شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

الدكتور صبحي حسين عبد الوهاب الهندي

أعذر حروب الإثنتين والسبعين ملّةً جميعاً
فهم إذا عموا عن الحقيقة سلكوا طريق الخرافة

“حافظ” شاعر شيراز المعروف
(1326- 1390)

طرح البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي موضوع الحياد، فبرزت الكثير من التساؤلات حول توقيته وأبعاده وخلفياته، كما بدت الإنقسامات الحادة ترخي بظلالها على مختلف الأوساط السياسية اللبنانية. فاعتبر فريق أنّ لبنان الذي بلغ الإنهيار السياسي والإقتصادي والمالي حدّ الخطر على وجوده الكياني، وبات لا مناص له من تحييد نفسه عن نزاع المحاور الإقليمية والدولية، على اعتبار أن سبب الاوضاع التي يعاني منها اللبنانيون يعود الى إنغماس بعض القوى السياسية منهم في هذا النزاع، ما جعل المجتمع الدولي والدول المانحة والداعمة العربية والأجنبية تحجم عن تقديم أية مساعدة للخروج من هذه الأزمة المتفاقمة وتخطي تداعياتها المالية والإقتصادية والمعيشية الخانقة.
ورأى فريق آخر أن طرح “الحياد” في ظلّ هذه الظروف التي يتعرّض فيها لبنان لضغوطات سياسية ومالية وإقتصادية، إنما تستهدف في جوهرها حزب الله وحلفاءه، لإنتمائهم الى محور المقاومة والممانعة، وتجعل منه ساحة لنزاعات خطيرة على المستويات اللبنانية والعربية والإقليمية والدولية.
وأمام هذه الإشكالية النزاعية المحورية فقد أصبحت مسألة الحياد مطروحة بين نقيضين.
وتحاول هذه الدراسة رصد أسباب ودوافع الخلاف والكشف عن المواقف المتناقضة حيال أطروحة “الحياد” التي لم تكن في أية مرحلة من مراحل التاريخ السياسي اللبناني إلا مادة ملتهبة تفتك في جسد الوطن اللبناني المصاب بأمراض مستعصية إنسانياً واقتصاديا واجتماعياً.
وحينما فتح السياسي والديبلوماسي الراحل محمد علي حمادة (1907- 1987) “ملف عدم الإنحياز” على صفحات “مجلة القضايا المعاصرة”، الصادرة عن دار النهار للنشر، في تموز/ يوليو من العام 1970، رأى في “عدم الإنحياز” عبارة مبهمة مطاطة، كثيراً ما يختلف حول مراميها وأبعادها، ذلك، أن وراء كل عبارة تطلق كشعار لمؤسسة دينية أو سياسية تاريخاً طويلاً وجذوراً تضرب في كل ناحية من نواحي الفكر السياسي والمواقف المبدئية والعملية.
ولا يمكن تحديد المعنى الحقيقي لهذه الحركة التي تسمى “عدم الإنحياز” إلا إذا رجعنا الى أصولها. وهذه الأصول- القريبة منها على الأقل – تعود الى العام 1955، الى “مؤتمر باندونغ” وما سبقه وما جرى أثناء إنعقاده، فضلاً عن الأشخاص الذين لعبوا دوراً كبيراً في إتمامه وتعيين حدوده ومداه.

وأشار السفير حمادة في دراسته تلك الى أن الفكرة الأولى لعقد مؤتمر باندونغ تعود الى إندونيسيا والى رئيس وزرائها الدكتور ساسترو أميدجوجو بالذات. أما الغرض من هذا المؤتمر فكان تنظيم تجمّع كبير لمقاومة الإستعمار.وفي 17 آب/ أغسطس من العام 1953 وجه سوكارنو نداءه وأشار فيه الى أنه “لا يمكن أن يستقرّ السلام ما دام الإستعمار قائماً”.وبعد أسبوع ردّد  أميدجوجو قائلاً “لا يمكن أن تكون هناك أمة سعيدة، ما دامت هناك أمم مستعمرة”، أي أنّ السبب الذي دعاهما الى الدعوة لمثل هذا المؤتمر كان نوعاً آخر وهو أنّ رئيس الوزارة الإندونيسية أراد الخروج من مأزق كان فيه على الصعيد الداخلي، إذ كان لا يتمتع في البرلمان إلا بأقلية ضئيلة.فالحزب الوطني الذي يستند اليه يزداد إستياءاً من تفاقم الوضع الإقتصادي، والمعارضة المؤلفة من المسلمين والإشتراكيين والشيوعيين تشتدّ حملتها. وكان أميدجوجو يتوقّع وسط هذه العاصفة، أن يفقد ثقة البرلمان بين لحظة وأخرى. فسعى الى اكتشاف وسيلة تبعث الوحدة بين الأحزاب وتؤمّن له الإستقرار والبقاء في الحكم. فنشأت فكرة تنظيم مؤتمر دولي تجلس فيه الصين والهند جنباً الى جنب، فيرضي بذلك اليسار ويحدّ من عنف معارضته، كما يجعل الوطنيين أكثر تحفظاً وحذراً، وبهذه الطريقة يحقّق إنقاذ وزارته ويضيف عنصراً من عناصر الدعاوى لدى ناخبيه.
لقد تمّ تحديد أول تعريف لمفهوم سياسة عدم الإنحياز في مؤتمر بلغراد عام 1961، إذ قرر “أن الدولة التي تؤمن بتلك السياسة يجب أن تنهج سياسة مستقلة قائمة على تعايش الدول ذات النظم السياسية والإجتماعية المختلفة، وألا تنحاز أو تظهر إتجاهاً يؤيّد هذه السياسة وتؤيد حركات الإستقلال القومي شرط ألا تكون عضواً في حلف عسكري جماعي أو طرفاً في إتفاقية ثنائية مع دولة كبرى أو تسمح لدولة أجنبية بإقامة قواعد عسكرية في إقليمها بمحض إرادتها. وقد تبلورت أهداف الحركة في القمم التي عقدت تباعاً.
دعوة الراعي
وما بين 1954 و2020 ناشد صاحب النيافة الكارينال غبطة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي  في عظته في اليوم السادس من زمن العنصرة أي يوم الأحد الواقع فيه  5 تموز 2020 رئيس الجمهورية العماد ميشال عون “العمل على فكّ الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحرّ، وطلب من الدولِ الصديقةِ الإسراعَ إلى نجدة لبنان كما كانت تفعل كلما تعرّضَ لخطر. وتوجّه إلى منظَّمة الأمم المتّحدة للعمل على إعادةِ تثبيتِ إستقلالِ لبنان ووحدتِه، وتطبيق القرارات الدولية، وإعلانِ حياده”. ووجد في حياد لبنان “ضماناً لوِحدته ولتموضعه التاريخيّ في هذه المرحلةِ المليئةِ بالتغييراتِ الجغرافيّةِ والدستوريّة، قوّته وضمانة دوره في إستقرار المنطقة والدفاع عن حقوق الدول العربية وقضية السلام، وفي العلاقة السليمة بين بلدان الشرق الأوسط وأوروبا بحكم موقعه على شاطئ المتوسّط”.
وفي يوم الأربعاء الواقع فيه (15 الخامس عشر من تموز 2020) زار البطريرك الراعي رئيس الجمهورية العماد عون مرة أخرى، وأشار الى أنه  اعتاد من  وقت الى آخر اللقاء معه للتباحث في الشؤون ذات الإهتمام المشترك وللتكلم  في مواضيع عدة، وأهمها مسألة  الحياد والتحييد وقال:”إنكم جميعاً تتذكرون أن فخامة الرئيس عون تقدّم بمشروع صوّتت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة لجعل لبنان مركزا لـ”أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار”، وإنّ هذا الحوار والتلاقي لا يكونان بمجرد الكلام بل من خلال الأفعال. والقاعدة لذلك هي أن يكون لبنان حيادياً كي يتمكن من أن يكون مكاناً للحوار. وهذا الأمر لا خلاف عليه على الإطلاق. أما إذا كان لبنان غير حيادي، بمعنى أن يدخل اليه أي كان، فيما هو يسير في هذا الإتجاه أو ذاك، فهذا غير مقبول”.
وأضاف الراعي  متسائلاً عن معنى الحياد لافتاً الى أنه “لا يعني أن أتنحّى جانباً ولا أتعاطى بأي أمر. بل المقصود الحياد الإيجابي المفيد والناشط، حيث أن لبنان إذا ما تمتّع بنظام حيادي يشبه حياد سويسرا والنمسا وفنلندا والسويد، فهو يلتزم بالقضايا العامة للعالم العربي من دون الدخول في شؤون الصراعات السياسية والعسكرية أو في أية أحلاف، ويكون المدافع الأول والمعزّز للعدالة والسلام والتفاهم في القضايا العربية والدولية، بالإضافة طبعاً الى أننا نستثني دائماً إسرائيل التي بيننا وبينها عداوة. ولبنان يحمل القضية الفلسطينية بكاملها لأنها قضية حقوق للفلسطينيين، كذلك الأمر بالنسبة الى القضايا العربية المشتركة البعيدة عن الشؤون السياسية والعسكرية، فيكون لبنان المعزّز لها. ولا ننسى أن لبنان كان طوال تاريخه يلعب دور الجسر الثقافي والحضاري والإجتماعي بين الشرق والغرب، وبيننا وبين أوروبا. وقد حملنا تراث الشرق الى الغرب وأتينا بتراث الغرب الى الشرق. هذا هو لبنان ودوره الذي لا يمكنه أن يقوم به إذا لم يكن حياديًّا. وأن لبنان حيادي بطبيعته وانطلاقته، من دون أن يكون ذلك مدوّناً في نصوص. وعندما كان كذلك، يوم لم يكن يتدخل في الصراعات وفي الأمور المحلية للدول، كان في الخمسينيات والستينيات يُعرف بسويسرا الشرق، حيث كان يتمتع بالنمو والبحبوحة، ما يعني أن تكوين لبنان في الأساس كان حيادياً. ولا يجب إعتبار الحياد موجهاً ضد أحد على الإطلاق، بل هو لصالح جميع اللبنانيين، وجميع الفئات والأحزاب والمكونات اللبنانية لأنه يجلب الإستقرار السياسي الى الوطن، ونحن عندما نتكلم على الحياد، فهذا يعني أن هناك دولة قوية وجيشاً قوياً، لأنّ من أولى شروط نظام الحياد ان تكون الدولة قادرة على حماية نفسها بنفسها إذا ما اعتدى أحد عليها”.
ومن ثم تحدّث الكاردينال الراعي  لموقع “فاتيكان نيوز” فتضمنت مقابلته هواجس الخوف من المخاطر المحيطة بلبنان ملتقى الديانات والمذاهب التي تعيش بانتظام حسب الدستور والميثاق الوطني واتفاق الطائف. ولكنّ الجديد في هذه المرحلة هو أنه يوجد نوع من هيمنة  لحزب الله على الحكومة وعلى السياسة اللبنانية بسبب الدخول في حروب وأحداث عربية ودولية، لبنان لا يريدها بالأساس. وهذا يخلق مشكلة وأزمة سياسية وإقتصادية ومالية ومعيشية حادة وكبيرة للغاية يعيشها اللبنانيون.ولا يمكن البقاء في ذلك، لبنان في الأساس هو كما أراده البطريرك الحويك دولة مدنية تفصل بين الدين والدولة، ثم أتى الميثاق 1943 ليقول اننا  نريد أن نعيش معا لبنانيين مسلمين ومسيحيين من دون أية عداوة للشرق أو للغرب، وجاء إتفاق الطائف 1989 ليكرّس هذا الميثاق. لكن بعد ذلك صارت هناك  إنحرافات. ونحن نقول اليوم من أجل خير كل اللبنانيين دون إستثناء لا خلاص للبنان إلا بإعلان نظام الحياد الفاعل والحياد الإيجابي الملتزم، وهذا يخرجنا من هيمنة أية فئة من أية جهة لبنانية ويخرجنا من نزاعات وصراعات سياسية أو عسكرية إقليمية أو دولية. هذا النظام الحيادي الفاعل والمفيد يعني أن يكون لبنان فاعلاً وملتزماً في الدفاع عن قضايا السلام وعن الإستقرار في المنطقة وعن قضية الشعوب وعن القضية الفلسطينية وعن قضايا العرب من دون أن يدخل في أحلاف سياسية أو أحلاف عسكرية، ويلعب دوره التاريخي كجسر ثقافي وتجاري بين الشرق والغرب كما ذكرنا في وقت من الأوقات. وهذا الواقع اللبناني اليوم مهدّد لأننا اليوم متروكون من البلدان العربية وخاصة الخليج ومتروكون من أوروبا وأميركا لأن الجميع يقول لا نستطيع أن نساعد لبنان لأننا بمساعدة لبنان نحن نساعد حزب الله، لأنه يسيطر على البلاد.

وفي مرحلة لاحقة أوضح البطريرك الراعي قائلاً: “نحن لسنا ضد حزب الله لكننا نريد أن نعيش سوية بمساواة وببناء مجتمعنا اللبناني ولا حلّ إلا بإخراج لبنان من هذه الأحلاف السياسية والعسكرية مع أيّ دولة ويكون لبنان بذلك دولة حيادية فاعلة ومفيدة من أجل السلام والإستقرار وحقوق الشعوب، وهذا ما نحن نعمل من أجله. فكانت ردة الفعل العارمة في لبنان وكأنهم وجدوا باباً للخلاص لهذه الأزمات التي نعيشها. وتناول الراعي الآلية التي يجب اتباعها من أجل هكذا حياد، فاشار أولاً نحن نستمر في بحث هذا الموضوع مع القيادات اللبنانية والشعب اللبناني ثم مع سفراء الدول، ثم مع الكرسي الرسولي، حتى يصل هذا الأمر الى الأمم المتحدة دولة أو دولتين أو أكثر من الدول التي تشكل مجلس الأمن، الدول الستة. يكفي أن دولة واحدة أم إثنتين تقدّم إقتراحا الى الأمين العام مع لبنان ليكون لنا نظام الحياد الايجابي والفاعل. والأمين العام يطرحه على التصويت. وهذه هي الآلية داخلية وإقليمية ودولية. ونحن نعوّل على دور الكرسي الرسولي الفاعل في هذا الموضوع. ونحن ننادي بالحياد ولن نتراجع عنه لأنه خير للجميع والحياد ليس مشروعاً سياسياً بل عودة الى الجذور والهوية والثقافة اللبنانية، وهذه الدعوة هي فعل محبة من بطريرك الى كل اللبنانيين.
