شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم المحامية فيكتوريا أحمد فاضل
محامية وباحثة في القانون العام

ليست أخطر ما في المرحلة الراهنة طبيعة المواجهة العسكرية بحد ذاتها، بل الغموض الذي يلفّ موقع القرار داخل الدولة اللبنانية.

ففي اللحظات المفصلية، لا يُقاس حضور الدولة ببياناتها، بل بقدرتها الفعلية على الإمساك بقرارها السيادي: حرباً وسلماً وتفاوضاً.
ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: هل ما زالت الدولة اللبنانية هي المرجع الفعلي لهذا القرار أم أنّ الواقع تجاوزها؟

 

أولاً: في مبدأ احتكار الدولة للقرار السيادي

يقوم النظام الدستوري اللبناني، كما في سائر الدول الحديثة، على مبدأ أساسي لا يقبل الالتباس:
الدولة وحدها تحتكر القرار السيادي، سواء في السلم أو الحرب أو التفاوض.
فإعلان الحرب، والدخول في مفاوضات، وتوقيع الاتفاقيات الدولية، هي من صلب اختصاص السلطات الدستورية، وفق ما يرسمه الدستور اللبناني.
وعليه، فإن أي ممارسة موازية خارج هذا الإطار، تُفضي إلى ازدواجية في القرار، وتُضعف موقع الدولة، وتفقدها إحدى أبرز سماتها: وحدة المرجعية.

ثانياً: في مسألة “فصل الجبهات” وتداعياتها القانونية

إن ما يُطرح تحت عنوان “فصل الجبهات” لا يمكن مقاربته كخيار عسكري فحسب، بل يجب تفكيكه من زاوية قانونية:
من اتخذ قرار الدخول في هذه الجبهة؟
ومن يملك صلاحية ربطها أو فصلها عن ساحات أخرى؟
إذا لم يصدر القرار عن مؤسسات الدولة، فإننا نكون أمام واقع يُدار خارج الأطر الدستورية، حيث تُربط الساحة اللبنانية باعتبارات إقليمية لا تخضع لمعيار المصلحة الوطنية.

وهنا تكمن الإشكالية:
تحويل لبنان من دولة صاحبة قرار إلى ساحة تتأثر بقرارات خارجية.

ثالثاً: لبنان كورقة تفاوض… إشكالية الصفة والتمثيل

في سياق المفاوضات الجارية على مستوى الإقليم، يبرز التعامل مع لبنان كـ“ورقة” ضمن ملفات أوسع، ما يطرح إشكالية قانونية جوهرية:
من يملك صفة تمثيل الدولة اللبنانية؟
في القانون الدولي، لا يُعتدّ بأي تفاوض إلا إذا صدر عن جهة تتمتع بالصفة التمثيلية الشرعية.
أما إذا جرى التفاوض أو التأثير فيه من خارج هذه الصفة، فإننا نكون أمام خلل في مبدأ الشرعية، ينعكس مباشرة على مشروعية النتائج.

رابعاً: بين الوقائع السياسية ومفهوم السيادة

قد يُقال إن موازين القوى تفرض نفسها، وإن الواقع السياسي يتقدّم على النصوص.
غير أنّ هذا الطرح، على واقعيته، لا يُلغي القاعدة.
فالسيادة ليست شعاراً سياسياً، بل هي مفهوم قانوني يقوم على وحدة القرار داخل الدولة.
وأي مسار يُكرّس تعددية في مراكز القرار، هو مسار يُقوّض هذا المفهوم تدريجياً.

خامساً: نحو إعادة تثبيت المرجعية

إن النقاش القائم اليوم يجب ألا يُختزل بسؤال “هل نحن أمام حرب أم هدنة”، بل يجب أن يُعاد توجيهه إلى أصل الإشكالية:
كيف يُعاد تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للقرار؟
ذلك لا يتحقق بالشعارات، بل عبر:
• احترام الأصول الدستورية في اتخاذ القرار السيادي.
• إعادة الاعتبار لدور المؤسسات.
• رفض أي مسار يُخرج القرار من إطاره الشرعي.
إن أخطر ما يواجهه لبنان اليوم لا يقتصر على طبيعة التحديات الأمنية بل يمتد إلى تآكل مفهوم الدولة ذاته.
فحين يصبح القرار موزعاً والتفاوض متعدد المرجعيات والسيادة خاضعة لتوازنات خارجية نكون أمام مسار يُفرغ الدولة من مضمونها.
وفي هذا السياق، يبقى المبدأ واضحاً:

لا دولة بلا قرار، ولا قرار بلا مرجعية دستورية واحدة.

 

شاركها.