في اللحظة التي يحاول فيها نظام ولاية الفقيه تحويل أجواء الحرب إلى “مظلة” للقبضة الأمنية، وإلى ذريعة لتجفيف الشارع ومنع أي عودة للانتفاضة، جاءت عمليات “وحدات المقاومة” التابعة لمنظمة مجاهدي خلق لتقول العكس تماماً: حتى في أشد الظروف قسوة، وبين القصف والاضطراب الاقتصادي وانقطاع الاتصالات، هناك من يقتحم جدار الخوف ويضرب قلب منظومة القمع.
يوم الأربعاء 29 أبريل، نفذت وحدات المقاومة عشر عمليات متزامنة استهدفت مراكز للبسيج التابع للحرس ومواقع قمعية ورمزية للنظام في طهران وسبع مدن أخرى، من زاهدان في الجنوب الشرقي إلى مشهد في الشمال الشرقي، وتبريز في الشمال الغربي، وبندرعباس في الجنوب، وهمدان في الغرب، وجونقان في وسط إيران، وصولاً إلى رامهرمز وملارد في محيط العاصمة. اختيار هذا الانتشار الجغرافي ليس تفصيلاً: إنه رسالة ميدانية بأن النظام، رغم حالة الاستنفار القصوى، غير قادر على احتكار المبادرة في مدينة واحدة، فضلاً عن بلد بحجم إيران.
هذه العمليات جاءت رداً على إعدام شابين ثائرين، أمير علي مير جعفري وعرفان كياني، في الأيام الماضية. هنا تتضح وظيفة “وحدات المقاومة” في زمن الحرب: النظام يريد تحويل الإعدام إلى رسالة ترهيب، بينما تحوله المقاومة إلى شرارة فعل ميداني يرفع كلفة القمع ويكسر منطق الإفلات من العقاب. فبدلاً من أن يفرض النظام معادلة “الإعدام مقابل الصمت”، جاء الرد بمعادلة معاكسة: “الإعدام يفتح باب الضربة”.
تفاصيل العمليات تكشف طبيعة الاستهداف: في رامهرمز وقع انفجار في أحد مقرات البسيج وترافقت العملية مع شعارات “الموت للظالم سواء كان الشاه أو المرشد” و“التحية لرجوي”، بما يعكس أن الهجوم ليس على نقطة أمنية فقط، بل على مشروع ديكتاتوري بكلا وجهيه. وفي طهران (ملارد) وقع انفجار في مبنى بلدية تابع للنظام، في إشارة إلى أن مؤسسات “الواجهة المدنية” ليست خارج منظومة القمع والنهب. وفي طهران ومشهد أُحرقت لافتات لخامنئي، وفي تبريز أُحرقت لافتة لسليماني، وفي همدان وبندرعباس وزاهدان أُحرقت قواعد للبسيج، وفي زاهدان كذلك استُهدف “بسيج طلابي”، بينما شهدت جونقان إحراق لافتات لخامنئي وخميني.
أن تُنفّذ هذه العمليات في ظرف حرب واحتقان أمني، فهذا يعني أن وحدات المقاومة تتحرك تحت مراقبة مشددة، وتخاطر بحياتها في بيئة يسهل فيها الاعتقال أو التصفية الميدانية. إنها “فدائية” بالمعنى الحرفي: شبان وشابات يشتغلون في الظل، ينقلون الرسائل، ينسقون توقيت الضربات، ويختارون أهدافاً تمثل أدوات القمع المباشر (البسيج) ورموزه المعنوية (صور خامنئي وسليماني). وكل ذلك بينما يحاول النظام، وفق ما يظهر من استنفاراته، منع اندلاع انتفاضة جديدة عبر نشر القوى في التقاطعات، وتشديد التفتيش، وقطع الإنترنت، ورفع منسوب التهديد.
في خلفية هذا المشهد، تتراكم حقيقة أخرى: خلال الشهر الماضي أعدم النظام ما لا يقل عن 18 سجيناً سياسياً، بينهم 8 من أعضاء مجاهدي خلق، إضافة إلى شبان اعتُقلوا خلال انتفاضة يناير 2026. في منطق النظام، الإعدام هو “جدار الردع”. لكن في منطق المقاومة، كل مشنقة تتحول إلى وقود للمواجهة، وكل محاولة لإطفاء الشارع تعيد إنتاج أسباب اشتعاله.
النتيجة التي تفرضها هذه العمليات ليست “عنواناً دعائياً”، بل واقعاً ميدانياً: الحرب لم تُسكت الداخل، و“وحدات المقاومة” لا تعمل كقائمة أسماء أو بيانات، بل كقوة تتحرك تحت النار لتضرب أدوات القمع، وتثبت أن النظام، مهما حاول احتلال الشوارع، لا يستطيع أن يحتكر البلاد ولا أن يمنع العاصفة القادمة.