وفي كلمته خلال ختام الجولة الإفتتاحية للمواقع الدينيّة الأثرية الأربعة في منطقة جبّة بشري يوم الجمعة الواقع فيه 17 تموز 2020 لفت الراعي الى أنّ في هذا الوادي مع النساك كانت تختمر بالصلاة والتضحيات فلسفة وفكرة الكيان اللبناني حتى ولد في أول أيلول من العام 1920 فكان هذا الوطن مميزاً عن جميع بلدان المنطقة حتى قال عنه القديس البابا يوحنا بولس الثاني إنه “نموذج للشرق والغرب”، وهذه مسؤولية في أعناقنا، نعم هذا اللبنان النموذج اليوم تأملنا فيه. وأودّ أن أشكركم عليه ومن دون حسابات هذا الإحتفال في هذه المواقع متناسب مع عيد القديسة مارينا وهذا يعني أن ما صنعتم من خلال هذه المواقع الأربعة التي زرناها أعدتم الحياة الى جذورنا وتاريخنا ومعنى وجودنا وهذا اليوم شكّل رياضة روحية وطنية عميقة، بدأناه في الوادي المقدس مع البطاركة وأكملناه مع النساك ومع كل الذين سبقونا من الأجداد الذين عاشوا على هذه الأرض المعطاء، نعم هذه الأرض هي أرض الحرية والكرامة والإستقلالية، هذه هي القيم التي عاش من أجلها بطاركتنا في عمق الوادي وكأنهم سجناء لكي يحيا هذا الكيان اللبناني.
واعتبر البطريرك الراعي في لقاء حواري معه في جامعة الروح القدس “الكسليك” حول الحياد بدعوة من أكاديمية بشير الجميل ” أن الرئيس الشهيد بشير الجميل “شهيد حياد لبنان” لأنه كان ينادي بالدولة اللبنانية الحرّة وتوحيد الجيش اللبناني ووضع حدّ لكل الميليشيات ما يعطي للبنان دوره ورسالته” لافتاً الى أن “الحياد لم يولد نتيجة مبادرة من البطريرك أو من الصرح في بكركي وانما هو الكيان اللبناني الذي نستعيده، وما يؤكد ذلك ردود الفعل القوية التي أظهرت وكأن اللبنانيين الذين أحسّوا بضياع هويتهم عادوا وعثروا عليها. ووثيقة الحياد هذه وضعت في متناول الرأي العام اللبناني ليطلع أكثر على المعنى الحقيقي للحياد وأهميته ونتيجته. وفي هذا السياق سلّمنا كافة السفراء الذين التقيناهم هذه الوثيقة وهم جميعا من عرب وغربيين أبدوا حماسة لموضوع حياد لبنان نظراً لقيمة هذا الوطن”.
وتابع: “الحياد في لبنان هو مبدأ وقاعدة ومصير. إنه مبدأ لأنه يشكل ركيزة للميثاق الوطني أي لا شرق ولا غرب، أي استقلال تام عن كل الدول لا وصاية ولا حماية ولا إمتياز ولا مركز إرتكاز كما قال الرئيس بشارة الخوري في العام 1945. لبنان متساو مع باقي الدول وغير تابع لأي منها.كما أكد رئيس الحكومة رياض الصلح بدوره على حياد لبنان عندما قال نحن نريد لبنان سيداً عزيزاً حراً لا ممراً ولا مقراً. والحياد هو قاعدة أيضا بسبب سياسته ونهجه وإيديولوجيته السياسية، كما إنه المصير ذلك أن خلاص ومستقبل لبنان المشرق يتأمن من خلاله. إنه ضرورة وطنية ليستمر لبنان وهذا ما عايشناه منذ الـ 1920 وحتى 1989 وكذلك بعد إتفاق القاهرة 1969 الذي تسبب بالإجتياح الإسرائيلي عام 1982 والدخول السوري ونشوء الميليشيات والحرب الأهلية والتي مع بدايتها ظهر نجم بشير الجميل الذي أراد اعادة الوضع الى ما كان عليه”.
وتابع البطريرك الراعي شارحاً: “عاش لبنان على الرغم من كل ذلك فترة بحبوحة على الرغم من كل الخضّات التي شهدتها المنطقة لأنه كان محايداً. وبحكم نظام لبنان التعددي والثقافي والديني هو مكان للتلاقي والحوار وهو مكان العيش المسيحي والإسلامي غير الموجود في أي مكان وخصوصاً أنه قائم على الإنتماء للمواطنة. في كيانه الأساسي لبنان دولة مدنية تفصل بين الدين والدولة ولكنهم شوّهوا هذه الدولة بممارساتهم الطائفية. نظامه ديمقراطي يعتمد الحريات العامة والإنفتاح على الدول، إنه رسالة حرية وتعددية للشرق والغرب. مؤسساته المالية ونظامه الإقتصادي الحر يشكلان حاجزا في وجه الأنظمة التوتاليتارية.
ويؤكد البطريرك الراعي قائلاً:”نعم لبنان حيادي بهويته وكيانه. الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود مع ما يمثله من صوت عربي قال عن لبنان: “إن حياد لبنان قوة له وللعرب وإبعاده عن التجاذبات الإقليمية التي تهدد وحدته وسلامة أهله هو ضرورة.هذا الحياد يعصم لبنان عن التداعيات الخطيرة للصراعات المحتدمة في المنطقة. للبنان وضع خاص بإعتباره في وضع نزاع مع إسرائيل ولكن حياده يحول دون تحويله الى ساحة نزاع للدول على أرضه”.
ولفت الراعي الى أنه “يجب ان يكون لبنان حياديّاً ناشطاً. أي عدم دخوله في أحلاف ومحاور وصراعات إقليمية أو دولية ومنع أي تدخل إقليمي أو دولي في شؤونه أو إستخدام أراضيه. لذلك يجب تعزيز الدولة اللبنانية كما أرادها الشيخ بشير الجميل بجيش قوي ومؤسسات تخضع للقانون ووحدة داخلية تمكن لبنان من مواجهة أي خطر من أي دولة سواء إسرائيل أو غيرها. كلنا نتذكر إنتخاب الشيخ بشير وكيف أنه في خلال 21 يوماً إنتظمت أمور البلد والإدارات والوزارات لقد استعمل شخصيته فقط، ولطالما كمن سره في شخصيته، ولم يستخدم  السلاح أو أي منطق ترهيب أو تهويل آخر. فأين نحن اليوم من هذا الإنتظام. كل واحد يفتح على حسابه فنرى العدالة الإختيارية الكيدية الإنتقائية والسلاح المتفلّت وغيرها من الشوائب”.
ورأى البطريرك الراعي أهمية في فك إرتباط قضية لبنان بقضية الشرق الأوسط، لافتاً الى أن الحل بسيط بتنفيذ القرار 425 والقرارات ذات الصلة. أما حل قضية الشرق الأوسط فهي تستند الى القرار 242  في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، لذلك قضية لبنان لا علاقة لها بقضية الشرق الأوسط. فأين هي القضية الفلسطينية اليوم وعودة اللاجئين الى أرضهم؟ ما من حل. لماذا أدخلونا بالقوة في قضية الشرق الأوسط؟ لبنان في حياده لا يدخل في هذه القضية فنحن لا نفاوض إسرائيل بل هناك قرار دولي بخروجها من أرضنا. وموقع لبنان الجغرافي بين سوريا وإسرائيل مهم أيضاً سيما وأن الدولتين لديهما أطماعهما في لبنان. ولقد صمد لبنان في وجه مشروع إسرائيل الكبرى وسوريا الكبرى، ولذلك يريد الحياد ليكمل رسالته وعلى الأسرة الدولية مساعدته ليكون محايداً ليستعيد قيمته ودوره في المنطقة”.
ووجد الراعي”لبنان مريض ولكن علينا مساعدته والحفاظ عليه لأنه كرامتنا ومستقبلنا وتاريخنا، وقيمة الحياد الناشط في لبنان أنه يولّد الإستقرار السياسي، وهذا يؤّمن إطارا للنمو الإقتصادي.والحياد ينقذ وحدة لبنان أرضاً وشعباً، ويحيي الشراكة المسيحية الإسلامية المتصدعة، بسبب حروب المنطقة. والحياد يساهم في إستقرار وسلام المنطقة. في الماضي كان لبنان خزنة الشرق الأوسط أي أن البلاد العربية كان لديها الثقة بالمصارف اللبنانية إضافة الى المستوى الطبي والإستشفائي والتعليمي العالي المستوى والسياحة وكل هذا يرتكز على حياد لبنان”.
ومن ثم أطلق البطريرك  الراعي خلال مؤتمر صحافي عقده في المقر البطريركي الصيفي في الديمان “مذكِّرة لبنان والحياد النَّاشط”، وقال: “لقد وضعنا هذه الوثيقة لتوضيح مضمون الحياد الذي لاقى ردود فعل أغلبها إيجابي بارغم من بعض الأسئلة والإستفسارات حول مضمونها” .
وتشرح مذكرة غبطة البطريرك الراعي “معنى الحياد الناشط والإيجابي وفيها أيضاً نداءه الى منظَّمة الأمم المتَّحدة التي طالبها بالعمل على إعادةِ تثبيتِ إستقلالِ لبنان ووحدتِه، وتطبيق القرارات الدوليَّة، وإعلانِ حياده. فحيادُ لبنان هو ضمانُ وحدته وتموضعه التَّاريخيّ، وبخاصَّةٍ في هذه المرحلة المليئة بالتَّغييرات الجغرافيَّة والدستوريّة. وحيادُ لبنان برأي الراعي هو قوَّته وضمانة استقراره. فلبنان الحياديُّ هو القادر على المساهمة في إستقرار المنطقة والدِّفاع عن حقوق الشُّعوب العربيَّة وقضيَّة السَّلام، وعلى لعب دورٍ في نسجِ العلاقات السَّليمة والآمنة بين بلدان الشَّرق الأوسط وأوروبا بحكم موقعه على شاطئ المتوسِّط”.
وتتمحور الموجبات حول حياد لبنان، كنظامٍ دستوريٍّ، لم يكن حاضرًا في ذِهنِ مؤسِّسي دولة لبنان الكبي، لكنَّه كان حاضرًا كسياسةٍ دفاعيّةٍ وخارجيَّةٍ يَتّبِعُها هذا الكيانُ الصَّغير والجديد ليُثبِّتَ وُجودَه ويُحافظ على استقلالِه واستقرارِه ووِحدِته وهويّتِه. وأثناءَ وضع الدستور اللُّبنانيّ سنة 1926 طلب المفوضُّ السَّامي الفرنسيّ هنري دو جوفنال  من حكومتِه أن تُرسِل له نسخةً من دستور سويسرا إذ وجده مناسباً للتركيبة اللُّبنانيَّة. وتأكَّدَتْ هذه النَّزعةُ سنةَ 1943 حينما أعلنَتْ حكومةُ الإستقلال أنَّ لبنان يَلتزِم “الحيادَ بين الشَّرق والغرب”، وشَدَّد عليه سنة 1945 لدى وضعِ ميثاقِ جامعةِ الدولِ العربيَّة الذي جعَلَ قرارات الجامعة غير مُلزِمةٍ حتَّى لو أتُّخِذت بالإجماع.


وأكَّدَت الأعمال الإعداديَّة لهذا الميثاق والمداخلات أنَّ “لبنان دولة مساندة، وليس دولة مواجهة”. فيكون هكذا عنصر تضامن بين العرب، وليس عامل تفكيك وتغذية للنِّزاعات العربيَّة، وخروجًا عن التَّضامن العربيّ لصالح استراتيجيَّات تخدم أنظمة غريبة، ولا تخدم المصالح العربيَّة المشتركة.وكانت فكرةُ الحياد تعود بتعابير مختلفةٍ في خُطَب رؤساءِ الجُمهوريَّة وفي البيانات الوزاريَّة وفي كلِّ بيانٍ وطنيٍّ يَصدُر عن هيئة حوارٍ وصولًا إلى 12 حزيران 2012 مع “إعلان بعبدا” الذي تمَّت الموافقةُ عليه بالإجماع وقد تضمَّنَ بوضوحٍ عبارةَ “تحييدِ لبنان” وأُرسِلَ هذا “الإعلان” إلى الأمم المتَّحدة، وتمَّ توزيعه كوثيقةٍ رسميَّةٍ من وثائق مجلس الأمن والجمعيَّة العامَّة (راجع الوثيقتين: A/66/849 و S/2012/477 ) وصدرَ عن مجلس الأمن بيان بتاريخ 19/3/2015 يدعو الأطراف اللُّبنانيَّة التقيُّد بما ينصُّ عليه هذا “الإعلان”. وبفضل هذه السِّياسةِ الحكيمة تمكَّن لبنان من المحافظة على وِحدةِ أراضيه بالرغم من مشاريعِ الوحدةِ العربيَّة، وبالرغم من جميع الحروب العربيَّة/الإسرائيليَّة. فجميعُ البلدان المتاخِمةِ لإسرائيل (سوريا، الأردن ومصر) خَسِرت أجزاءَ من أراضيها بإستثناءِ لبنان. وإذا بتحييد لبنان النِّسبيِّ عن صراعاتِ المنطقةِ ما بين 1943 و 1975 أدَّى إلى الازدهارِ والبحبوحةِ، وزيادةِ النموِّ، وإرتفاعِ نسبةِ دخلِ الفَرد، وتراجعِ البطالةِ حتى دُعِيَ لبنانُ “سويسرا الشرق”.
وتَعكَّرت تلك الحِقْبةُ سنة 1958 حين حاول الرَّئيس المصريّ جمال عبد الناصر ضمَّ لبنان إلى الوِحدةِ المصريَّة/السوريَّة العابرةِ. لكن سرعان ما تجاوز اللُّبنانيُّون تلك المحنة وتصالحوا وأكملوا دربَ بناء الدَّولة. وانتكس التوازنُ اللُّبنانيُّ مع دخولِ العامل الفِلسطينيّ إلى المعادلة الدَّاخليَّة وانطلاق العمل الفلسطيني المسلَّح في لبنان وانحياز فئةٍ من اللُّبنانيِّين إليه، الأمر الذي أدَّى لاحقًا إلى نشوب حرب سنة 1975. وتجاه الانقسام المسيحيّ/الإسلاميّ الذي عطّل الحكمَ، أذعنت الدَّولةُ اللُّبنانيَّة وقَبِلَت التَّنازل عن سيادتها، ووقَّعَت سنة 1969 “اتفاق القاهرة” الذي سمحَ للمنظَّمات الفلسطينيَّة القيامَ بأعمال عسكريَّة ضدَّ إسرائيل إنطلاقًا من الجنوب اللُّبنانيّ. وكَرَّت سُبحةُ إنحياز الدَّولة وفئات لبنانيَّة إلى النِّزاعات العقائديَّة والسِّياسيَّة والعسكريَّة والمذهبيَّة في الشَّرق الأوسط. فاحتلَّت إسرائيل جنوب لبنان (1978/2000) وسيطرت المنظَّمات الفلسطينيَّة على الجزء الباقي وصولًا إلى وسط بيروت (1969/1982)، ثم دخلَت القوَّات السُّوريَّة لبنان (1976/2005) ونشأ حزب الله حاملًا مشروع الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة بأوجهه الدِّينيّ والعسكريّ والثَّقافي(1981).
