
بقلم المحامية فيكتوريا أحمد فاضل(محامية وباحثة في القانون العام)
لم يعد كافياً رصد التناقضات في الخطاب السياسي اللبناني.
ما نشهده اليوم هو نمط يُدار بدقّة: انتقال منهجي من ملف إلى آخر، بهدف إعادة التموضع داخل السلطة من دون دفع كلفة سياسية مباشرة.
منذ اندلاع المواجهات الأخيرة، ومع تشكيل الحكومة الجديدة، برزت مسارات متتابعة:
أولاً، محاولات مبكرة لزعزعة الثقة عبر حملات إعلامية وشخصية في لحظة التأسيس.
ثانياً، الانتقال إلى استهداف السياسات، لا سيما في الملفات المالية والإصلاحية.
وثالثاً، وهو الأخطر، نقل النقاش إلى الشارع من خلال قضايا كبرى كالأمن والهوية.
إدارة الخوف كأداة
لا خلاف على طبيعة التهديدات الخارجية، ولا على حجم الأضرار التي لحقت بالمناطق الحدودية. غير أن الإشكالية لا تكمن في توصيف الخطر، بل في كيفية توظيفه داخلياً.
حين يتحول الخطر من ملف سيادي يُفترض أن يُعالج ضمن مؤسسات الدولة، إلى أداة تعبئة تُستخدم لإقفال أي نقاش داخلي حول خيارات الدولة، نكون أمام انتقال خطير من إدارة الأزمات إلى إدارة الخوف.
حين يتحوّل الحوار إلى بديل عن القرار
في موازاة ذلك، يُطرح “الحل” على شكل حوار مفتوح مع الجهات المعنية بملف السلاح خارج الإطار المؤسسي، مع ربط نتائجه بتوازنات إقليمية أوسع.
ظاهرياً، يبدو هذا الطرح منطقياً، كونه يسعى إلى تجنّب التصعيد.
لكن في العمق، يطرح إشكالية جوهرية: تعليق قيام الدولة بانتظار الخارج.
فالحوار، في ذاته، ليس إشكالية.
الإشكالية تبدأ حين يتحول إلى بديل عن القرار.
طوال السنوات الماضية، طُرحت مسارات حوارية متعددة، من دون أن تُفضي إلى نتائج ملموسة: لا جداول زمنية واضحة، ولا آليات تنفيذ، ولا التزام صريح بحصرية القرار السيادي بيد الدولة.
وهنا، يصبح الحوار وسيلة لإدارة الأزمة، لا مساراً لحلّها.
مقارنات مضلّلة
غالباً ما يُستند إلى تجارب خارجية لتبرير استمرار الواقع القائم، غير أن هذه المقارنات لا تصمد أمام التدقيق.
في بعض الحالات الدولية، كان الصراع بين الدولة ومجموعات خارجها.
أما في الحالة اللبنانية، فنحن أمام تداخل بين أدوار داخل بنية الدولة نفسها، ما يجعل المقارنة غير دقيقة.
كذلك، تُظهر تجارب أخرى أن السلاح خارج إطار الدولة لم يتحول إلى نظام دائم بل كان جزءاً من مسارات انتهت إلى إعادة دمجه ضمن المؤسسات الرسمية.
إدارة نفوذ بدل سياسة دولة
في هذا السياق، تتحرك بعض القوى السياسية ضمن مقاربة براغماتية، تراعي التوازنات القائمة وتجنّب الصدام المباشر غير أن النتيجة لا تكون بالضرورة سياسة دولة بل إدارة نفوذ.حيث تُستخدم القضايا الكبرى كأدوات تعبئة داخلية، فيما تُرحَّل الملفات الأساسية التي تتطلب قرارات حاسمة لا سيما تلك المرتبطة بالإصلاح وبحقوق المواطنين.
كيف يُدار الحكم؟
هكذا تتكرّس معادلة مقلقة:
خطاب يتبدّل وفق المرحلة
تحالفات غير معلنة تحفظ التوازنات
وشارع يُستدعى عند الحاجة.
السؤال لم يعد فقط: من يحكم؟ بل: كيف يُحكم لبنان؟ هل بمنطق الدولة ومؤسساتها، أم بمنطق إدارة التوازنات خارجها؟
في النهاية الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الانقسام، بل في تحويله إلى أداة دائمة لإدارة الحكم، وفي إبقاء الدولة رهينة انتظار الخارج بدل أن تكون صاحبة القرار.
لا دولة حيث يُعلَّق القرار.
