شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم المحامية فيكتوريا أحمد فاضل

في كل مرة يتعرّض فيها لبنان لاعتداء إسرائيلي جديد، يعود إلى الواجهة خطاب «الملاحقة الدولية» بوصفه الردّ القانوني الممكن على انتهاك السيادة، واستهداف المدنيين، وخرق قواعد القانون الدولي الإنساني. ولا شكّ أن هذا العنوان، في ذاته، عنوان مشروع بل وضروري، لأن الدولة التي تتعرّض لاعتداءات متكررة لا يجوز أن تكتفي بالإدانة السياسية أو بالشكوى الإعلامية، بل يفترض أن تنتقل إلى بناء ملف قانوني موثّق وقابل للتحريك أمام المراجع الدولية المختصة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل «الملاحقة الدولية» من مسار قانوني فعلي إلى مادة إعلامية تُستخدم لإنتاج الظهور السياسي، أو لإيحاء الرأي العام بأن ثمّة معركة قانونية كبرى يجري إعدادها، بينما الواقع لا يزال في حدود اللقاءات، والبيانات، والعبارات العامة عن «تضافر الجهود التشريعية والحقوقية والأكاديمية».

فاللقاء الذي جمع النائبة الدكتورة حليمة قعقور بكل من الدكتورة لينا الطبال والدكتور أحمد جمعة، كما نُشر، خُصّص للبحث في المجالات القانونية الدولية المتاحة لملاحقة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وتناول «مناقشة الآليات القانونية الدولية» و«تعزيز مسارات التوثيق القانوني» و«إعداد ملفات قانونية متكاملة» تمهيدًا لرفعها إلى الجهات المختصة. هذه العبارات، على أهميتها، تبقى حتى الآن عبارات تمهيدية عامة، لا تكشف عن مسار إجرائي محدد، ولا عن جهة قضائية معيّنة، ولا عن صفة قانونية واضحة، ولا عن قرار رسمي صادر عن الدولة اللبنانية أو إحدى مؤسساتها المختصة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام بداية ملف قانوني جدي، أم أمام استثمار إعلامي في عنوان كبير اسمه «محاسبة إسرائيل»؟

الملاحقة الدولية ليست شعارًا. هي لا تبدأ بصورة لقاء ولا تنتهي ببيان. هي عمل قانوني معقّد يحتاج إلى تحديد المرجع المختص، وإلى جمع أدلة قابلة للإثبات، وإلى توثيق رسمي للضحايا والأضرار، وإلى ربط الوقائع بالقواعد القانونية المنتهكة، وإلى معالجة مسألة الصفة والاختصاص والقبول، وإلى قرار سياسي مؤسساتي واضح يمنح هذا الملف قوة تمثيلية باسم الدولة أو باسم الضحايا أو باسم جهة مخوّلة.

أما الاكتفاء بالقول إن هناك «مباحثات» أو «بحثًا في المجالات القانونية الدولية»، فهو لا يزال في دائرة الكلام السياسي والإعلامي، ولا يرتقي بذاته إلى مستوى الفعل القانوني. فالفرق كبير بين من يهدّد بالملاحقة الدولية إعلاميًا، وبين من يبني ملفًا قانونيًا يصلح فعلًا للملاحقة.

من جهة أخرى، عندما يكون أحد أطراف هذا الخطاب نائبًا في البرلمان، يصبح السؤال أكثر دقة. فالنائب لا يملك فقط حق إبداء الرأي أو المشاركة في لقاءات حقوقية، بل يملك أدوات دستورية ورقابية وتشريعية: توجيه أسئلة إلى الحكومة، تحريك اللجان المختصة، طلب مساءلة وزارتي الخارجية والعدل، اقتراح إنشاء آلية وطنية لتوثيق الانتهاكات، المطالبة بتقرير رسمي دوري عن الخروقات الإسرائيلية، والدفع باتجاه تكليف فريق قانوني وطني واضح الصفة. وقد سبق أن أُعلنت مواقف نيابية عن ضرورة توثيق الانتهاكات والذهاب بها إلى المحافل الدولية، لكن العبرة تبقى دائمًا في ما إذا كان هذا الكلام تحوّل إلى آلية مؤسساتية قابلة للمتابعة أم بقي في حدود التصريح.

