شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

فؤاد بوجي

لأن ما يلي المعارك قد يكون أكثر تعقيداً من المعارك نفسها، يقف لبنان أمام اختبار المرحلة الأصعب.

في الحروب، يظن كثيرون أن الخطر الأكبر يكون في القتال نفسه. لكن التجارب تقول إن اللحظات التي تلي الحروب قد تكون أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للانفجار، وأكثر خطورة من المعركة ذاتها.

ولبنان، اليوم، يقف في قلب هذه المفارقة.

ما يبدو للبعض مرحلة تهدئة، قد لا يكون بالضرورة بداية استقرار، بل ربما بداية اختبار أكثر تعقيداً: ماذا بعد الحرب؟

ذلك أن وقف النار لا يعني بالضرورة نهاية الصراع.

أحياناً يكون مجرد انتقال من مواجهة مفتوحة إلى صراع بأدوات أخرى:

ضغط سياسي.

استنزاف أمني.

إعادة رسم موازين قوى.

ومفاوضات تجري تحت وقع النار ولو خفت صوتها.

وهنا تكمن خطورة اللحظة.

لأن لبنان لا يواجه فقط تداعيات حرب، بل يواجه احتمال أن يتحول “ما بعد الحرب” إلى ساحة نزاع جديدة، أقل ضجيجاً وأكثر تعقيداً.

فالانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستمرار آلة القتل، والرسائل العسكرية المتواصلة، كلها تقول إن ما يسمى تهدئة ما زال هشّاً، بل معلّقاً فوق احتمالات التصعيد.

وهذا يجعل وقف الحرب نفسه منطقة خطر.

ليس لأن الحرب أفضل ــ حاشا ــ بل لأن ما بعدها قد يُستخدم لفرض وقائع أشد خطورة من الحرب نفسها.

تاريخ المنطقة مليء بهذه اللحظات.

كم من هدنة تحولت إلى مقدمة لحروب أكبر.

وكم من وقف إطلاق نار كان مجرد إعادة تموضع قبل جولة أخرى.

وهذا ما يجعل القراءة السطحية للهدوء مضللة.

لأن الهدوء لا يعني دائماً استقراراً.

أحياناً يعني أن الجميع يعيد التموضع.

في هذا المشهد، يقف لبنان أمام سؤال بالغ الحساسية:

هل يستطيع عبور هذه المرحلة من موقع الدولة، أم يبقى يتلقى نتائج صراعات الآخرين؟

لأن الخطر الحقيقي ليس فقط في احتمالات التصعيد العسكري.

بل في أن يدخل لبنان مرحلة ما بعد الحرب بلا رؤية سياسية، وبلا حماية وطنية، وبلا مشروع دولة قادر على منع تحويل الهشاشة إلى انهيار جديد.

وهنا يصبح التحدي مزدوجاً:

منع العودة إلى الحرب،

ومنع تحويل وقف الحرب إلى مسار استنزاف دائم.

وهذا ليس تفصيلاً.

بل ربما التحدي الأخطر منذ سنوات.

ففي الحرب، تكون خطوط الصراع واضحة.

أما في المراحل الرمادية، تختلط الضغوط بالتسويات، والتهدئة بالتهديد، والدبلوماسية بموازين القوة.

وهنا تصبح الأخطاء أكثر كلفة.

لبنان اليوم في هذه المنطقة الرمادية.

لا حرب شاملة.

ولا سلام.

لا تسوية مكتملة.

ولا مواجهة محسومة.

بل مرحلة معلّقة.

وهذا النوع من المراحل هو غالباً الأكثر خطراً.

لأن الفراغ فيها يولّد مفاجآت.

ولأن سوء إدارة هذه اللحظات قد يقود إلى ما هو أسوأ من الحرب نفسها.

من هنا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل انتهت الحرب؟

بل: هل بدأ الامتحان الأصعب بعدها؟

لأن الدول لا تُختبر فقط في قدرتها على الصمود أثناء الحروب،

بل في قدرتها على حماية نفسها في المراحل التي تليها.

ولبنان اليوم ليس أمام تحدي النجاة من الحرب فقط.

بل أمام تحدي النجاة من “ما بعد الحرب”.

وهذا، ربما، أخطر بكثير.

شاركها.