ولقد وقعَتْ جميعُ هذه الأحداث بسبب خروج لبنان عن سياسة الحياد المتعارف عليها من دون نصٍّ دستوري. وهكذا فقدت الدَّولةُ سلطتَها الدَّاخليَّة، والكيانُ سيادتَه الحدوديَّة، والوطنُ دورَه السِّياسيَّ والصيغةُ توازنَها، والمجتمعُ خصوصيَّتَه الحضاريَّة.ونتجت عن هذا الإختلالِ صراعاتٌ جانبيَّةٌ داخليَّةٌ لا تَقِلُّ ضراوةً عن الحروبِ الأساسيَّة. وها هو لبنان يترنَّح حاليًّا بين الوحدة والإنقسام. وهكذا، كَشفت تجربةُ المئة سنة (1920/2020) من حياة دولة لبنان الكبير أنَّه يتعذَّر على لبنان أن يكون وطن الرِّسالة من دون اعتماد نظام الحياد. فالإنحياز إلى صراعات دول الشَّرق الأوسط وشعوبه عابَ صيغةَ الشَّراكة بين المسيحيِّين والمسلمين بأوجهها الرُّوحيَّة والوطنيَّة والإنسانيَّة. فأصبح لبنان في حالة تفكُّك، وفشلت جميع الحلول والتَّسويات، وما عاد يُنقِذ وحدتَه واستقلالَه واستقراره سوى الحياد. ذلك أنَّ الخلافات بكثافتها وعمقها تُهدِّد الكيان لا الدَّولة فقط، وإعلانُ حياد لبنان هو فعلٌ تأسيسيٌّ مثل إعلان دولة “لبنان الكبير” سنة 1920 وإعلان استقلال لبنان سنة 1943. والفعل الأوَّل منع ذوبان اللُّبنانيِّين في الوحدة العربيَّة الإسلاميَّة ومنحهم نظامهم الديمقراطيّ البرلمانيّ والعيش المشترك. والفعل الثَّاني أعطى السِّيادة للدَّولة النَّاشئة وثبَّتَ دورها المستقلّ في منظومة الأمم. والفعل الثَّالث، الذي نعمل على تحقيقه، يمنع تقسيم لبنان ويحميه من الحروب ويحافظ على خصوصيَّته. فالحياد هو “عقدُ الاستقرار” بعد عَقدَي الوجود والسِّيادة.
وتناولت المذكرة البطريركية مفهوم الحياد النَّاشط بأبعاده الثلاثة وهي مترابطة ومتكاملة وغير قابلة للتَّجزئة. ويتجلى البُعد الأوَّل بعدم دخول لبنان قطعيًّا في أحلافٍ ومحاورَ وصراعاتٍ سياسيَّةٍ وحروبٍ إقليميًّا ودوليًّا؛ وإمتناع أيِّ دولة إقليميَّة أو دوليَّة عن التَّدخُّل في شؤونِه أو الهيمنة عليه أو إجتياحه أو إحتلاله أو إستخدام أراضيه لأغراض عسكريَّة، بموجب اتِّفاقيَّة مؤتمر لاهاي الثاني (18 تشرين الأول 1907) وسائر الإتِّفاقاتِ الإقليميَّة والدَّوليَّة اللَّاحقة. ويحقُّ للبنان أن يبقى عضواً فاعلًا في جامعة الدُّول العربيَّة ومنظَّمة الأمم المتَّحدة، فيُساهِم في إغناء فكرة تضامن الشُّعوب وعملها من أجل السَّلام ونهضة الشُّعوب. ويرتكز البُعد الثَّاني على تعاطف لبنان مع قضايا حقوق الإنسان وحرِّيَّة الشُّعوب، لا سيَّما العربيَّة منها التي تُجمِع عليها دولُها والأمم المتَّحدة؛ وبذلك يُواصِل لبنان الدِّفاع عن حقِّ الشَّعب الفِلسطينيّ والعمل على إيجاد حلٍّ للَّاجئين الفِلسطينيّين لاسيَّما أولئك الموجودين على أراضيه. إنَّ لبنان المحايد يستطيع القيام بدوره و”رسالته” في محيطه العربيِّ، التي يتبسَّط فيها الإرشاد الرَّسوليّ للقدِّيس البابا يوحنَّا بولس الثَّاني “رجاء جديد للبنان” (الفقرتان 92-93) وبالتالي إتِّخاذ مبادرات للمصالحة والتَّقارب بين مختلف الدُّول العربيَّة والإقليميَّة وحلّ النِّزاعات. إنَّ ميزة لبنان التَّعدُّديَّة الدِّينيَّة والثَّقافيَّة والحضاريّة تجعله حكماً أرضَ التَّلاقي والحوار بين الدِّيانات والحضارات والثَّقافات، عملاً بقرار منظَّمة الأمم المتَّحدة في دورة أيلول/ سبتمبر 2019، الذي أعلنَ لبنان “أكاديميَّة الإنسان لحوار الدِّيانات والحضارات”.ولبنان بموقعه على ضفة المتوسِّط هو جسر تواصل ثقافيّ واقتصاديّ وحضاريّ بين الشَّرق والغرب.والبُعد الثَّالث هو تعزيز الدَّولة اللُّبنانيَّة لتكون دولةً قويَّةً عسكريًّا بجيشها وبمؤسَّسَاتِها وقانونها وعدالتها وبوحدتها الدَّاخليَّة وإبداعاتها، لكي تضمن أمنها الدَّاخليّ من جهة، وتدافع عن نفسها بوجه أيِّ اعتداءٍ برِّيٍّ أو بحريٍّ أو جوّيٍّ يأتيها من إسرائيل أو من سواها من جهة أخرى. ويَستلزم لبنانُ الحيادي أن يُصارَ إلى معالجةِ الملفَّات الحدوديَّة مع إسرائيل على أساس خطِّ الهدنة، وترسيم الحدود مع سوريا أيضاً.
النزاعات التاريخيّة
ويعتبر البطريرك الراعي في نظام الحياد مصدراً لإستقلال لبنان وإستقراره إذ يؤمِّن الخروج من حالة النِّزاعات والحروب والأحداث الدَّاخليَّة المتتالية التي تلَتْ قيام دولة لبنان الكبير: 1958، 1969، 1973، 1975. وبرجوعه إلى الأسباب التَّاريخيَّة للنِّزاعات، وجد ثلاثة أنواع أساسيَّة:
أ- نزاعات داخليَّة بين المكوِّنات الدِّينيَّة والجماعات المذهبيَّة المتعدِّدة الولاءات على خلفيَّة قوميَّة وعقائديَّة ورغبةٍ بتعديل سلطة الحكم في البلاد وخدمة مصالح دول أخرى.
ب- نزاعات سياسيَّة وجغرافيَّة وقوميَّة في بلدان مجاورة كانت لها تداعيات عندنا.
ج – عدم صفاء علاقة سوريا بلبنان لجهة أرضه أو السُّلطة أو حدوده الدَّوليَّة. فغالبًا ما كانت نزاعات.
د – إرتداد نشوء دولة إسرائيل على لبنان لاسيَّما على أمنه القوميّ، الحدوديّ والدَّاخليّ، والتَّسبُّب بمجيء اللَّاجئين الفلسطينيِّين إليه.
وعولجت هذه النِّزاعات بحلولٍ سطحيَّة ومؤقَّتة إلى أن تعدَّلَ الدُّستور بعد إتِّفاق الطَّائف 1989 بإنتقال السُّلطة التَّنفيذيَّة من رئاسة الجمهوريَّة إلى مجلس الوزراء مجتمعًا وبإعتماد المناصفة العدديَّة في المجلس النِّيابيّ. أَوقفَت جميع هذه التَّسويات السِّياسيَّة والدستوريَّة الحرب لكنَّها لم توقف الصِّراع، لا بل تفاقم بعد كلِّ تسوية، إذ تضمَّنت التَّسويات في طيَّاتها بذور نزاعاتٍ مستقبليَّة. فأصبح لبنان وطنًا تتنازع مكوِّناته على أدوارها في حكمه، وساحةً “لحروب الآخرين” على أرضه. فإذا لم تُعالَج أسباب هذه النِّزاعات في العمق، ستتواصل النِّزاعات والحروب، ونصل إلى إحدى الحالات الثَّلاث: إمَّا أن تتسلَّط طائفةٌ على الآخرين بقوَّة السِّلاح وتضع يدها على الدَّولة وتهدِّد جيرانها والتَّوازن الإقليميّ، وإمَّا أن يبقى لبنان دولةً فاشلةً مشرَّعةً وفاقدةَ الوزن والإستقرار، وإمَّا أن يُقرِّر الآخرون إعادة النَّظر بالكيان اللُّبنانيّ في إطار تغييرات الشَّرق الأوسط خلافًا لإرادتنا بالوحدة والعيش معًا. فطرَحنا نظام الحياد لتفادي هذه الحالات، ولتثبيت السِّيادة والإستقرار.
ويستفيد كل من لبنان وإقتصاده من نظام الحياد في أمرين أساسيَّين:
ينقذ وحدة لبنان أرضًا وشعبًا ويحيي الشَّراكةَ الوطنية المسيحيَّة ــــ الإسلاميَّة المتصدِّعَة في كثيرٍ من الأمكنة. مع حياد لبنان تستعيد طوائفه الـثَّماني عشرة أمنها وإستقرارها، وتثق ببعضها البعض بعيدًا عن الصِّراعات، وتساهم في إستقرار المنطقة والسَّلام في العالم. ويجعل مشاركة جميع المكوِّنات اللُّبنانيَّة أكثر ليونة وإيجابيَّة، إذ يُعطِّل الإنحيازَ والجنوح في ممارسة الصَّلاحيَّات والسُّلطة أيًّا تكن هويَّة المسؤول السِّياسيَّة والطَّائفيَّة. كما يستفيد إقتصاد لبنان في أكثر من قطاع، ويُعزِّز بفضل الإستقرار والأمن ومقدِّرات اللُّبنانيِّين على مستوى الثَّقافة والخبرة وروح الإبداع. نذكر هنا سبعة قطاعات خاصَّة بلبنان تُعزِّز إقتصاده، هي:
ـ القدرات المصرفيَّة والماليَّة والخبرة الطَّويلة في هذا المجال تجعل من لبنان خزنة الشَّرق الأوسط. ذلك أنَّ الأستقرار والأمن يولِّدان الثقة.
ـ المستوى الطبّيّ والإستشفائيّ العالي والمعدَّات الطبيَّة هي ذات نوعيَّة. لبنان أقرب للشَّرق الأوسط من أوروبا والولايات المتَّحدة الأميركيَّة واللُّغة العربيَّة عنصرٌ أساسيّ. لذا يُشكِّل لبنان مركزًا طبّيًّا للشرق الأوسط وله سلسلة فنادق تُسهِّل لأهل المرضى مرافقتهم.
ـ لبنان مركز سياحيّ للشَّرق الأوسط وللعالم، إذا تأمَّن فيه الاستقرار والأمن. فما يحتوي لبنان من ميزات سياحيَّة يجعل منه مركزًا جذَّابًا. هذا بالإضافة إلى الفنادق والمنتجعات البحريَّة والجبليَّة والمطاعم.
ـ لبنان مركز تعليم وتربية للشَّرق الأوسط بفضل مستواه العالي التَّقليديّ، وبخاصَّة على المستوى الجامعيّ. الأهالي العرب يفضِّلون لبنان على أوروبا والولايات المتَّحدة الأميركيَّة. وبهذه الصِّفة يساهم لبنان في بثِّ روح التَّفاهم والسَّلام.
ـ لبنان بإستقراره وأمنه يجتذب المنتشرين للعودة والإستثمار في مشاريع متنوِّعة. وبذلك يوفِّرون فرص عمل، ونموّ، ونوعيَّة حياة سادت لبنان بين الخمسينات وبدايات السَّبعينات الماضية.
يستفيد لبنان من الحياد بفضل إنتمائه إلى العالم العربيّ، وموقعه على ضفَّة المتوسِّط ودوره وحضارته التَّاريخيَّين.
وبفضل كلِّ ذلك يتحوَّل لبنان محور الإتِّحاد المتوسِّطيّ والمكان الذي تتقاطع فيه مصالح جميع الأطراف. فالشَّراكة الأوروبيَّة والإتِّحاد المتوسِّطيّ مشروعان حيويَّان للبنان. إنَّ فكرة الاتِّحاد المتوسّطيّ تقع في قلب رؤية مستقبليَّة، ويحمل هذا “الاتِّحاد” قدرة فعليَّةً على خلق منظومةِ قيمٍ جديدةٍ وقوَّةٍ سياسيَّة وإقتصاديَّة وثقافيَّة وملاحيّة في هذه المنطقة الإستراتيجيَّة من العالم. كما يجعل أوروبا أكثر إرتباطًا بالعالم العربيّ وأكثر حرصاً على مصالحه وبالتَّالي أقلّ إندفاعًا في الدِّفاع عن إسرائيل.
وتكشف “المذكرة” عن ما يحتاجه لبنان هي دعوة الأسرة العربيَّة والدَّوليَّة الى أن تتفهَّم الأسباب الموجبة التَّاريخيَّة والأمنيَّة والسِّياسيَّة والإقتصاديَّة والثَّقافيَّة والحضاريَّة التي تدفع غالبيَّة اللُّبنانيِّين إلى إعتماد “الحياد النَّاشط”” وأن تُقِرَّ منظَّمة الأمم المتَّحدة في حينه نظام الحياد بأبعاده الثَّلاثة:
الأوَّل، إنَّ لبنان نشأ وسار على خطِّ الحياد وعدم الإنحياز منذ تأسيسه حتَّى سنة 1969 مع “اتِّفاق القاهرة” الذي سمح للَّاجئين الفلسطينيِّين بامتلاك السِّلاح الثَّقيل ومحاربة إسرائيل من الأراضي اللُّبنانيَّة، وما تبع ذلك من ظهور قوى عسكريَّة لبنانيَّة وغير لبنانيَّة خارجة عن الدَّولة.
الثَّاني، إنَّ لبنان بحكم نظامه الديمقراطيّ واللِّيبراليّ، وميزة تعدُّديَّته الدِّينيَّة والثقافيَّة المنظَّمة في الدُّستور والميثاق الوطنيّ، وبحكم موقعه على ضفَّة البحر المتوسِّط بين الشَّرق وأوروبا، هو صاحب دورٍ في تعزيز السَّلام والإستقرار في المنطقة والدِّفاع عن حقوق الشُّعوب، ووساطة التَّقارب والمصالحة بين الدُّول العربيَّة، وتقديم مساحة لحوار الأديان والثَّقافات والحضارات.