فالذي يريد محاسبة إسرائيل لا يكتفي بأن يقول إنه يبحث في المحاسبة. عليه أن يقول: أمام أي جهة؟ بأي صفة؟ بأي وقائع؟ بأي مستندات؟ بأي قرار رسمي؟ وبأي فريق قانوني؟ وإلا أصبح الخطاب القانوني نفسه جزءًا من الأداء الإعلامي، لا من مسار العدالة.

الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب قد يتحوّل، من حيث النتيجة، إلى نوع من «الترهيب المعاكس»: ترهيب إعلامي لإسرائيل بعنوان الملاحقة الدولية، من دون أن يكون خلفه ملف مكتمل. وكأننا نردّ على آلة الحرب بخطاب قانوني غير مكتمل، أو نواجه التفوق العسكري باستعراض حقوقي لم يتحول بعد إلى دعوى، ولا إلى شكوى جدية، ولا إلى مسار رسمي. وهذا يضرّ بالقضية أكثر مما يخدمها، لأنه يرفع سقف التوقعات الشعبية من دون أن يقدّم أدوات فعلية للمحاسبة.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن ظاهرة أوسع في الحياة العامة اللبنانية، حيث تتحول القضايا الكبرى إلى منصات لصناعة الأدوار الرمزية. فالأسطول، واللقاء، والتكريم، والصورة، والبيان، كلها أدوات قد تكون مشروعة في العمل السياسي والحقوقي، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة مساءلة دولية. المشاركة في أسطول رمزي أو التعرّض للاحتجاز أو الترحيل قد تمنح صاحبها حضورًا إعلاميًا أو رمزية سياسية، لكنها لا تغني عن السؤال الأساسي: أين الملف القانوني؟ وأين المؤسسة؟ وأين القرار؟ وأين آلية الإثبات؟ وقد نُشرت أخبار عن مشاركة لينا الطبال في أسطول الصمود واعتراض إسرائيل للمشاركين وترحيلهم، وهي واقعة يمكن قراءتها سياسيًا وحقوقيًا، لكنها تبقى مختلفة تمامًا عن بناء ملف ملاحقة دولية باسم لبنان أو باسم ضحايا الاعتداءات على لبنان.

إن العدالة الدولية لا تُدار بمنطق البطولة الفردية. ولا تُبنى على صناعة صورة لشخص أو مجموعة. هي مسار يحتاج إلى دولة أو مؤسسات أو ضحايا ممثَّلين قانونًا، وإلى وثائق وأدلة وخبراء واختصاصيين، وإلى صبر قانوني طويل. ومن هنا، فإن أي محاولة لاستخدام عنوان «الملاحقة الدولية» كأداة للظهور السياسي أو لتثبيت موقع داخل الرأي العام، هي محاولة يجب مساءلتها، لا لأنها تتبنّى قضية خاطئة، بل لأنها قد تفرغ القضية الصحيحة من مضمونها القانوني.

المطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات عن محاسبة إسرائيل. المطلوب أن تعلن الجهات النيابية والحقوقية والأكاديمية، إذا كانت جادة، عن خريطة طريق واضحة:

ما هي الوقائع التي ستوثّق؟

من هي الجهة التي ستملك الصفة؟

ما هو المرجع الدولي المستهدف؟

هل نحن أمام مسار أممي، أم شكوى أمام جهة تعاهدية، أم تحرك أمام مجلس حقوق الإنسان، أم ملف للمقررين الخاصين، أم مسار قضائي ذي اختصاص محدد؟

ما دور الحكومة اللبنانية؟

ما دور مجلس النواب؟

وما دور وزارة الخارجية ووزارة العدل؟

من دون هذه الأسئلة، يبقى الكلام عن «الملاحقة الدولية» كلامًا في كلام. لا يكفي أن نرفع عنوانًا كبيرًا لنصنع مسارًا كبيرًا. ولا يكفي أن نهدد إسرائيل بالقانون إذا لم نكن قد بدأنا فعلًا بتحويل القانون إلى ملف.

