
شادي هيلانة – خاص موقع “القرار”
تبدو المقاربات اللبنانية المرتبطة بملف وقف إطلاق النار عاجزة عن ملامسة الوقائع المستجدة، بعدما تحول الجنوب إلى ساحة متقدمة ضمن الاشتباك المفتوح بين القوى الإقليمية والدولية.
ومن هذا المنطلق، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل، في حديث لموقع “القرار”، أن الطرح الذي يردده رئيس مجلس النواب نبيه بري حول وقف “حزب الله” إطلاق النار مقابل التزام إسرائيل بالأمر نفسه، لم يعد ينسجم مع طبيعة المرحلة الحالية بعدما تخطته الوقائع الميدانية والسياسية.
ويشير إلى أن الوفد اللبناني الذي يتولى التفاوض مع واشنطن في إطار المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وبتوجيهات من رئيس الجمهورية جوزاف عون، يسعى إلى تثبيت وقف لإطلاق النار يتجاوز الثغرات التي رافقت الهدنتين السابقتين، بحيث لا يقتصر الأمر على تحييد بيروت والضاحية الجنوبية، وإنما يمتد ليشمل كامل الأراضي اللبنانية دون استثناء.
غير أن هذا المسار وفق شربل، يصطدم بعقبات شديدة التعقيد، تبدأ من حجم التشابك القائم في المنطقة ولا تنتهي عند المقاربة الإسرائيلية التي تعتبر نفسها صاحبة اليد العليا ميدانيًا وعسكريًا، وترى أن من حقها استهداف أي جهة تعتبرها تهديدًا لأمنها، استنادًا إلى تفاهم 27 تشرين الثاني 2024، إضافة إلى المذكرة الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، ولا سيما البند الثالث المرتبط بما تسميه إسرائيل “حرية الحركة” لمواجهة الأخطار المحتملة.
ويلفت شربل إلى أن إسرائيل لن تقبل بسهولة بفكرة وقف إطلاق نار دائم يسمح لـ”حزب الله” بالتقاط أنفاسه أو إعادة ترميم قدراته العسكرية استعدادًا لأي مواجهة مقبلة، خصوصًا أن مناخ انعدام الثقة بات كاملاً بين الحزب والإسرائيليين، فيما الدولة اللبنانية، بحسب تعبيره، ليست الطرف الذي دفع نحو الحرب أو تسبب بتوريط لبنان في هذا المسار.
أما في ما يتعلق بموقف الرئيس بري، فيوضح شربل أن الأخير يحاول إيصال رسالة مفادها أنه في حال تحقق وقف شامل لإطلاق النار، فإنه قادر على ضمان التزام “حزب الله” بهذا المسار، إلا أن هذا التعهد يبقى ناقصًا من وجهة نظره، لأن العامل الإيراني يتجاوز قدرة بري على تقديم أي ضمانات حاسمة، وخصوصًا إذا انفجرت مواجهة مباشرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
ويعتبر أن النقطة الأخطر تكمن في إصرار حزب الله على إبقاء الجبهة اللبنانية مرتبطة بالكامل بمسار التفاوض الإيراني – الأميركي، ولذلك لم يمنح الحزب، بحسب قوله، أي موقف نهائي للرئيس بري، انما وضع شرطًا مسبقًا يتمثل بقبول إسرائيل وقفًا كاملًا وشاملًا لإطلاق النار، وهو ما يراه شربل أقرب إلى الشروط التعجيزية التي يصعب تحققها في الظروف الحالية.
ويختم شربل بالتأكيد أن الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار يبدو شبه مستحيل في المدى المنظور، بينما قد يكون خفض مستوى الاشتباك وحماية بيروت والضاحية من الانزلاق المباشر إلى الحرب أمرًا أكثر واقعية.
كذلك يربط شربل المشهد اللبناني باحتمال تجدد المواجهة الأميركية- الإسرائيلية مع إيران، معتبرًا أن فرص هذا السيناريو تجاوزت الخمسين في المئة، الأمر الذي يدفع الدولة اللبنانية إلى محاولة تثبيت وقف لإطلاق النار يتيح لها لاحقًا نزع سلاح الحزب، إلا أن الحسابات الإقليمية المتفجرة، والتهديدات اليومية الموجهة إلى طهران من واشنطن، تجعل هذه المقاربة وفق توصيفه، بعيدة جدًا عن الواقعية السياسية.