الثَّالث، إنَّ لبنان القائم على التَّعدُّديَّة والتَّوازن بين مكوِّناته يحتاج ليستمرَّ أن تجد منظَّمة الأمم المتَّحدة مع الدُّول المعنيَّة حلًّا لوجود نحو نصف مليون لاجئ فلسطينيّ ونحو مليون ونصف المليون نازح سوريّ على أراضيه. فالحياد الناشط الذي هو في أساس الكيان اللبناني وقد ولد بالتعددية وبالمواطنة والولاء للوطن وليس للدولة وإعتماد ما قاله البطريرك الحويك بأن لبنان طائفة واحدة أسمها “لبنان””  وكل الطوائف تشكل نسيجها الإجتماعي وكل البيانات الحكومية من 1943الى 1980 تتحدث عن الحياد “لا شرق ولا غرب” ولبنان يجب أن يكون دولة مساندة وليس دولة مواجهة ويشكل عنصر تضامن بين العرب وليس عامل تفكيك وتغذية للنزاعات العربية والخروج عن التضامن العربي لصالح إستراتيجيات تخدم أنظمة غريبة ولا تخدم المصالح العربية المشتركة.
ولا يريد البطريرك الراعي الدخول في ما حصل بعد إتفاق الطائف وحل الميلشيات وبقاء إسرائيل في مزارع شبعا وبقاء سلاح حزب الله وحده ولكن يجب أن يصدر قرار رسمي داخلي وخارجي بأن لبنان غير قابل للحياة اذا لم يعتمد نظام الحياد وسيذهب الى الزوال في حال عدم إعتماده لأن كل اللبنانيين باتوا على الحضيض إقتصاديا وإجتماعيا.
وفي 14 تموز / يوليو 2020 إستهل البطريرك الراعي لقاءاته في كنيسة صرح الديمان باستقبال وفد من “القوات اللبنانية” ضم مسؤولي المصالح والقطاعات والمناطق في الحزب تقدمهم الأمين العام الدكتور غسان يارد والأمينان المساعدان جوزيف أبو جودة ونبيل أبو جودة، حيث ألقى رئيس مكتب التواصل مع المرجعيات الروحية أنطوان مراد كلمة شكر فيها البطريرك على استقبالهم، مستذكرا البطريرك عريضة “الراقد في جانب من الكنيسة والذي رهن صليبه لإطعام الناس ايام الشدة”. وقال: “يشرفنا ان نلتقي اليوم غبطة أبينا البطريرك الراعي أطال الله بعمره والذي سيكون بقدرة الله بطريرك حياد لبنان”. ون جهته، قال الأمين العام للحزب: “شرف كبير لنا أن نكون اليوم في الديمان على كتف وادي القديسين الذي يختزن تاريخ الموارنة الذين حافظوا على وجود الشعب المسيحي واللبناني في هذه الأرض .ونحن وفد الأمانة العامة من حزب القوات اللبنانية نمثل كافة القطاعات والمصالح والأجهزة في الحزب. جئنا لنقول لك نحن كما دائما الى جانبك وندعم مواقفك. مجد لبنان لم يعط بالصدفة للبطريركية المارونية فهي تمثل نضال كل تضحيات الموارنة عبر التاريخ والتي توجت باعلان دولة لبنان الكبير مع البطريرك الحويك، والإستقلال الأول والإستقلال الثاني مع البطريرك صفير. ونأمل أن تتوج اليوم بحياد لبنان مع غبطتكم”. وأضاف: “نحن بإسم شهدائنا ومناصرينا وبإسم رئيس حزب “القوات اللبنانية” نشد على يدك ليرجع لبنان الذي إعتدنا عليه، لبنان الحرية والإزدهار والإنفتاح على الشرق والغرب، لبنان الذي يملك قرار الحرب والسلم فيه حكومته وجيشه، وهذا هو مطلب جميع اللبنانيين، وعيونهم شاخصة على بكركي والديمان، لأن الأمل الوحيد لخلاص لبنان هو خارطة الطريق التي طرحتها والتي هي حياد لبنان لنصل الى بر الأمان وننقل لك تحيات الدكتور سمير جعجع، ونكرر تأكيدنا الوقوف الى جانبك في السراء والضراء”.
وردّ البطريرك الراعي بكلمة رحّب فيها بالوفد، وقال: “نتبادل معكم التحية لكم وللدكتور جعجع ونحيّي الاستاذ انطوان مراد والدكتور يارد وكل الذين أتوا من كل المصالح والقطاعات، وأنا سعيد بلقائكم المعبّر، وكما تفضل الدكتور غسان نحن على مشارف وادي البطاركة القديسين الذين صلّوا صامدين من أجل كنزين هما الحرية والاستقلال. وهكذا قادوا المسيرة لتحقيق الاستقلال وهذه خصوصية لبنان المميز عن كل بلدان المنطقة. والبطريرك الحويك كان كُلّف من المسيحيين والمسلمين للمشاركة في مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919 وترأّس ثلاث بعثات كانت واضحة المعالم بأن لبنان سيتسع لكل ابنائه والارض التي سلخها الاتراك عنه استردّها، وكان يدافع عن الجميع وكانت له كلمة شهيرة “بأنّ لبنان ليس فيه الا طائفة واحدة إسمها لبنان وكل الطوائف تشكل نسيجاً له”. وعندما كان يدافع عن أشخاص من غير طائفته كان يسأل الى أي طائفة ينتمي، كان جوابه “طائفتي هي لبنان”. ومن هنا ابتدأ لبنان الحياد والدولة المدنية واللقاء والتعددية ليكرّس هذاالواقع.

وتابع:”هكذا كان لبنان يسمّى سويسرا الشرق ونحن عايشنا تلك الفترة والعلاقات مع الشرق والغرب باستثناء دولة اسرائيل التي كان معها هدنة، واليوم عداوة لاغتصابها واحتلالها أراضينا. وعندما نتكلم عن الحياد لا نخترع شيئاً بل نستعيد هويتنا الاساسية التي تشوهت ووصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم. فاللبنانيون أصبحوا جميعا فقراء محرومين، في حين أنه كان دائماً يعيش في بحبوحة وإباء ويحبّون العالم، والعالم يحبّ لبنان وشعبه المضياف”.

وأضاف: “اليوم نطالب بلبنان الحياد الملتزم القضايا العامة والعدالة وحقوق الشعوب ويبقى جسر العبور بين الشرق والغرب. ولا يمكننا ان نتغنى بلبنان الرسالة وحوار الحضارات والثقافات والاديان ان لم نكن على علاقة مع الدول العربية والغربية والاميركية ونعيش في عزلة عنهم. وعندما نقول يجب ان نعود الى انفسنا مسلمين ومسيحيين فذلك لاننا عشنا سوية بكرامة وجعلنا من لبنان سويسرا الشرق وسنسترده سويا مسلمين ومسيحيين. وانني اشكركم على تشريفكم وتشجيعكم وعلى ردة الفعل الجميلة مع كثيرين غيركم، فمسؤوليتنا جميعا ان نناضل نضالا سلميا من اجل لبنان الرسالة والنموذج كما قال عنه البابا القديس يوحنا بولس الثاني”.

وأشار الى أن “الأمم المتحدة صوتت في العام الماضي على أن لبنان أكاديمية الإنسان للثقافات والأديان”، وسأل: “كيف يمكننا اليوم أن نعزل أنفسنا عن هذا العالم. واجبنا ان نعيش سويا مع بعضنا ونسترجع مكونات لبنان الجمالية”. وختم: “كل يوم اقف على الشرفة المطلة على الوادي المقدس وإستشفع البطاركة القديسين بالصلاة من أجل لبنان والشعب اللبناني والكنيسة لتبقى حاملة رسالة المحبة والأخوة والتلاقي مع كل الناس”.
وأمام الحشود الشعبية التي تجمعت في باحة الصرح البطريركي في 27 شباط/ فبراير 2021 إستهل البطريرك الراعي كلمته، بتأكيده على أن “اختيار نظام الحياد هو للمحافظة على دولة لبنان في كيانها الحالي الذي أساسه الإنتماء اليه بالمواطنة وليس بالدين وميزته التعددية الثقافية والدينية والإنفتاح على كل الدول وعدم الإنحياز”، و””طالبنا بمؤتمر دولي لأن كل الطروحات رفضت حتى تسقط الدولة ويتم الإستلاء على مقاليد السلطة، ونحن نواجه حالة إنقلابية بكل معنى الكلمة على كل ومختلف الميادين الحياة العامة وعلى المجتمع اللبناني وعلى ما يمثل وطننا من خصوصية حضارية في هذا الشرق” و”نريد من المؤتمر الدولي أن يوفر الدعم للجيش اللبناني ليكون المدافع الوحيد عن لبنان والقادر على إستعداد القدرات العسكرية الموجودة لدى الشعب من خلال نظام دفاعي شرعي يمسك بقرار الحرب والسلم، ونحن نريد من المؤتمر الدولي أن يحسم وضع خطة تنفيذية سريعة لمنع توطين الفلسطينيين وإعادة النازحين السوريين إلى ديارهم ولا نريد منه جيوشاً ومعسكرات أو المس بكيان لبنان فهو غير قابل لإعادة النظر، وحدود لبنان غير قابلة للتعديل وشركته المسيحية – الإسلامية غير قابلة للمس، وديمقراطيته غير قابلة للنقض، ودوره غير قابل للتشويش، وهويته غير قابلة للتزوير”، وأن ” أي تطوير للنظام اللبناني لا يجوز أن يكون على حساب ما تم الإتفاق عليه منذ تأسيس دولة لبنان، والتطوير لا يعني إلغاء المواثيق الدستورية بل توضيح الملتبس بها كي تتكامل السلطات الدستورية، وهو لا يعني محو الماضي بل تحصين الثوابات، ومن حقنا العيش في حياة كريمة في وطننا، ولقد ولدنا لنعيش في مروج السلام الدائم لا في ساحات القتال الدائم، وجميع مشاكل الشعوب باتت قابلة للحل بالحوار والتفاوض والعلاقات السلمية”.
واعتبر أن الحشود جاءت الى الصرح البطريركي لكي تدعم المطلب بإعلان حياد لبنان الإيجابي الناشط. إذ  لا يختلف إثنان على أن خروج الدولة أو قوى لبنانية عن سياسة الحياد هو السبب الرئيس لكل أزماتنا الوطنية والحروب التي وقعت في لبنان. لقد أثبتت التجارب التاريخية، القديمة والحديثة، أن كلما إنحاز البعض إلى محور إقليمي أو دولي، إنقسم الشعبُ وعُلّق الدستور، وتعطلت الدولة وانتكست الصيغة اللبنانية، وإندلعت الحروب. إن جوهر الكيان اللبناني المستقل هو الحياد. بل إن الهدف من إنشاء دولة لبنان الكبير هو خلق كيان حيادي في هذ الشرق يشكل صلةَ وصل بين شعوب المنطقة وحضاراتها، وجسرَ تواصل بين الشرق والغرب. وإختيار نظام الحياد هو للمحافظة على دولة لبنان في كيانها الحالي الذي أساسه الإنتماء بالمواطنة لا بالدين، وميزته التعدّديّة الثقافيّة والدينيّة، والإنفتاح على كل الدول وعدم الإنحياز. ونحن نجدد معكم الدعوة إلى اقرار حياد لبنان لكي نعطي للحياد صفة دستورية ثابتة بعدما ورد ذكره بأشكال شتى وتعابير مختلفة في وثيقة إنشاء دولة لبنان وفي خطب رؤساء الجمهوريّة وفي بيان حكومة الإستقلال وبيانات سائر الحكومات المتتالية وصولا إلى إعلان بعبدا في 11 حزيران/ يونيو 2012. وأن ما نطالب به لم نعلن عنه إلا بعد أن بلغت كل الحلول الأخرى الى حائط مسدود، ولم نتمكن في ما بيننا من الاتفاق على مصير وطننا. حتى أن السياسيين المعنيين لم يتمكنوا من الجلوس على طاولة واحدة للتحاور وتيقّنا أنَّ كلَّ ما طُرحَ رُفض لتبقى الفوضى، وتسقطَ الدولة، ويتمَّ الإستيلاءُ على مقاليد السلطة. أما أن يتركوا الأمور كما هي فيفتقر الشعب وتنهار الدولة فهذا ما لا نقبله. نحن نواجه حالةً إنقلابيّة بكل معنى الكلمة على مختلف ميادين الحياة العامة، حالة إنقلابية على المجتمع اللبناني وعلى ما يمثله وطننا من خصوصية حضارية في هذا الشرق. وكان الإنقلاب الأوّل على وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّها مؤتمر الطائف سنة 1989، وقد إنعقد برعاية دوليّة وعربيّة. ولكنّه لم يُطبّق حتى اليوم بكامل نصّه وروحه؛ وعُدّل الدستور على أساسه، فظهرت فيه ثغرات أثّرت في العمق على حياة الدولة حتى أصيبت بالشلل. فلو تمكّنت الجماعة السياسيّة عندنا من إجراء حوار مسؤول لتحصين وثيقة الوفاق الوطني، ومعالجة الثغرات في الدستور، لما طالبنا بتاتًا بمؤتمر دوليّ برعاية الأمم المتّحدة، يساعدنا على حلّ العقد التي تشلّ المؤسّسات الدستوريّة ونريد من المؤتمر الدولي أن يثبِّتَ الكيانَ اللبنانيَّ المعرَّض جديًّا للخطر، وأن يعيدَ تثبيتَ حدودِه الدولية، ويجدّدَ دعم النظام الديمقراطي الذي يعبّر عن تمسّك اللبنانيّين بالحرّية والعدالة والمساواة. وإعلانَ حيادِ لبنان فلا يعود ضحية الصراعات والحروب، وأرض الإنقسامات، وبالتالي يتأسّس على قوّة التوازن، لا على موازين القوى التي تنذر دائمًا بالحروب.وأن يّتخذ جميع الإجراءات لتنفيذ القرارات الدولية المعنية بلبنان، والتي لم تُنفَّذ أو نُفّذَت جزئيا. فتنفيذ هذه القرارات من شأنه أن ينقذ إستقلال لبنان وسيادته ويسمح للدولة اللبنانية أن تبسط سلطتها الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية من دون أي شراكة أو منافسة،ويوفّر الدعم للجيش اللبناني، ليكون المدافع الوحيد عن لبنان، والقادر على إستيعاب القدرات العسكرية الموجودة لدى الشعب اللبناني من خلال نظامٍ دفاعي شرعي يُمسك بقرار الحرب والسلم. ويحسمَ وضعَ خطة تنفيذية سريعة لمنع التوطين الفلسطيني ولإعادة النازحين السوريين آمنين إلى ديارهم. ولا نريد من المؤتمر الدوليّ جيوشًا ومعسكرات والمسّ بكيان لبنان فهو كما ذكرنا ونؤكد دائماً غيرُ قابلٍ لإعادةِ النظر، وحدودُ لبنان غيرُ قابلةٍ للتعديل. وشراكتُه المسيحيّةُ/الإسلاميّة، وديمقراطيّتُه غيرُ قابلةٍ للنقض. ودورُه غيرُ قابلٍ للتشويهَ، وهويّتُه اللبنانيّة غيرُ قابلةٍ للتزويرَ. وإنَّ أيَّ تطويرٍ للنظام، وهذه سُنّةُ التقدّم، لا يجوز أن يكونَ على حسابِ ما إتّفقنا عليه منذ تأسيسِ دولةِ لبنان. لأن التطويرُ لا يعني النقضَ، بل التحسين، والتطويرُ لا يعني إلغاءَ المواثيق الدستوريّة، بل توضيحَ الملتَبِسِ فيها لتتكامل السلطاتُ الدستوريّة. والتطويرُ لا يعني محوَ الماضي، بل تحصينَ الثوابت التاريخية، وجميعُ مشاكلِ الشعوبِ صارت قابلةَ للحلِّ بالحوار والتفاوض والعلاقات السلمية. قدرُ الإنسانِ أن يخلقَ أصدقاءَ لا أعداء. وأن يَحملَ المحبّةَ لا الأحقاد. ورسالةُ لبنان أن يكونَ مثالَ العلاقاتِ الإنسانيّةِ السلميّة. ومهما طال الوقت، لن ينجح أحد في أن يَقضيَ على هذا اللبنان وهذه الرسالة. لبنانُ الرسالة التي تحدث عنها من لبنان القديس البابا يوحنا بولس الثاني، وقداسة البابا فرنسيس الذي يولي قضية لبنان أهمّيةً خاصّةً وعبّر عن ذلك في رسالتين متتاليتين وفي إتصالاته مع الدول الصديقة لدعم لبنان وعدم توفير أي مسعى لبناني أو دولي لإنقاذه.