وهنا تبرز مفارقة لا يمكن تجاهلها :

الخطاب الحقوقي لا يُمتحن فقط عندما يكون الخصم إسرائيل، بل يُمتحن أيضًا عندما تكون الانتهاكات واقعة داخل الدولة نفسها، وبأيدي أجهزتها، وتحت نظر مؤسساتها. فإذا كان المطلوب اليوم ملاحقة إسرائيل دوليًا بسبب اعتداءاتها على لبنان، وهذا مطلب مشروع ومحق، فإن السؤال المقابل يبقى: أين كان الزخم النيابي والحقوقي نفسه في ملفات داخلية شديدة الحساسية، كملف الموقوفين الإسلاميين، والتوقيف الطويل بلا محاكمة، وادعاءات التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز التحقيق والسجون؟

هؤلاء أيضًا كانوا، وما زال بعضهم، موضوع انتهاك خطير للضمانات الأساسية: حق المحاكمة خلال مهلة معقولة، حق الدفاع، منع التعذيب، قرينة البراءة، وكرامة الإنسان. وهذه الحقوق لا تقلّ قيمة عندما يكون المنتهِك جهازًا داخليًا، ولا تصبح أكثر قداسة فقط عندما يكون المنتهِك عدوًا خارجيًا.

من يريد أن يتكلم باسم القانون الدولي وحقوق الإنسان في مواجهة إسرائيل، يُفترض أن يمتلك الجرأة نفسها في مساءلة الدولة اللبنانية عن انتهاكاتها الداخلية، وفي الدفاع عن كل إنسان تعرّض للتعذيب أو التوقيف التعسفي أو المحاكمة المؤجلة، أيًا كان انتماؤه أو تهمته أو خلفيته.

فالحقوق لا تُجزّأ، والكرامة الإنسانية لا تُستخدم انتقائيًا. ولا يجوز أن يتحوّل القانون الدولي إلى منبر سياسي نرفعه عندما يخدم صورة معينة، ثم نخفض صوته عندما يحرج السلطة أو الأجهزة أو التوازنات الداخلية.

لذلك، فإن أي خطاب عن ملاحقة إسرائيل دوليًا يبقى ناقصًا إذا لم يقترن بموقف واضح من الانتهاكات الواقعة داخل لبنان نفسه. فالدولة التي تريد أن تحاسب الخارج على خرق القانون، عليها أولًا ألا تتسامح مع خرق القانون في الداخل. والنائب أو الحقوقي الذي يطالب بالعدالة الدولية، عليه أن يثبت أن ميزانه الحقوقي واحد، لا يتبدّل بحسب هوية الضحية أو هوية الجلاد.

وعليه أولًا أن يثبت أنه يملك معيارًا واحدًا للكرامة الإنسانية، لا معيارًا خارجيًا يصلح للمنابر ومعيارًا داخليًا تُطوى صفحاته بالصمت أو الحذر السياسي.

لبنان لا يحتاج إلى استعراضات جديدة، ولا إلى صناعة أدوار رمزية فوق وجع الجنوب ودماء المدنيين. يحتاج إلى دولة تعرف كيف توثّق، ونواب يعرفون كيف يمارسون صلاحياتهم، وحقوقيين يميّزون بين النشاط الإعلامي والعمل القانوني، وأكاديميين يضعون خبرتهم في خدمة ملف متين لا في خدمة صورة عابرة.

فملاحقة إسرائيل، إن أُريد لها أن تكون جدية، لا تبدأ من المنابر ولا من الأساطيل ولا من الصور. تبدأ من المؤسسة، ومن الدليل، ومن الصفة، ومن الجرأة على تحويل الشعارات إلى إجراءات.

أما ما عدا ذلك، فيبقى أقرب إلى العلاقات العامة منه إلى العدالة الدولية.

شاركها.