بقلم: نورا علي المرعبي
في لبنان، لم يعد عيد العمال مناسبة للاحتفاء بالجهد أو تكريم الفئة التي تبني الاقتصاد بصمت، بل أصبح محطة لكشف عمق الانهيار الذي يطال مفهوم العمل نفسه. فالعامل اللبناني اليوم لا يواجه اقتصاداً متعثراً فقط، بل يواجه منظومة كاملة من الأزمات المتراكمة: انهيار مالي، شلل مؤسساتي، أزمات اجتماعية ممتدة، وواقع إقليمي مضطرب انعكست ارتداداته المباشرة على سوق العمل والاستقرار المعيشي. وفي ظل هذا التشابك، لم يعد العمل وسيلة للحياة الكريمة، بل أصبح شكلاً من أشكال الصمود اليومي في وجه واقع يزداد قسوة وتعقيداً.
وفق تقارير البنك الدولي (World Bank) والإسكوا (ESCWA)، يشهد لبنان واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية في العالم خلال العقود الأخيرة، حيث انكمش الاقتصاد بحوالي 40% منذ عام 2019، فيما تُظهر التقديرات أن أكثر من 80% من السكان يعيشون تحت مستويات الفقر المتعدد الأبعاد، بما في ذلك شرائح واسعة من العاملين الذين لم يعودوا بمنأى عن الانهيار المعيشي.
اقتصادياً، يعيش العامل اللبناني تحت ضغط مزدوج: تضخم مستمر يلتهم الدخل، وتراجع حاد في القيمة الحقيقية للرواتب. هذا الانهيار لم يأتِ دفعة واحدة، بل كان نتيجة سلسلة من الأزمات المتعاقبة التي ضربت البلاد، من الانهيار المالي إلى أزمة المصارف، إلى الانكماش الاقتصادي، وصولاً إلى غياب أي سياسة إصلاحية مستدامة. وتشير المعطيات الواقعية إلى أن الحد الأدنى الرسمي للأجور (اعتباراً من 2025) يبلغ نحو 28 مليون ليرة لبنانية شهرياً، أي ما يعادل تقريباً 300 إلى 320 دولاراً في القطاع الخاص، وهو رقم لا يعكس فعلياً كلفة المعيشة.
أما في القطاع العام، فإن الواقع أكثر هشاشة، إذ يتراوح الدخل الشهري الفعلي للموظف بين 100 و300 دولار تقريباً بحسب الفئة والدرجة الوظيفية، ما يعكس فجوة عميقة بين الراتب والحد الأدنى للعيش الكريم. ورغم الوعود المتكررة برفع الأجور إلى ما يعادل ستة أضعاف خلال مراحل سابقة من النقاشات الرسمية، إلا أن هذه الوعود لم تُترجم حتى اللحظة إلى تنفيذ فعلي. وفي المقابل، ساهمت زيادة الرسوم غير المباشرة، ومنها رفع سعر البنزين بما يقارب 320,000 ليرة، في تقليص أي أثر تحسيني محتمل على الدخل، حيث تآكلت القدرة الشرائية قبل أن تصل أي زيادة إلى جيوب العاملين.
وفي ظل هذا المسار، لم يعد الاقتصاد ينتج فرصاً عادلة، بل يعيد إنتاج الهشاشة، حيث يتحول العمل إلى مجهود كبير مقابل عائد لا يكفي لتأمين أساسيات الحياة.
لكن الصورة تصبح أكثر قسوة عند إضافة عامل الحرب والتوترات الإقليمية. فلبنان، الواقع على خط تماس جيوسياسي حساس، لم يكن يوماً بمنأى عن تداعيات الصراعات المحيطة. فكل تصعيد أمني أو حرب في المنطقة ينعكس مباشرة على الداخل عبر تراجع الاستثمارات، وتعطّل القطاعات الإنتاجية، وارتفاع كلفة المعيشة والطاقة والنقل. العامل اللبناني يجد نفسه في اقتصاد يعيش تحت ضغط دائم من عدم الاستقرار، حيث لا توجد دورة اقتصادية طبيعية، بل حالة انقطاع مستمر تعيق أي إمكانية للتخطيط أو الأمان الوظيفي.
اجتماعياً، تتعمق الأزمة أكثر مع تفكك الطبقة الوسطى واتساع رقعة الفقر بين العاملين أنفسهم. لم يعد الفقر مرتبطاً بالبطالة فقط، بل أصبح جزءاً من حياة العامل الذي يمتلك وظيفة لكنه عاجز عن تغطية احتياجاته الأساسية. ومع ضعف الحماية الاجتماعية وتراجع فعالية الضمان الصحي، يتحول أي طارئ صحي أو معيشي إلى أزمة وجودية تهدد استقرار الأسرة بالكامل، في ظل نظام صحي يغطي جزئياً فقط كلفة الاستشفاء الفعلية.
سياسياً ومؤسساتياً، تتجلى أزمة أخطر: غياب الرؤية وغياب المحاسبة. فالأزمات المتعاقبة لم تُواجَه بإصلاح جذري، بل بإدارة مؤقتة للأزمة تكرّس نفس الاختلالات. النقابات تراجعت، والدور التمثيلي للعمال ضعف، والقرارات الاقتصادية تُتخذ في كثير من الأحيان بمعزل عن الواقع الاجتماعي. هذا الانفصال بين القرار والواقع خلق فجوة عميقة جعلت العامل يشعر بأنه خارج المعادلة بالكامل، لا كمستفيد من النظام ولا كشريك فيه.
يمكن القول إن الأزمة في لبنان لم تعد أزمة قطاع عمل، بل أزمة نموذج دولة فقد توازنه بين الاقتصاد والسياسة والأمن الاجتماعي. نموذج يتعامل مع العمل كرقم في معادلة مالية، لا كركيزة للاستقرار الاجتماعي. والأسوأ أن تراكم الأزمات لم يعد استثناءً، بل أصبح القاعدة، ما جعل الانهيار حالة مستمرة وليست لحظة عابرة. في هذا السياق، يصبح العامل اللبناني الحلقة الأضعف في منظومة لم تعد تحميه، بل تستنزفه بصمت.
وفي النهاية، يبقى المشهد أكثر قسوة مما يمكن اختصاره بالأرقام أو المؤشرات. فالعامل اللبناني اليوم لا يعيش فقط أزمة معيشية، بل يعيش أزمة معنى: معنى العمل، معنى الاستقرار، ومعنى المستقبل. وبين اقتصاد منهك، وأزمات متلاحقة، وظلال حرب لا تغيب عن المنطقة، يتحول عيد العمال إلى سؤال مفتوح أكثر مما هو مناسبة احتفال.
في لبنان، لم يعد العامل يطالب بالرفاه… بل بالحد الأدنى من الأمان.
ولم يعد السؤال: ماذا نريد من العمل؟
بل أصبح السؤال الأخطر: إلى متى يمكن للإنسان أن يعمل داخل نظام يستهلكه بدل أن يحميه؟
في بلدٍ تتراكم فيه الأزمات بلا نهاية… يصبح العمل نفسه آخر أشكال الصمود قبل الانهيار.