ولفت البطريرك الراعي الى أن كل ما نطرحُه اليوم، من ناحيةِ إعلانِ حيادِ لبنان وعقدِ مؤتمرٍ دوليٍّ خاصٍّ به، إنما هو لتجديدِ وجودِنا الحرّ والسيّد والمستقل والمستقرّ. كلُّ ما نطرحُه هو لإحياءِ الدولةِ اللبنانيّةِ المبعثَرةِ والمعطّلةِ والمصادرة. حرّرنا الأرضَ، فلنُحرِّر الدولة. فلنحررها من كلِّ ما يعيقُ سلطتَها وأداءَها. إنَّ عظمةَ حركاتِ التحرّرِ والمقاومةِ في العالمِ هي أن تصبَّ في كنفِ الدولةِ وشرعيّتها. وإن عظمةَ الدولةِ أن تخدمَ شعبها. ونتساءل أين نحن من هذه العظمة؟ الدولة هي الكيان الأسمى، ولأنها كذلك لا تتقبّلُ الدولةُ المحترمَةُ الإلتباسَ والإزدواجيّة والإستضعاف. فلا يوجد دولتان أو دولٌ على أرضٍ واحدة، ولا يوجدُ جيشان أو جيوشٌ في دولةٍ واحدة. ولا يوجدُ شعبان أو شعوبُ في وطنٍ واحد. إن أيَّ تلاعبٍ بهذه الثوابت يهدد وحدةَ الدولة. ونحن في هذا الصرح البطريركي نطرحُ مشاريعَ حلولٍ لا مشاريعَ مشاكل. والحلول هي لكل لبنان ولكل لبناني ولبنانية. فالحلُّ الحقيقيُّ هو حلٌّ لكلّ الشعبِ لا لفئةٍ منه دون سواها. ونحن اللبنانيّين مدعوون إلى مقاربةِ الأفكارِ بروحٍ إيجابيّة بعيدًا عن السلبيّة، خاصّةً حين تَصدر عن هذا الصَرح البطريركي، لأنّنا هنا لا نُفكِّرُ إلا إيجابيًّا، ولا نُفكّر إلا وطنيًّا، ولا نُفكّر إلا بكلِّ لبنانيٍّ ولبنانيّة. اللبنانيون جميعُهم أحباؤنا. في هذا الصرح، كلّف الزعماء المسيحيّون والمسلمون البطريرك الياس الحويّك برئاسة الوفد اللبنانيّ إلى مؤتمر السلام في “فرساي” سنة 1919، والتكلّم باسم جميع اللبنانيّين والمطالبة بدولة لبنان الكبير. وفي هذا الصرح، عقدت الشخصيّات اللبنانيّة المسيحيّة والإسلاميّة مؤتمرًا في 25 كانون الأوّل 1941 حول البطريرك أنطون عريضة للمطالبة “بأستقلال لبنان التام والناجز والمضمون من الدول” وإنّ الدم اللبنانيّ الساري في عروقنا هو الذي قادكم اليوم عفويًّا بالرغم من كل الأخطار إلى هذا الصرح البطريركيّ بالذات، ولن نخيّب آمالكم.
و تابع البطريرك الراعي أمام الحشود التي صعدت الى بكركي قائلاً: ” أنتم الـذين هُنا، والذين هناك وراء البحار، تشاركوننا هذه اللحظات عبر محطات التلفاز. جميعكم تُشكّلون مصدرَ ثقتِنا بالمستقبل. أنتم مستقبلُ لبنان ولبنانُ المستقبل. لبنان للجميع أو لا يكون، والجميعُ للبنان أو لن يكونوا. مجيئُكم اليومَ من كلِّ مكانٍ يُجدّد الأملَ ويطردُ الإحباط. مجيئُكم يؤكّد أنَّ ما من حقٍّ يموتُ ووراءه مطالِبٌ ومواطنةٌ ومواطنٌ ومناضلٌ ومقاومٌ وثائرٌ وشعب. وفي مقابلة مع “قناة الحرة” في 1 آذار/ مارس 2021 عاود البطريرك الراعي الإشارة الى أن ما يدفعه الى الإعلان عن طروحاته هو أن لبنان وصل إلى مرحلة خطيرة. ظهرت في المؤسسات المشلولة، والبرهان على ذلك أننا في كل مرحلة نتخبط لتشكيل حكومة. والشعب اليوم يموت جوعاً ويطالب والدولة غير موجودة. وأسبابه أن لبنان خلافاِ لطبيعته وهويته أُدخل في قضايا دولية وإقليمية وتحالفات ونزاعات وحروب أعادته إلى الحالة التي هو فيها، وحين رأيت أن هذا الوجه الآخر لا تستطيع الطبقة السياسية أن تتواجد على طاولة واحدة وتطرح الحلول رأيت من واجبنا أن نرفع قضيتنا إلى الأمم المتحدة حتى يكون في مؤتمر، كمؤتمر الطائف الذي إنعقد حين لم يستطع اللبنانيون أن يتفاهموا في ظل الحرب التي كانت دائرة فكان الطائف حتى نوقف الحرب  وما يساعدنا على جعل فكرة المؤتمر الدولي الذي نطرحه حقيقة هو أن تتحول فكرته الى مطلب شعبي في وقت نجد فيه الشعب مأخوذ أسير، فماذا يفعل ولمن يلتجئ؟ حين حصل الطائف كان هناك إجماع؟ آنذاك كان يُمسك الحكم الرئيس عون حين كان آنذاك رئيساً للحكومة لم يكن مع الطائف ولم يكن هناك إجماع حول الاتفاق. نحن اليوم نبحث عن إجماع دولي لإقامة هذا المؤتمر.  ولنا حوالي العام نعمل مع الدول العربية والغربية الصديقة وغيرها من خلال سفرائهم أو غيرهم ونتحدث معهم حول هذا الموضوع لأن كل الناس تعلم الواقع اللبناني، والكل يُرحب لأنهم يرون مذلة الشعب اللبناني أين أصبحت.  وسنستمر إلى النهاية في مبادرتنا من أجل كل لبنان حتى لو رفض جزء من اللبنانيين هذه المبادرة لأننا نعمل من أجل خير كل اللبنانيين وكل لبنان”.
تشخيص المرض!
وتابع:”لقد أوضحت أكثر من مرة أن المؤتمر الذي أدعو إليه علينا التحضير له وعلينا تشخيص مرضنا إنطلاقاً من أمور ثلاثة هي:
أولاً، وثيقة الوفاق الوطني الطائف التي مع الأسف لم تنفذ لا بكامل نصها ولا بروحها وهذا التعثر الحاصل منذ 30 سنة أوصلنا إلى ما وقعنا به في المرحلة الراهنة.
ثانياً، الدستور الذي عدل في ضوء إتفاق الطائف وكلنا نعلم أن هذا الدستور وضعوه على جنب ويخلقون أعرافاً وتقاليد خارجة عنه، وفي الدستور هناك ثغرات متروكة، فوصلنا إلى مكان ليس فيه حوار لأن كل واحد منهم خلق دستوره.
ثالثاً، ميثاق العيش معاً.
هذه النقاط الأساسية، وأنا لم أدع ولا أدعو ولا سأدعو إلى مؤتمر تأسيسي إطلاقاً. نحن لسنا بحاجة إلى مؤتمر تأسيسي، نحن فقط بحاجة إلى أن نعود لنحافظ على هذه الثلاث ودائع الأساسية التي تكوّن هوية ورسالة لبنان. وحين تحدثنا عن الحياد، تحدثنا عن 3 مقومات أساسية سمّيناها عناصر مترابطة بعضها ببعض لا تقبل الإنفصال، أولاً، الحياد وهو عدم دخول لبنان بأي أحلاف أو نزاعات أو حروب إقليمية أو دولية لأنها خارجة عن طبيعته وعن تكوينه السياسي والجغرافي وعن هويته الأساسية وهي أنه حيادي. ثانياً، لماذا؟ لأن لبنان لديه دور غير الحرب. لديه دور السلم والسلام كونه مكاناً للتلاقي ولحوار الحضارات والأديان. ثالثاً، لأجل كل هذا، مطلوب أن تكون الدولة اللبنانية قوية بجيشها الخاص من أجل ضبط سيادتها الداخلية أي بمعنى لا يكون لدينا دويلات وجمهوريات في الداخل وأن يكون لديها سيادة وهذا ما نفتقده ولدينا سيادة على الورق فقط. العنصر الثالث والأساسي أن يكون هناك دولة لديها سيادة قوية وأن يكون لديها جيشها القوي الخاص الذي يحفظ سيادتها الداخلية والخارجية أي تستطيع أن ترد أي إعتداء يأتيها من إسرائيل أو من أي دولة أخرى. هذا كله معناه الحياد، وليس جزءاً من دون آخر أو حياد الضعيف، بل حياد القوي والمتماسك. وإن هوية لبنان هو المقاوم ضد إسرائيل في المنطقة العربية ليست هويته. كل دولة عليها أن تقاوم بمعنى أن تحفظ نفسها من أي اعتداء والمقاومة بدأت قبل حزب الله. بدأت عام 1975. المقاومة الشعبية أي ليس هناك شيء أسمه المقاومة، لفئة من دون سواها. يعني يجب أن يكون هناك جيش يقاوم وحين يحتاج، الدولة تقول للشعب تفضلوا معنا.  وما أريد التأكيد عليه أن المقاومة هي من صميم كل دولة. طبيعة الدول أن تكون جاهزة لمقاومة كل إعتداء عليها ولكن تقاوم بجيشها وليس أي شيء آخر. وهنا أريد أن أسأل سؤالاً بسيطاً، لماذا لم نُقر الإستراتيجية الدفاعية المشتركة التي هي تعاون الجيش اللبناني مع سلاح حزب الله. من أيام الرئيس ميشال سليمان، دُرست وأُقرت الإستراتيجية الدفاعية المشتركة. في خطاب القسم لرئيس الجمهورية الحالي أيضاً تحدث عن الإستراتيجية الدفاعية.
