جيري ماهر

أكبر مغالطة تُطرح اليوم هي القول: إن المطالبة بسحب سلاح حزب الله هي مطلب إسرائيلي، هذا الطرح ليس بريئاً، بل محاولة واضحة للتهرّب من أصل المشكلة وهو: وجود سلاح ميليشيوي مرتبط بإيران خارج سلطة الدولة، يقرّر الحرب والسلم، ويضعف المؤسسات بدل أن يحميها. هذا السلاح لم يكن في أي يوم جزءاً من الدولة، بالعكس، نشأ خارجها، ثم تمدّد على حسابها، حتى بات أقوى منها.
وعندما استُخدم في الداخل، سقطت كلّ الأقنعة. من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إلى سلسلة الاغتيالات التي استهدفت معارضين، وصولاً إلى اجتياح بيروت والجبل عام 2008، حيث فُرضت السياسة بقوة السلاح، لا بصناديق الاقتراع، عندها، لم يعد ممكناً إقناع اللبنانيين بأن هذا السلاح موجود لحمايتهم. ومع الوقت، لم يبقَ الأمر داخلياً، هذا السلاح خرج إلى الإقليم، من سوريا إلى اليمن، حاملاً لبنان إلى صراعات لا علاقة له بها.
في سوريا، كان طرفاً مباشراً في حرب دامية منذ 2011، وفي اليمن ساهم في توتير علاقات لبنان مع الخليج، الذي لطالما كان شرياناً أساسياً للاقتصاد اللبناني. النتيجة كانت واضحة: لبنان تحوّل إلى ساحة مفتوحة، وفي السنوات الأخيرة، زاد الوضع خطورة مع الدخول فيما سُمّي “حرب إسناد غزة”، ثم التورّط في إسناد إيران بشكل مباشر. هذه الخيارات لم تكن قرارات دولة، بل قرارات ميليشيا، دفعت البلاد إلى مواجهات مدمّرة، ووضعت اللبنانيين أمام كلفة بشرية واقتصادية هائلة.
أما اقتصادياً، فالصورة أوضح من أن تُشرح، لا مستثمر يضع أمواله في بلد يمكن أن ينزلق إلى حرب في أي لحظة. لا دولة تدعم اقتصاداً لا تملك حكومته القرار النهائي فيه، سلاح خارج الشرعية يعني ببساطة غياب الاستقرار، وغياب الاستقرار يعني هروب الاستثمار، وهذا ما حصل فعلاً: تراجع الدعم، جُمّدت المشاريع، وتبخّرت فرص الإنقاذ. لبنان لم يُعاقَب لأنه فقير أو بلا موارد، بل لأنه بلا قرار موحّد.
الدولة التي لا تحتكر السلاح، لا تستطيع أن تبني اقتصاداً ولا أن تفرض نفسها على العالم. ومع كل أزمة، يتكرّس هذا الواقع أكثر، ويدفع البلد ثمناً إضافياً. سياسياً، الصورة لا تقل سوءاً، السلاح فرض توازناته بالقوة، عطّل المؤسسات حيناً، ووجّه القرار الوطني حيناً آخر، وربط لبنان بمحاور خارجية لا تشبهه. هكذا، لم يعد لبنان دولة كاملة السيادة، بل ساحة تتقاطع فيها المصالح.
لهذا، فإن المطالبة بسحب هذا السلاح ليست ترفاً سياسياً ولا استجابة لضغوط خارجية، هي ببساطة مطلب لبناني صريح لكلّ من يريد دولة طبيعية: دولة تقرّر بنفسها، وتحمي نفسها، وتبني اقتصادها، وتعيد علاقاتها مع العالم. الخلاصة واضحة: سحب السلاح ليس تنازلاً، بل استعادة للدولة، وهو، قبل أي شيء آخر، مطلب لبناني سيادي بامتياز، لا علاقة له بأي إملاءات خارجية.
