شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم المحامية فيكتوريا أحمد فاضل

محامية و باحثة في القانون العام.

بعد إرجاء جلسة العفو العام… هل نحتاج إلى عفو أم إلى إصلاح أصل المشكلة؟
بعد إرجاء جلسة مجلس النواب المخصصة لبحث قانون العفو العام، وما رافق الاقتراح من اعتراضات وخلافات حول من يشمل ومن يستثني، بات من الضروري نقل النقاش من منطق التسويات السياسية إلى منطق الإصلاح التشريعي الحقيقي.
فالمشكلة لا تكمن فقط في قانون العفو العام، بل في أصل الخلل الذي يجعل السجون تمتلئ بموقوفين احتياطيًا لسنوات طويلة قبل صدور أحكام نهائية بحقهم.
لقد سبق للمشترع أن تدخّل في المادة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فألزم القاضي بالبتّ بالدفوع الشكلية ضمن مهلة محددة، منعًا لاستخدامها كوسيلة للمماطلة وتعطيل المحاكمة. فإذا كان تعطيل المحاكمة بدفع شكلي يستوجب تدخلًا تشريعيًا، فكيف لا يستوجب تعطيل حرية الإنسان التدخل نفسه، بل بصورة أشد؟
الأجدى اليوم ليس الاكتفاء بعفو عام موسمي أو انتقائي، بل تعديل المادتين 107 و108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، بحيث يصبح التوقيف الاحتياطي محكومًا بسقوف واضحة وملزمة، وبقرارات تمديد معللة تعليلًا خاصًا وجديًا، وبإخلاء سبيل حكمي عند تجاوز المهلة، مع استمرار المحاكمة من خارج السجن.
في القانون اللبناني، المادة 108 تضع أصلًا سقوفًا للتوقيف الاحتياطي: شهرين في الجنح قابلة للتمديد لمدة مماثلة، وستة أشهر في الجنايات قابلة للتمديد مرة واحدة بقرار معلل، لكنها تستثني جرائم خطيرة كالإرهاب والاعتداء على أمن الدولة والقتل والمخدرات، بما يفتح الباب عمليًا أمام توقيف طويل وغير محدد المدة. وقد أكدت اجتهادات لبنانية أن انتهاء المدة القصوى يوجب إخلاء السبيل، وأن ربط ذلك بكفالة أو شروط أخرى من شأنه تعطيل النص.
وحتى في القانون الفرنسي، الذي يمكن الاستئناس به بحكم صلته التاريخية بالتشريع اللبناني، فإن التوقيف الاحتياطي لا يُترك مفتوحًا بلا سقف حتى في الجنايات والجرائم الخطيرة. فالقانون الفرنسي يضع سقوفًا قصوى للتوقيف الاحتياطي: سنتان إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة أقل من عشرين سنة، وثلاث سنوات في الحالات الأشد، وقد تصل إلى أربع سنوات في بعض الجرائم شديدة الخطورة أو ذات البعد الخاص، كالإرهاب والاتجار بالمخدرات والجرائم المنظمة. وهذا يعني أن الخطورة لا تبرر توقيفًا مفتوحًا، بل تبرر سقفًا أعلى ورقابة أشد وتعليلًا أدق وينطلق من قاعدة أن الشخص المفترض براءته يبقى حرًا، وأن التوقيف لا يكون إلا كاستثناء ولأسباب محددة.
لذلك، فإن معالجة اكتظاظ السجون لا تكون فقط بسؤال: من يستفيد من العفو؟
بل بالسؤال الأهم: لماذا بقي هؤلاء موقوفين كل هذه السنوات أصلًا؟
المطلوب اليوم اقتراح قانون لا يكتفي بالعفو، بل يعالج التوقيف الاحتياطي نفسه، عبر:
تعديل المادة 108 وإلغاء فكرة التوقيف المفتوح في الجرائم المستثناة، أو على الأقل وضع سقف نهائي لها لا يجوز تجاوزه.
تعديل المادة 107 لتشديد شروط التوقيف الاحتياطي وربطه بضرورة فعلية ومعللة لا بعبارات عامة.
فرض رقابة دورية إلزامية على استمرار التوقيف.
اعتبار تجاوز المهلة موجبًا لإخلاء سبيل حكمي، مع استمرار المحاكمة من خارج السجن.
فالعدالة لا تتحقق بأن ننتظر سنوات ثم نختلف على عفو عام.
العدالة تبدأ عندما نمنع أن يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة مسبقة قبل الحكم.
كما ضُبطت الدفوع الشكلية منعًا لتعطيل المحاكمة، يجب أن يُضبط التوقيف الاحتياطي منعًا لتعطيل الحرية.

شاركها.