وفي الأول من نيسان 2021 شنّ البطريرك الراعي هجوماً حاداً على حزب الله، واتهمه فيه بالإستئثار بقرار الحرب والسلام في البلاد وخاطب الحزب متسائلاً: ” لماذا تقف ضد الحياد، هل تريد إجبارنا على الذهاب إلى الحرب؟ تريد إبقاء لبنان في حالة حرب؟ ” و”هل تأخذ برأينا حين تقوم بالحرب؟ هل تطلب موافقتنا للذهاب إلى سوريا والعراق واليمن؟ هل تطلب رأي الحكومة حين تشهر الحرب والسلام مع إسرائيل؟ علماً أنّ الدستور يقول إن إعلان الحرب والسلام يعود إلى قرار من ثلثي أصوات الحكومة”. وأضاف ما نقوم به هو في صميم مصلحة حزب الله ولكنه لا يراعي مصلحتنا الوطنية ولا مصالح الشعب، ولماذا يريد حزب الله أن نوافق على وجوب التوافق على الذهاب إلى موضوع فيه خلاص لبنان، ولا يريدنا ان نوافق عندما يذهب إلى الحرب التي فيها خراب لبنان”. وفي رسالة الفصح التي وجهها غبطته يوم السبت الواقع فيه الثالث(3) من نيسان 2021 قال: ” كم يؤلمنا أن نرى الجماعة الحاكمة ومن حولها يتلاعبون بمصير الوطن كياناً وشعباً وأرضاً وكرامة! ويؤلمنا بالأكثر أنّها لا تدرك أخطاء خياراتها وسياساتها، بل تمعن فيها على حساب البلاد والشعب! وكم يؤلمنا أيضاً أنّ بعضًا من هذه الجماعة يتمسّك بولائه لغير لبنان وعلى حساب لبنان واللبنانيّين! ولقد صار واضحًا أنّنا أمامَ مخطّطٍ يَهدِفُ إلى تغييرِ لبنان بكيانِه ونظامِه وهوِّيتِه وصيغتِه وتقاليدِه. وهناك أطرافٌ تَعتمدُ منهجيّةَ هدمِ المؤسّساتِ الدستوريّةِ والماليّةِ والمصرفيّةِ والعسكريّةِ والقضائيّةِ، واحدةً تلو الأخرى. وهناك أطرافٌ تعتمدُ منهجيّةَ إفتعالِ المشاكلَ أيضًا لتَمنعَ الحلولَ، والتسويات. وليدرك الجميع أنّ الحياة الوطنيّة ليست حِصصاً، بل هي تكاملُ قيمٍ ولقاءُ إرادات وربحٌ مشترك. الحياةُ الوطنيّةُ هي الفرحُ بالآخَر لا الإنتصارُ عليه. فليخرج الجميع من متاريسهم السياسيّةِ ويلتقوا إخْوةً، في رحابِ الوطن وشرعيّةِ الدولة وتعدّديّةِ المجتمع. إنَّ معيار إعادةِ النظرِ بالنظامِ هو الحاجةُ إلى مواكبةِ العصرِ والتقدِّم وتحقيقِ الأمنِ الإجتماعيّ، لا العودةُ إلى الوراء وتحقيقُ المكاسب الفئويّةِ والسياسيّةِ والطائفيّةِ  والمذهبيّة والحزبية. إنّ حقوقَ الطوائف وحِصَصَها تتبخّر أمامَ حقوقِ المواطنين في الأمنِ والغذاءِ والتعليمِ والطبابةِ والعملِ والإزدهارِ والسلام. ومن هذه المنطلقات الحضاريّةِ والإنسانيّة والوطنيّة طَرحْنا مشروعَي إعلانِ حيادِ لبنان وانعقادِ المؤتمرِ الدوليِّ الخاصِّ به. فلبنان الحياديُّ هو لبنانُ الإستقرار والسلام. أمّا لبنانُ المنحاز فهو لبنانُ الإضطراب والحربِ. نحن نريد السلامَ لا الحرب. الحياد هو لمصلحة الجميع، وينقذ الجميع. أما المؤتمرُ الدوليُّ، فيزيل النقاط الخلافيّة المتراكمة، وهو خَشبةُ خلاصٍ لأنه سيعطي لبنان عمرًا جديدًا من خلال تثبيتِ كيانِه، وحدودِه الدوليّة، وتجديدِ الشراكةِ الوطنيِّة، وتعزيزِ السيادةِ والإستقلال، وإحياءِ الشرعيّة، وتقويةِ الجيش، وتنفيذ القرارات الدولية، وحلِّ موضوعَيْ النازحين السوريّين واللاجئين الفِلسطينيّين. إنَّ الأممَ المتّحدةَ وأصدقاءَنا العربَ والدوليّين منفتحون على نقاشِ هذا الطرحِ لأنّهم مُهتمّون بمساعدةِ لبنان على بقائهِ دولةً حرّةً ومميّزةً في هذا الشرق. كفّوا عن السلوك الـمُهينِ والمهيْمِن والأنانيِّ والسُلطويّ. كفّوا  عن التضحيّةِ بلبنانَ واللبنانيّين من أجلِ شعوبٍ أخرى وقضايا أخرى ودولٍ أخرى. كفّوا عن الإجتهادات الشخصيّة في التفسيراتِ الدستوريّةِ وعن البِدعِ الميثاقيّة. أفرجوا عن القرارِ اللبنانيِّ والشعبِ. ومن وحي هذا العيد المبارك أقول للجميع: وطننا لبنان وطنُ المحبّةِ لا وطن الأحقاد. وطننا وطن السلامِ لا وطنُ الحروبِ والفتنِ والإغتيالات. وطننا وطنُ الحضارة لا وطنُ الإنحطاط. وطننا وطنُ الإنفتاحِ لا وطنُ الإنعزال، وطننا لبنان هو وطن القديسين  وأجيالنا الطالعة الواعدة، واللبنانيّين الأحرار ذوي الإرادة الصالحة، والقوى الحيّة، وأصحاب الكفاءات، الذين أضاؤوا شعلة الثورة الحضاريّة الرافضة بعناد للدولة المرتهنة، والساعين قدمًا نحو بناء دولة حرّة وقويّة بحقّها وبقوّتها الذاتيّة وبعلاقاتها العربيّة والدوليّة، وبإنفتاحها على الأخوّة الإنسانيّة الشاملة. والكنيسة هي في طليعة السائرين في هذا الطريق الجديد الذي يضيئه نور القيامة.
وفي ما يتعدى أطروحة البطريرك الراعي حول “الحياد”  فإن  الدراسات السياسية الإستراتيجية تشير الى أن “الدولة الحيادية” تكتسب الصفة القانونية حينما يمتنع البلد عن المشاركة في أي من التحالفات الدولية، ويقف على مسافة واحدة من كل الدول المتصارعة سياسياً أو المتحاربة عسكرياً أو حتى المتقاضية أمام المحاكم الدولية، مع ضرورة إعتراف الدول الأخرى بنزاهة وحيادية هذا البلد. وقد أكد القانون الدولي على أن حقوق البلدان الحيادية تتضمن عدم إستخدام أو إحتلال أراضيها من قبل الدول المتصارعة، والأهم الإبقاء على العلاقات الديبلوماسية مع كل الدول سواء كانت محايدة أو منحازة.
مفهوما الحياد والتحييد
ولقد توسّع الباحث الإستراتيجي الدكتور نبيل خليفة في هذا الموضوع حينما تواصلت  “الانباء” بتاريخ 19/8/2020 معه، فاشار الى وجود فارق كبير بين مفهومي “الحياد” و”التحييد”، فحياد الدولة يتم بناء على رغبة شعبها في الوقوف على مسافة واحدة من كل التحالفات والصراعات الدولية أو المحيطة بها ونموذجها دولة سويسرا، بينما تحييد الدولة يتم بناء على رغبة الأسرة الدولية ممثلة بمجلس الأمن الذي يفرض نظام الحياد الدولي الدائم عليها ونموذجها النمسا، ليصبح أمن هذه الدولة من مسؤولية الأمم المتحدة وتصبح خارج الأحلاف العسكرية والتجاذبات الإقليمية والدولية. وليس من السهل تحقيق الحياد في لبنان نظراً لوجود إنقسامات عامودية بين جهات ترغب فيه وجهات ترفضه، ففي لبنان أحزاب وحركات ومنظمات مرتبطة عضوياً وإيديولوجياً وسياسياً ودينياً ومادياً بقوى ودول خارجية، وهي بالتالي لن تقبل بأن يكون لبنان دولة محايدة، ومن الطبيعي أن تواجه بشراسة هذا الطرح، فيبقى الحل الوحيد تحييد لبنان بقرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع بما يمنع كلاً من إسرائيل وسوريا وإيران وأي دولة أخرى لها أطماع معينة من الإعتداء عليه أو العبث بإستقراره الأمني والسياسي، لكن مثل هذا القرار يستوجب تقديم المبررات اللازمة التي تقنع الأسرة الدولية بضرورة إتخاذه، فالشعب النمساوي على سبيل المثال كان منقسماً بين مؤيد لحلف وارسو ومؤيد لحلف شمال الأطلسي، فتدخلت الأسرة الدولية من خلال مجلس الأمن لتحييد النمسا ومنع الصدام بين الحلفين على أراضيها، وهو النموذج الذي ينطبق على لبنان المنقسم بين مؤيد للشرق ومؤيد للغرب، الأمر الذي يبرر وبقوة المطالبة بتحييد هذا البلد «الحاجز» بين إسرائيل وسوريا عن الخلافات والصراعات الإقليمية والدولية. ولبنان مصنف دولياً بالدولة الحاجز (Etat Tampon) بين سوريا وإسرائيل اللتين تعتبران لبنان خطأ جغرافياً وتاريخياً وليس حقيقة جغرافية وتاريخية، لأن قيام دولة لبنان ينقض فكرة «إسرائيل من النيل الى الفرات» وفكرة «سوريا الكبرى» وهو ما يعطي كلا من الدولتين مبررات الهيمنة عليه وإضعافه تمهيداً لإلغائه وضمه اليها سياسياً وعسكرياً وإجتماعياً وثقافياً. ولذلك قال ميشال شيحا: «لبنان بلد يعيش على حدود الخطر الدائم»، فسوريا ترفض أن ترسم معظم حدودها مع لبنان بسبب عدم إعترافها به دولة نهائية سيدة حرة ومستقلة، وإسرائيل تتلاعب بحدوده البرية المرسمة مع فلسطين منذ العام 1923، كما تسعى لفرض حدود بحرية معه بما يسمح لها إستثمار مخزونه البحري من النفط والغاز.
وميزات البلد المحايد أو المحيّد يضيف خليفة أنه صغير جغرافياً وسريع العطب (Vulnérable)، وغالباً ما تكون طبيعته الجغرافية جبلية وشعبه متنوع دينياً ومذهبياً وثقافياً، كما هو حال الدولة اللبنانية، حيث يجتمع فيه أكبر عدد من الأقليات في العالم، الأمر الذي يسهل على الدول المجاورة الطامعة فيه إستغلال سرعته بالعطب وتنوعه الديني والثقافي والإتني بهدف زرع الخلافات بين شعبه على قاعدة فرق تسد، ناهيك عن أن موقع لبنان إستراتيجي، وقد صنفه رئيس وزراء إيطاليا السابق رومانو برودي بـ «مستجمع إستراتيجيات العالم» بمعنى أن كل دولة في العالم شرقية كانت أم غربية تشعر بأن لها مصلحة فيه، ومن هنا إنطلق الصراع السياسي والإيديولوجي فيه. وإنّ نشوء هذه الدول الحاجزة، وفي بعض الأحيان إنشاؤها (بتخطيط بريطاني) كان الهدف منه أمرين:
1- وضع حاجز فاصل بين القوى المتواجهة (أمبراطوريات أو دولاً).
2-  منع الإحتكام المباشر في ما بينها وبالتالي تحقيق الأمن على حدودها.
ومع الزمن، بدأت هذه الدول الحاجزة تثبت أهميّتها الدوليّة من أنّها عامل إستقرار ونموّ في الحياة الدولية وعامل مساعد على تحقيق السلام، وهذا هو معنى التوافق بين حلف الأطلسي وحلف وارسو على تحييد (Neutralisation) دولة النمسا لمنع الإحتكاك بين الإتحاد السوفياتي والغرب. وهكذا تحوّل حياد الدولة – الحاجز من وسيلة إلى حاجة فإلى حلّ مع الإشارة إلى أمرين:
الأول: إن حياد الدولة يتمّ بناءً لرغبة شعبها ونموذجها سويسرا.
الثاني: إن تحييد الدولة يتمّ بناءً لرغبة الأسرة الدوليّة ممثّلةً بمجلس الأمن الدولي الذي يفرض نظام الحياد الدولي الدائم عليها ونموذجها النمسا بعد الحرب العالميّة الثانية، وبهذا المعنى يصبح أمن هذه الدولة من مسؤوليّة الأمم المتحدة وتصبح خارج الأحلاف العسكريّة والتجاذبات الإقليميّة!
ويرى خليفة أنّ لبنان ما بين  “الحياد” و”التحييد” لن يكون هناك إجماع شعبي على طلب حياد لبنان نظراً لوجود جهات وأحزاب وحركات ومنظّمات مرتبطة بقوى ودول خارجيّة إيديولوجيّاً وسياسيّاً ودينيّا ومادياً. وهي لن تقبل بحياد لبنان وستواجه هذا الطرح. ويبقى الأمر الآخر، أي الحل الوحيد للبنان وهو تحييد لبنان الدولي بقرار من الأسرة الدولية وبسعي ودعم من الجامعة العربيّة. ومثل هذا الأمر يقتضي الإقتناع بهذا الحل أولاً، والإلتزام به ثانياً، وبذل مجهودات كبرى لإقناع الأسرة الدوليّة بضرورة إتخاذ مثل هذا القرار الثالث: البحث في ماهية المبرّرات التي يقدّمها لبنان للأسرة الدوليّة لإقناعها بتحييده بإعتبار أن هذا الخيار هو الحلّ الوحيد والنهائي للبنان النهائيّ؟
1- اذا بقي لبنان على ما هو عليه فسيكون فريسةً سهلةً لجيرانه ونقطة تفجير للمنطقة.
2- إن وضعه تحت المظلة الدوليّة هو الضامن الوحيد لإستقراره وإزدهاره وإستمراره خدمةً له وللإنسانيّة جمعاء.
3- إنه بلد جدير وربّما الأكثر جدارة بهذه الضمانة الدوليّة والرعاية الأمميّة باعتباره نقطة الحرب والسلم في الشرق الأدنى.
4- هو البلد الذي قدّم، ولا يزال يقدّم، الإسهامات الكبرى في مسار الحضارات والثقافات والأديان إنطلاقاً من فلسفة الألفباء الفينيقيّة في بيبلوس إذ ليس المهم أن نفخر بأن الألفباء نشأت في بيبلوس، بل في تفسير وتبرير أسباب نشوئها هناك والروحيّة الفنيّة التي قُدّمت بها إلى العالم فصارت القاعدة الأولى التي قامت عليها معظم حضارات الشعوب.
5- كون لبنان يشكل موقعاً مركزياً في المنطقة التي وصفها فريدريتش راتزل بأنها “لمنطقة التي تميّزت بقيم جيو- سياسيّة ثابتة ومستمرّة عبر التاريخ”.
6- كون وطن الأرز ضرورة حضارية للإنسانيّة جمعاء ومكاناً لإلتقاء الأديان وحوار الحضارات والشعوب.. إنّه “البلد-الرسالة”.
وفي الخلاصة، هناك حلّ وحيد ونهائي وموضوعي للإحتفاظ بلبنان النهائي: إنّه حلّ التحييد الدولي الدائم الذي يعصمه من أن يبقى مهدّداً في أمنه وكيانه ومصالحه وشعبه ومصيره. ومثل هذا الحلّ ليس إجتهاداً شخصيّاً أو حزبياً أو طائفياً (مارونياً) أو فئوياً أو وجهة نظر لجهة معيّنة، كائناً من كانت هذه الجهة. وإنّه خلاصة لعلم الجغرافيا السياسية ومعيار تصنيف الدول في العالم وتعيين الحلول المناسبة لها إنطلاقاً من واقعها الجيو-سياسي. لذا، فإن المهمة الأساسية للمسؤولين اللبنانيين، لاسيما الموارنة، كونهم من أقدم دعاة وبناة وحماة الكيانيّة اللبنانيّة، أن يعملوا مع الجميع لتحقيق هذا الهدف الضامن لإستمرار لبنان كما رأوه وعملوا له واستشهدوا من أجله!
مواقف!
