وزارة التربية والامتحانات الرسمية.
لا اعتراض من حيث المبدأ على أن تجتمع وزيرة التربية بالرئيس نبيه بري فالجنوب يعيش ظروفًا استثنائية، وأهله وطلابه تحملوا عبئًا ثقيلًا نتيجة الاعتداءات والنزوح واضطراب العام الدراسي ومن الطبيعي أن يُستمع إلى رأي ممثلي المنطقة وإلى هواجس الأهالي والطلاب.
لكن المشكلة ليست في التشاور.المشكلة تبدأ عندما يبدو المشهد وكأن القرار الوزاري يحتاج إلى غطاء سياسي من الرؤساء والزعامات والأحزاب كي يكتسب شرعيته.
فهل تُدار وزارة التربية على أساس تقارير ميدانية واضحة؟ هل جرى احتساب عدد المدارس المتضررة أو المقفلة؟ هل قُيّم حجم الفاقد التعليمي؟ هل دُرست أوضاع الطلاب النازحين؟ هل جرى التأكد من إمكان تأمين مراكز آمنة؟ ما هو دور التفتيش التربوي؟ وما هو دور لجنة التربية النيابية؟
وأين رئيس الحكومة من ملف وطني يطال مستقبل الطلاب وسلامتهم وتكافؤ الفرص بينهم؟
فالامتحانات الرسمية في ظل حرب أو نزوح أو اضطراب أمني ليست قرارًا أكاديميًا ضيقًا.
إنها قضية وطنية تتصل بالعدالة التربوية وبالمساواة بين الطلاب وبمصداقية الشهادة الرسمية وبثقة الناس بالدولة.
وإذا كان القرار قد اتُّخذ بالتشاور مع الرؤساء الثلاثة، فإن هذا لا يقفل النقاش، بل يفتح سؤالًا إضافيًا: لماذا تحتاج المسائل الوطنية إلى غطاء من المرجعيات بدل أن تصدر عن آلية مؤسساتية واضحة تتحمل الحكومة مسؤوليتها بصورة معلنة؟
بين احتمالين أحلاهما مرّ
تضع هذه الوقائع رئيس الحكومة أمام احتمالين، وكلاهما يحتاج إلى جواب.
إما أن تكون القرارات الأساسية التي تثير الرأي العام تُتخذ داخل الوزارات من دون تنسيق حكومي كافٍ، وعندها تظهر رئاسة الحكومة ضعيفةً أمام الوزراء وغير قادرة على فرض وحدة القرار التنفيذي.
وإما أن تكون هذه القرارات متخذةً بعلم رئيس الحكومة وتغطيته الكاملة، وعندها يصبح مسؤولًا سياسيًا عنها، ولا يعود ممكنًا ترك الوزراء وحدهم في الواجهة أو الاكتفاء بالصمت.
وهناك احتمال ثالث أكثر تعقيدًا: أن تكون الحكومة قد تشكلت على أساس تسويات ضمنية توزع الأدوار والنفوذ، فيتحمل رئيس الحكومة العنوان السياسي العام، بينما تحتفظ شبكات القوى التقليدية بهوامش واسعة داخل بعض الوزارات والمؤسسات.
وفي الحالات الثلاث، تكون النتيجة واحدة: تتآكل صورة الحكومة بوصفها مؤسسة واحدة، ويصبح رئيسها إما ضعيفًا أمام وزرائه، وإما مسؤولًا عن قرارات لا يشرحها بما يكفي، وإما أسيرًا لتوازنات قبل بها كي يتمكن من إدارة الملفات الكبرى.
لا حاجة إلى نظرية مؤامرة
ليس ضروريًا الجزم بوجود خطة سرية متكاملة لإضعاف الرئيس نواف سلام كما لا يجوز توزيع الاتهامات على الوزراء أو افتراض الولاءات المستترة من دون أدلة.
لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا فقط .إنها تُقاس أيضًا بالنتائج.
والنتيجة التي يراها الناس اليوم هي أن حكومة أُريد لها أن تكون عنوانًا لاستعادة الدولة تواجه خطر التحول إلى مجموعة وزارات ذات مسارات متباعدة.
بعض القوى تشارك في هذه الحكومة، ثم تنزع عنها صفة الدولة عندما تختلف معها.
وبعض القرارات الحساسة تبدو محاطةً بغطاءات سياسية أكثر مما هي محاطة بتقارير مؤسساتية واضحة.
وفي نهاية المطاف، يُترك رئيس الحكومة أمام الكلفة السياسية الكاملة.
فإذا نجحت الحكومة، توزعت الإنجازات بين المرجعيات. وإذا أخفقت، تجمعت المسؤولية عند رئيسها.
استعادة الدولة تبدأ من داخل الحكومة
لا يمكن بناء الدولة بمجرد رفع شعار حصرية السلاح أو استقلالية القرار أو الإصلاح.
الدولة تبدأ أولًا من داخل مجلس الوزراء.
تبدأ عندما يكون رئيس الحكومة رئيسًا فعليًا للحكومة، لا منسقًا بين مناطق نفوذ متجاورة.
وتبدأ عندما يكون الوزير مسؤولًا أمام الدولة والناس، لا أمام الجهة التي اقترحت اسمه أو وفرت له الغطاء.
وتبدأ عندما تصبح التقارير والوقائع والقانون أساس القرار، لا التسويات والمرجعيات والاصطفافات.
وتبدأ عندما تعترف القوى السياسية بالحكومة بوصفها حكومة الدولة اللبنانية حتى عندما تختلف معها، لا أن تسميها «سلطة» كلما اتخذت قرارًا لا يناسبها.
فالدولة لا تكون دولةً حين توافق فريقًا سياسيًا، ثم تتحول إلى سلطة حين تخالفه.
والدستور لا يعمل بصورة انتقائية.
والمؤسسات لا تستعيد هيبتها إذا بقيت شرعيتها موزعة بين السراي والزعامات والمرجعيات الحزبية والطائفية.
أما الرئيس نواف سلام، فالسؤال المطروح أمامه اليوم ليس فقط كيف يدير الملفات الدولية الكبرى، ولا كيف يواجه تحديات المرحلة السياسية.
السؤال الأهم هو: هل يستطيع أن يعيد جمع حكومته داخل الحكومة؟
لأن من يريد استعادة الدولة، عليه أن يبدأ أولًا باستعادة مجلس الوزراء.
