
فؤاد بوجي
خلال أقل من 48 ساعة، دخل لبنان مرحلة قد تكون من الأكثر حساسية وحسمًا في تاريخه الحديث. وقف إطلاق نار هش، خطاب رئاسي مباشر وغير تقليدي، تدخل أمريكي نشط، وتطورات متزامنة مرتبطة بإيران—كلها عوامل تلاقت لتخلق لحظة نادرة تحمل في طياتها إمكانية التحول.
هذه ليست مجرد هدنة عسكرية، بل نقطة انعطاف استراتيجية.
من وقف إطلاق النار إلى فرصة سياسية
وقف إطلاق النار الأخير—والذي جاء بدفع واضح من الولايات المتحدة—أوقف مؤقتًا مسار التصعيد. لكن ما يميز هذه اللحظة ليس الهدوء بحد ذاته، بل الإطار السياسي الذي رافقه مباشرة.
خطاب رئيس الجمهورية شكّل خروجًا واضحًا عن اللغة التقليدية. فقد تم تقديم التفاوض كخيار استراتيجي لا كتنازل، ما يعكس تحولًا في المقاربة نحو مفاهيم السيادة، ودور الدولة، والاستقرار طويل الأمد.
هذا التحول ليس شكليًا، بل يعكس محاولة لإعادة تعريف هوية لبنان السياسية: من ساحة صراع إقليمي إلى دولة قادرة على التفاوض وصياغة مستقبلها.
السياق الإقليمي: إيران تحت الضغط
لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن السياق الإقليمي، وخصوصًا وضع إيران.
طهران تواجه ضغوطًا اقتصادية وجيوسياسية متزايدة، بالتوازي مع مسارات تفاوضية مع القوى الدولية. في هذا الإطار، يبدو أن استراتيجيتها تتجه نحو إعادة ترتيب الأولويات بدلًا من التوسع.
لبنان، الذي شكّل تاريخيًا ساحة نفوذ أساسية لإيران، قد يصبح جزءًا من مقايضات أوسع. وهذا لا يعني انسحابًا كاملاً، بل إعادة تموضع.
بالنسبة للبنان، تفتح هذه المعادلة نافذة نادرة لاستعادة جزء من قراره السيادي.
الولايات المتحدة: من مراقب إلى مهندس مسار
الدور الأمريكي في هذه المرحلة يبدو أكثر حسمًا من المعتاد. لم تعد واشنطن تكتفي بالمراقبة، بل تسعى إلى رسم مسار الأحداث.
من خلال ربط استقرار لبنان بملفات إقليمية أوسع—تشمل أمن إسرائيل والمفاوضات مع إيران—تضع الولايات المتحدة لبنان ضمن معادلة استراتيجية شاملة.
ضمن هذا السياق، يبرز دور شخصيات دبلوماسية مثل السفير عيسى، الذي يدفع باتجاه مقاربة ترتكز على بناء الدولة، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتعزيز السيادة.
السعودية: اللاعب الهادئ والحاسم
رغم أن دورها أقل ظهورًا إعلاميًا، تبقى السعودية عنصرًا أساسيًا.
دعمها للاستقرار، وإمكانية مساهمتها في إعادة الإعمار، يجعلان منها عاملًا حاسمًا. كما أن توجهها يبدو واضحًا نحو إعادة إدماج لبنان في محيطه العربي، ومواجهة نفوذ القوى غير الدولتية عبر دعم مؤسسات الدولة.
من دون دعم خليجي، ستكون أي عملية نهوض اقتصادي محدودة جدًا.
التحدي الأساسي: السيادة الداخلية
رغم كل هذه المعطيات الإيجابية، يبقى التحدي الأساسي داخليًا.
قدرة لبنان على الانتقال من وقف إطلاق النار إلى الاستقرار ترتبط بسؤال جوهري: هل تستطيع الدولة فرض سيطرتها الكاملة على القرار والسلاح؟
وجود قوى غير دولية—وفي مقدمتها حزب ايران—يبقى عاملًا حاسمًا. ورغم الضغوط الخارجية، فإن التعامل مع هذا الواقع سيكون تدريجيًا ومعقدًا.
السيناريوهات المحتملة
أمام لبنان ثلاثة مسارات رئيسية:
* اختراق تاريخي: يتحول وقف إطلاق النار إلى مفاوضات جدية واتفاقات طويلة الأمد.
* مرحلة انتقالية مدارة: تحسن تدريجي مع بقاء التوترات تحت السيطرة.
* عودة إلى التصعيد: انهيار الهدنة والعودة إلى دوامة الصراع.
السيناريو الثاني يبدو الأكثر واقعية حاليًا، لكنه يبقى هشًا.
الخلاصة: نافذة ضيقة لا تتكرر
يقف لبنان اليوم أمام فرصة نادرة ومحدودة زمنيًا.
للمرة الأولى منذ سنوات، هناك تقاطع—ولو جزئي—بين الإرادة الداخلية، والتحولات الإقليمية، والدعم الدولي.
السؤال لم يعد إن كان لبنان قادرًا على الصمود—فهو فعل ذلك مرارًا.
السؤال الحقيقي هو:
هل يستطيع لبنان أن يتحول من ساحة تتلقى الأحداث… إلى دولة تصنع مستقبلها؟