ويعتبر زياد الصائغ الخبير في السياسات العامة أن موقف البطريرك الماروني ليس مستجدّاً في تأكيده على موجِب حياد لبنان. إنّها الثوابت الكيانيّة في هذا السياق الوطني المأزوم التي تستعيد وهجها. من هنا ينبثق تصميم وإصرار حاضرة الفاتيكان على تصويب البوصلة. أوَلَم تحمِل دبلوماسيّته الصامتة والفاعِلة هَمّ لبنان الرسالة في أصعب الأوقات؟  وهذا الموقف الصُّلب ليس سوى إحياءٍ لروح قيام لبنان منذ ما قبل إعلانه كبيراً في العام 1920، ويُمكن العودة إلى وثائق كثيرة تُثبت مسار إصرار الآباء المؤسِّسين على رفض العزل والإنعزال إنّما في تأكيد على موجب حماية الكيان اللبنانيّ المفترض قيامه حينها من إصطفافات المحاور من ناحية، كما من الإستقطاب الطائفيّ – المذهبيّ للخارج إلى دوّامة الداخل من ناحيةٍ أُخرى. كان تثبيت لبنان الكبير مقروناً بشرطِ حياده. وما الوثيقة (رقم 19) الصادرة عن الإتحاد اللبناني بمصر مؤرّخة في (1/12/1918)، مذيّلةً بتوقيع شخصيّات رائدة في بلورة فلسفة قيام لبنان وصيغة العيش معاً فيه، سِوى دليلٍ على أنّ ” يحيا لبنان مستقِلاً، قوّته لنفسه وخيره لِبَنيه، سيّداً لا مسوداً، وحرّاً لا عبداً. وليعيش ضمانة جميع الدُول المتمدّنة فيكون صديق الجميع يكفَله الجميع، فلا يدخل في عراكٍ، ولا يكون غرَض العدوان، بل يكون بتلك الضمانة الدوليّة “سويسرا الشرق” تظلّلهُ الراحة ويخيِّم عليه النعيم، فيُرسِل من متن جباله نور الحضارة المدنيّة”.  ومنذ العام 1918، وحتماً قبل ذلك أيضاً كان الحلم اللبناني ببناء دولة نموذجيّة، وهويّة مواطنة حاضنة للتنوّع، كان حلماً واضح المعالِم فكريّاً. العودة إلى ميشال شيحا، وشارل مالك، ويوسف السَّودا، وكمال يوسف الحاج، وغيرهم كثيرون، تُثبت هذا الوضوح في فلسفة الصيغة والميثاق. بشارة الخوري ورياض الصُلح حرّرا الفلسفة من عِقالها “السيستيميّ اليوتوبيّ”، ووضعاها في خيارٍ دولتيّ الإنعتاق من خيار الغيتو رسّخه البطريرك الحويّك. ونهج خيار الأُمّة اللبنانيّة تبنّاه المسلمون في مفاضلة واضحة مع الوِحدة مع سوريا، وكلّ المشاريع الوحدويّة. وإحترم العالم العربي خياراتنا إلى حين أفقد بعضُ من في الداخل الصّيغة والميثاق مناعتهما.  لا إمكان في هذه العُجالة لإسترجاع صدى الموبقات المدمِّرة، والزئبقيّات السياسيّة التي حتَّمت علينا فُقدان المناعة. لكن من المهمّ بمكان فَهم أنّ إتفاق الطائف، أعاد تحديد الحقائق الوطنيّة التي ينتمي إليها الإجماع اللبناني، وفي مقدّمها إنتماؤه إلى ثوابته بدايةً، ومن ثمّ الى الشرعيّتين العربيّة والدوليّة في مظلّة أمنٍ قوميّ يتفادى أن يكون مُنطلقاً للعدوان على أحد، ويردّ العدوان عليه دون مساومة ومواربة. والعالم العربي حضن لبنان. والمجتمع الدولي حضن لبنان. وحاضرة الفاتيكان مع السينودس الخاص من أجل لبنان أطلق شعاراً حمله البابا القديس يوحنا بولس الثاني أنَّ هنا ” عندنا أكثر من وطن بل رسالة”. ثمّة بعض من في لبنان وضع نفسه، وزجَّ اللبنانيّين في عداواتٍ مع أصدقائه التاريخيّين. حاد عن الثوابت والحقائق. حياده عن الثوابت هو الجريمة الكبرى. حياده عن الحقائق التي قام عليها لبنان هو الخطيئة الأكبر. متى يستعيد الحائدون عقلانيّتهم ونقاوة إنتمائهم بهويّتهم؟ والتساؤل أعلاه شديد التعقيد، لكن يحضُرني في إمكان التأسيس للإجابة عنه ما خاطب به الرئيس محمد خاتمي لبنان في مدينة كميل شمعون الرياضيّة، بيروت  بأنها “أرض الحريّة والحوار”.
وفي محاضرة بعنوان ” في سبيل حياد لبناني”، ألقى القيادي والوزير الكتائبي الأسبق أدمون رزق محاضرة نشرتها مجلة “الثقافة العربية” في كانون الثاني/ يناير 1968 فقال فيها :”إنّ لبنان المحايد يفتح آفاق المجد  لشعبه والأمان والبحبوحة ويخدم العرب”.  وطالب بحياد لبناني ” دون تعريف، ولا حصر، ولا تخصيص، ولبنان المحايد، هو الأنفع لعيله، والأبر بإخوانه، ويكون ملتقى لهم وموعداً يأتونه أصفياء ومتصافين، يحفظونه خارج الخلافات والنزاعات ليوم مصالحة وتفاهم لمساع حميدة وجلسات أنس ومودات”. وتحدث شارل مالك وخلال محاضرة في جامعة القديس يوسف (28 ـ 1 ـ 1969) عن حياد الدول فعدد أربعة شروط هي: الإتفاق الداخلي ـ صيانة الدولة للحياد دفاعياً وعسكرياً ـ تاريخية وعراقة تراث الحياد في الدولة المعنية ـ موافقة العالم وبالأخص الجيران المباشرين على حياد الدولة وإحترامهم له. وعلى ما يقول شارل مالك، ” ليس واحد من هذه الأسس الأربعة قائماً في لبنان”. وشهد الموسم الثقافي لعامي 1968- 1969 الذي أقامه “النادي الثقافي العربي”، بعنوان “القوى السياسية في لبنان”، ونشرت “دار الطليعة” نصوص محاضراته عام 1970،نشوب جدال بين حزبي “الكتائب” و”الكتلة الوطنية” فتحدث القيادي الكتائبي آنذاك رشاد سلامة عن الحياد فقال ” لقد أوضحنا مفهومنا للحياد، وأوضحنا أيضاً أن هذا الحياد لا يعني الصلح مع إسرائيل، وأقمنا الشواهد على ذلك من خلال حياد سويسرا بالذات”، ولكن حزب “الكتلة الوطنية” كان له موقف مغاير تماماً إذ قال القيادي رمزي أبي فرج ” الحزب يعلن من هذا المنبر إعلاناً صريحاً ملزماً بأنه لم يكن يوماً من الأيام من المطالبين بالتدويل أو التحييد، فهو يرفضهما رفضاً صريحاً مطلقاً، ويرى في قبولهما إساءة إلى الوضع اللبناني”. هذا النوع من السجالات والجدالات السياسية والمصيرية سيعلو منسوبها بعد إندلاع الحرب اللبنانية في العام 1975، وأكثر من ذلك، سترتفع حدتها كلما إتسعت ميادين الحرب وإستعرت المواجهات بين أطراف النزاع والقتال، وفي هذا السياق، كانت صحيفة “النهار” في عددها الصادر بتاريخ 29ـ 6 ـ 1969، قد نشرت تصريحاً لعميد حزب “الكتلة الوطنية” ريمون إده إعتبر فيه أن الدعوة إلى حياد لبنان هدفها إقامة العلاقات السياسية والتجارية مع إسرائيل وهذا لا يمكن أن نوافق عليه”، وهذا الموقف سيردده لاحقا بيار إده (“النهار” 30 ـ 3 ـ 1971) بقوله :” إن فكرة حياد لبنان تجاه قضايا الدول العربية أمر مرفوض ولا يقبله العقل والمنطق والمصير المشترك بين لبنان والدول العربية”. وفي المؤتمر الكتائبي الخامس عشر، نقلت صحيفة “العمل” الكتائبية (23ـ 9 ـ1972) عن الشيخ بيار الجميل قوله  ” يوم طرحنا فكرة الحياد اللبناني إنما كان بدافع الحرص على تعزيز مركز لبنان في المحافل الدولية لخدمة القضية الفلسطينية”، وأوردت صحيفة “النهار” عنه أيضاً قوله في التاريخ نفسه إن الحياد اللبناني” يكون حياداً خاصاً وليس كأي حياد آخر”. وبتاريخ 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1975، ستخلص دراسة صادرة عن “لجنة البحوث” في جامعة الروح القدس/ الكسليك إلى المطالبة بتحييد لبنان بناءً على نظام خاص تتلازم من خلاله العلاقات اللبنانية مع العالم العربي على غرار سويسرا والنمسا المنتميتين إلى الحضارة الغربية، وفي الثامن من آب/ أغسطس 1976، ذكرت صحيفة “السفير” أن الأباتي شربل قسيس يقوم بجولة أوروبية تشمل الفاتيكان “بهدف تدويل القضية اللبنانية” بحيث تضع الأمم المتحدة “يدها على لبنان”، وفي السابع من نيسان/ أبريل 1977، وجهت “الجبهة اللبنانية” رسالة إلى القادة العرب، حذرت فيها “من التباطؤ والتردد والتمييع” حيال لبنان وإلا ستصبح ” المسألة اللبنانية بحاجة إلى معالجة غير هذه المعالجة”، وحين سُئل الرئيس كميل شمعون عن المقصود من ذلك أجاب ” يصبح من الضروري مراجعة الدول المسؤولة في مجلس الأمن”، وأما  الشيخ بيار الجميل  فأجاب رداً على السؤال نفسه:”نرجو ألا نفقد الأمل بقدرة الجامعة العربية لئلا نضطر إلى اللجوء إلى هيئات دولية أخرى”. وفي العدد الثاني (ربيع 1980) من المجلة  النظرية “الفصول” وكانت تصدر من “دير عوكر” ويشرف على تحريرها جواد بولس وشارل مالك وفؤاد إفرام البستاني وفاضل سعيد عقل وإدوار حنين النائب السابق وأمين عام الجبهة اللبنانية أشارت الى أن الحياد اللبناني الذي ينشده اللبنانيون هو حياد أصيل ومعقد، فهو “حياد عن الشرق والغرب، عن الأبعدين والأقربين، حياد في كل آن وحين، في حالة الحرب ، في حالة السلم، وفي حالة تحضر وتحضير، حياد كامل ناجز، لا ثغرة فيه، ولا شائبة ولا عيب، حياد صادق، مخلص، نزيه، حكيم، محكم، أمين، حياد يكون حياداً وحسب، فلا هو حياد إيجابي، ولا هو حياد عطوف، ولا هو حياد جماعي، حياد يكون بالنسبة الينا حكومةً وشعباً، كنجم القطب به نهتدي وعلى ضوئه نسير”،، والشيخ بيار الجميل، الذي أبدى وحده، دون سائر رفاقه في الجبهة اللبنانية، قبولاً بصيغة السنة 1943، عاد وهدد باللجوء إلى حماية اجنبية، وهي  الحماية الأجنبية بالذات التي إنقض عليها، مع ما إنقض في السنة 1943”.
ولم يتأخر حزب الكتائب اللبنانية عن إعلان موقفه من أطروحة الحياد للبطريرك الراعي في المرحلة الراهنة، فقام وفد من الحزب ضم القيادات الكتائبية من مناطق الكورة، البترون، كسروان الفتوح، جبيل برئاسة الوزير السابق سليم الصايغ بزيارة البطريرك الراعي في الديمان بتاريخ 20 تموز/ يوليو من العام 2020 حيث أيد موقف البطريرك الراعي شارحا ً الموقف التاريخي للكتائب في هذا الإطار، لأن الحياد هو الجسر لمشروع الحرّية في هذا البلد مع أحرار لبنان ومع ثواره وأن الحياد هو الذي يحرّر السلطة والكيان اللبناني مع شعبه من التموضع في سياسة المحاور والإنجرار في مشاكل لا علاقة له بها، كما أن الحياد يحرر الميثاق الوطني اللبناني الذي يعتبر أساس كيان لبنان.
وكان حزب الكتائب اللبنانية قد عقد في العام 1959 مؤتمراً طالب فيه “باعتماد صيغة حياد لبنان، ومنذ عهد الرئيس شهاب لم يمر مؤتمر لحزب الكتائب الا وطالب فيه بالحياد الذي يعد ميثاق لبنان وركيزة وحدته”.
وسأل الصايغ: “من يقدر أن يكون ضد الحياد؟ وما البديل للحياد والميثاق؟ فاجاب قائلاً: إن  حزبنا جاء ليؤكد على ضرورة الميثاق ووحدة لبنان، ولنستمد من سيدنا البطريرك الراعي تثبيت إيماننا بهذا البلد، وأن الحياد هو فكرة دفينة تكشف عن تعلق اللبنانيين بالحرية والكيان اللبناني، وأن الميثاق اللبناني أيضاً يستند إلى عدم الإرتباط بأي محور، وقدمنا كحزب كتائب إقتراح تعديل دستوري لتأكيد المؤكد أن لا شيء يحمي لبنان غير موقف الحياد.
وأضاف الصايغ: “اليوم نسمع بعض الأطراف التي تنكل بموقف الحياد، يتحدثون عن الإستقرار والإزدهار في جنوب لبنان واليوم نسأل أين هذا الإستقرار من الجنوب الى الشمال، هذا الإستقرار المميت الذي يودي الى الإنهيار؟” إن “الميثاق” هو وحدة لبنان والخروج عن الميثاق والحياد هو “الخروج عن الإستقرار”.
وكان الرئيس الأسبق الشيخ أمين الجميل  قد حذّر في وقت سابق خلال مقابلة أجراها معه  موقع  NOW Lebanon الإلكتروني بتاريخ 27/4/2011  من مغبة إنخراط لبنان في أي من محاور “صراع الجبابرة” و”عدم الإنحياز” عقيدة لبنانيـة مُلحّة.. وإلا “رحنا بدعس الخيل” وعبّر حينذاك عن هواجس متفاقمة في ظل هذا “الفراغ المرعب” في لبنان و”الظرف الخطير جداً” “على المستويين المحلي والإقليمي، ودعا إلى تحييد لبنان عن “صراع الجبابرة” على الساحة الشرق أوسطية عبر إعتناقه “عدم الإنحياز”” كعقيدة وطنية تستوجب الإسراع في إإتخاذ إجراءات إنقاذية تُحصّن موقع لبنان وسط نزاعات الأنظمة والمحاور في المنطقة (…) على قاعدة أنّ عقيدة “عدم الإنحياز” تخدم كل “الأطراف والأضاد”، أما إذا ذهبت رياح المنطقة “بما لا تشتهي سفن اللبنانيين فسيكون على كل الناس السلام، وعندها لا “حزب الله” ولا سواه سيكونون محصنين وقادرين على مواجهة هذه الرياح”. وأن المنطقة تمرّ بصورة عامة، ولبنان بصورة خاصة، في ظروف دراماتيكية يستوعب الكثير من المراقبين خطورتها، ولا يزال اللبنانيون آخر من يدرك خطورة كل هذه الأوضاع، سيما في ظل ما نشهده من تطورات إقليمية متفجرة تعصف بالمنطقة العربية وصولاً الى سوريا في الفترة الأخيرة”، واصفًا ” الفراغ” الذي تشهده الساحة اللبنانية بأنه “فراغ مُرعب في الحسّ بالمسؤولية تجاه تسيير الدولة ومؤسساتها، وفي تأمين وسائل التصدي للواقع الذي يعيشه لبنان على المستويين الداخلي والإقليمي، ما يشكل مصدر قلق بالغ على لبنان الذي لم يعد جائزًا إستمرار أوضاعه على ما هي عليه راهنًا”.
ولفت الرئيس أمين الجميل إلى أنه “من غير المعلوم في أي اتجاه سترسو الأوضاع في المنطقة على أثر ما تشهده من ثورات”، ونبّه في الوقت عينه إلى أنّه “سيكون لهذه الثورات تأثير على الواقع اللبناني، نظرًا لكون لبنان ليس جزيرة منعزلة عن محيطها، إنما هو، في خضم ما نراه من تفاعلات وتطورات، ويشكل مختبراً للكثير من الأفكار العقائدية والسياسية ولتجارب معينة لها علاقة بالأنظمة، ما يجعل الساحة اللبنانية غير محصّنة على الإطلاق أمام هذه التطورات”، داعيًا من منطلق هذه المخاوف والهواجس المسؤوليين اللبنانيين إلى “إتخاذ إجراءات إنقاذية سريعة تحصّن موقع لبنان وسط نزاعات الأنظمة والمحاور في المنطقة”. وبات ملحاً جداً إعلان لبنان عدم إنحيازه إلى هذا المحور أو ذاك لكي يبقى بمنأى عن الصراعات التي لا تعنيه والتي هي أكبر منه”. وحذر في المقابل من أنّ “إنخراط لبنان في هذه الصراعات يعني خرابه الذي يجسد أفضل توصيف لما يمكن أن يحصل في ما لو تورط لبنان في أي من محاور “صراع الجبابرة” الذين يتنازعون على الساحة الشرق أوسطية”،
وأضاف الرئيس الجميل في هذا المجال: “سبق لنا أن طرحنا الحياد، وإذا كانت عبارة “حياد” تزعج البعض فلنعتمد على الأقل مبدأ “عدم الانحياز” بحيث تكون هذه المقاربة عقيدة وطنية تخدم كل الأطراف والأضداد بما فيها “حزب الله” ودعا في هذا الإطار “الجميع إلى الإتعاظ مما يحصل وكيف تقلّبت القوى وإنقلبت الموازين منذ عقود عدة، فالساحة اللبنانية خير شاهد على ذلك بحيث صمدت في نهاية المطاف فكرة لبنان والكيان والوطن المنفتح على الجميع”. ويضيف ” نقول هذا الكلام لا من باب “الطوباوية ولا من باب التنظير”، بل من زاوية “الواقعية التي تدفعنا بإتجاه هذه القناعة القائلة بأنّ مصلحة لبنان تكمن في عقيدة عدم الإنحياز، وإذا كانت الظروف الراهنة لا تسمح بإقرار هذه العقيدة إلا أنها ستفرض نفسها علينا وستصبح أمراً واقعاً في لبنان”، وكلامنا هذا يستند على تجارب التاريخ اللبناني الحديث الذي يجب أن يكون الموجّه في هذا الإطار”.
وما تجدر الإشارة إليه الى أن نص مذكرة الشيخ بيار الجميل حول حياد لبنان قد سبق نشرها على صفحات كتاب “العمل” الشهري في العدد الأول من العام 1977. وقد إلتبس الأمر على الدكتور محمد المجذوب فذهب الى أن هذه المذكرة قد وضعتها لجنة البحوث في الكسليك وأن الكتائبيين تبنوا ما جاء فيها ونشروها دون الإشارة الى مصدرها بحسب ما أورد في كتابه “مصير لبنان في مشاريع” صفحة 204 وهو من منشورات دار عويدات الصادر بتاريخ 1978 ضمن سلسلة زدني علماً.
ويستخلص الدكتور نبيل خليفة في الصفحة 78 من كتابه “لبنان والخيار الرابع الحياد أو التحييد الصادر عام 2008 عن مركز بيبلوس/ جبيل للدراسات والأبحاث أن الطروحات التي قدمها حزب الكتائب اللبنانية حول الحياد اللبناني تنطلق كلها من مبدأ المحافظة على مصالح لبنان واللبنانيين من دون أن تهدف الى المساس بإلتزامات لبنان العربية والدولية ذلك أن الخلاف يبقى قائماً حول نوع هذه الإلتزامات ومداها . وطبيعي أن يكون طرح الحياد بذاته شيئاً مثيراً بالنسبة الى بعض اللبنانيين والعرب لإرتباطه بالموقف من إسرائيل “بإنتماء” لبنان العربي.
وبات السجال السياسي المتشعب الذي يدور حول موضوع الحياد يشكل إنسياباً في النقاش المتعدد الوجوه وآراءاً متناقضة من خلال جهات مختلفة تناولت أطروحة الحياد كخيار ممكن أو متعذر. وقد تحدث في هذا السياق  الوزير السابق روجيه ديب في حوار أجراه معه جورج شاهين على صفحات مجلة “الأمن العام” في عددها رقم 83 الصادر في شهر آب/ أغسطس من العام 2020  عن أنواع الحياد والتجارب الشبيهة بالوضع في لبنان، مؤكداً على أهمية ما هو مطروح اليوم من بحث في هذا المجال خدمة للأمن والإستقرار في لبنان. فاشار ديب الى  الظروف التي تعيشها الدول وتدفعها الى طرح  الحياد،  بإعتباره سمة من سمات الدول الموجودة في حالتين: الأولى في ما يسمى دول الممرات المعروفة بـ Pays Corridor وهي دول تقع جغرافيا بين دول قوية كبيرة وهو ما قد يعرضها لمشاكل مشابهة لحال كمبوديا في آسيا وسويسرا في أوروبا. وما شهدته هاتان الدولتان من خضات تسببت بها دول مجاورة دفعت الى هذا التصنيف. والثانية هي الدول الصغيرة التي تقع في جوار دول قوية جداً، وتهددها دائماً، ويهمها أن تتقي شر أطماعها كما هي حال فنلندا في جوار الإتحاد السوفياتي  .الى ذلك، هناك أكثر من صنف من الحياد تظهره بعض التجارب الدولية، وهو الذي تفرضه بالإضافة الى الجغرافيا عوامل طائفية أو ثقافية أو أتنية. أولها الحياد الإستباقي كحال فنلندا بوجودها الى جانب الإتحاد السوفياتي، والتي كادت أن تذهب ضحية الحرب بين جارتيها روسيا والسويد.  والثاني الحياد التعددي وهو ما إعتمدته دول تتكون في تركيبتها من خليط واسع من الطوائف أو الإتنيات والثقافات كحال سويسرا. فيتحول عندها الحياد مطلباً داخلياً وخارجياً أما الثالث فهو الحياد الإتقائي وهو يعتمد عندما تطلب دولة الحياد بطريقة مسبقة حال النمسا التي طلبت الحياد بعد الحرب العالمية الثانية كشرط روسي لرفع إحتلالها عنه وبعد إعلانها دولة حيادية إنسحب الروس من أراضيها وتجنبت مجريات الحرب على أرضها. على عكس ما جرى بالنسبة الى المانيا التي رفضت الحياد بناء على العرض الروسي نفسه في تلك الفترة فجرى تقسيمها بين شرقية وغربية لعقود من الزمن.
وحينما سئل ديب إنطلاقا من تصنيفه للحياد المناسب للبنان، والتجارب الدولية التي يمكن الافادة منها إن توصلنا اليه؟ أجاب: “عندما طرحت الفكرة وكيفية تطبيقها في لبنان في محطة سابقة كنت أعد كتابي تحت عنوان لبنان المستقر، بينما كنت أستعرض ما عاشه لبنان من حالات الإهتزاز وعدم الإستقرار التي يتعرض لها من فترة الى أخرى. ولقد فكرت بعنوانين الأول يقول بمقومات تضمن البلد الذي يجب أن يعمل، والثاني وهو الأهم أنني فكرت بلبنان الذي يجب أن يبقى مستقراً في الحالين، ويبقى أن الأمر مرتبط بإستقرار خارجي وتفاهمات داخلية، فقلت أن لبنان بتعدديته لا يمكن أن يعرف الإستقرار خارج تفاهم أبنائه وإستقرار محيطه.  فلبنان بمكوناته الحالية من المسيحيين والسنة والشيعة بما لهم من إمتدادات خارجية دفعني الى القول أن لبنان ليبقى موحداً ومستقراً  ولضمان مستقبله يحتاج الى التفاهمات الداخلية لتجاوز الترددات الخارجية السلبية لكونه يقع فوق سلسلة من الفوالق الجيو – سياسية الكبيرة، ومنها فالق الصراع العربي – الاسرائيلي، والصراع الأميركي – الإيراني، والصراع السني – الشيعي والصراع ما بين الغرب وروسيا . لذلك فان التفاهم على عدم الإلتحاق بأي منها أمر ضروري وملح لحمايته من أي إهتزاز يشهده أي من هذه الفوالق المتحركة.  وهو حال التفاهم السويسري على الحياد الذي جنبها صراعاً كبيراً كان قائماً حولها بين كل من المانيا وفرنسا وإيطاليا وهو ما تحقق لاحقاً في مؤتمر فيينا عام 1815 الذي ضمنت فيه القوى الاوروبية وحدة الأراضي السويسرية وسلامتها وحيادها. كما أنهى الإحتلالات التي رزح تحتها الشعب السويسري، لكن ذلك لم يكتمل لو لم يقتنع المكون السويسري الألماني بخطر قيام الإمبراطورية الألمانية على شعوره بإنتمائه الى دولته. كل ذلك جرى من دون أن ننسى أن ذلك المؤتمر هو من أطلق فكرة الصليب الأحمر الدولي الذي إرتبط شعاره الحيادي في خدمة الإنسان من حياد سويسرا وإتخذ شعاره من الصليب الذي يتوسط علم الدولة. قياسا بما تقدم، أعتقد أن أي إستقرار منشود للبنان واللبنانيين يمكن أن يبنى على هذه التجربة. وهو أمر لحظه وكرسه ميثاق العيش المشترك العام 1943 عندما تم الإتفاق على موقع لبنان وتوجهاته فقال بنظرية لا شرق ولا غرب. وهو الميثاق الذي وفر الإستقرار للبلد المكون من مسيحيين ومسلمين، إذ لم يكن الصراع السني – الشيعي قد تطور الى ما هو عليه اليوم. الى هذه المعطيات هناك أكثر من توصيف وثائقي يوصف لبنان ويضعه على لائحة دول الممر ولذلك فهو يستحق الحياد.
واعتقد ديب قائلاً: “انها  ليست المرة الأولى التي تطرح فيها بكركي هذه الصيغة، فقد سبق أن أصدرت شرعة العمل السياسي العام 2009 وقالت فيها على السلطة السياسية إعتماد آليات تحول دون تعطيل المؤسسات الدستورية والإبتعاد من سياسة المحاور الإقليمية والدولية وانه لا بد من الشعب بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة والجامعة العربية من السعي الى تحييد لبنان مع تعزيز قدراته الدفاعية. المذكرة الوطنية التي ساهم في وضعها الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي شخصياً قبل أن يكون بطريركا يوم كان راعياً لأبرشية جبيل المارونية عام 2014 قالت بحياد لبنان أيضاً. وجاء في الصفحة الخامسة عشرة منها ما حرفيته أن ” حياد لبنان الإيجابي يترجم التجربة اللبنانية، فهو أنجح الطرق لحماية البلدان التعددية” . وتجزم هذه المذكرة بأن حياد لبنان يرتكز على قوته الدفاعية وإلتزامه قضايا الأسرة العربية لاسيما القضية الفلسطينية. اما لماذا اليوم، فإعتقد ان البحث في موضوع الحياد أو التحييد او النأي بالنفس أيا تكن الفوارق في ما بينها، فإن ما طرح اليوم يبدو ضرورياً لإستعادة  التجرية التي عاشها لبنان منذ أن نال إستقلاله، وما قال به ميثاق 1943 وما جرى مع بداية الحرب في سوريا وتجنب نقلها الى الساحة اللبنانية. وهي عملية تكرست بالتوصل الى إعلان بعبدا، وهو الذي تحول وثيقة تاريخية حفظت في سجلات الأمم المتحدة وجامعة  الدول العربية، وأن التراجع عنه أوصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم. لا بد لي في هذه المناسبة من التذكير بأن إعلان بعبدا أقر وصدر بتوافق لبناني شامل، قبل أن يعلن لاحقاً عن سقوطه من طرف واحد. الى ذلك برزت مجموعة من التفاهمات التي غيرت نوعياً من تركيبة لبنان، وهو تغيير عبرت عنه بعض التفاهمات التي قادت الى تغطية وتبني مشاركة فئات ومجموعات لبنانية في أحداث دول خارجية. وهي التي أنتجت سلسلة من الأزمات لعل أبرزها ما رافق الإستقالة الإجبارية التي أعلنها الرئيس سعد الحريري في خريف 2017 من الرياض والتي لم تنته فصولاً  لو لم يلتزم لبنان الرسمي أمام أطراف دوليين وسطاء ومنها فرنسا، العودة الى مبدأ النأي بالنفس وإحترام مقتضياته. فالجميع يتذكر مضمون البيان الذي صدر في أعقاب التسوية في بداية تشرين الثاني من نهاية العام 2017 وتلي من منصة قصر بعبدا إيذانا بإلتزام ما تعهد به لبنان الرسمي. لما لم يلتزم لبنان ما تعهد به فقد أرجئت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويال ماكرون الى لبنان اكثر من مرة. وهو ما إنعكس أيضا على علاقاتنا العربية والغربية. وإن لم يكن هذا الوضع السبب الوحيد لما يجري اليوم في ظل تفشي الفساد والتلاعب بالمال العام وهدره، فقد تعاظمت المقاطعة الديبلوماسية وبلغت الأزمة الإقتصادية ما بلغته. وتعطلت السياحة وتوقفت المساعدات، وهو ما أدى الى إعادة الحديث عن مبدأ الحياد الذي بات حاجة للأمن والإستقرار بكل وجوهه.
والحياد الإيجابي يؤكد على إلتزام لبنان القضايا العربية والقضية الفلسطينية ويبنى على تعزيز القدرات الدفاعية للبنان، وهو ما جاء في الوثيقتين اللتين صدرتا عن الكنيسة وأشرت اليهما في بداية الحديث. وعلينا أن لا ننسى التشابه القائم بين ما يجري في لبنان وما شهدته بلدان أخرى نالت حيادها. فنحن في لبنان في حاجة الى كل أنواعه، ومنها الحياد الإستباقي كما الحياد الذي تستحقه دول الممرات والدول التعددية. كما إنه جزء من الدفاع الوطني الذي إعتمد في بلدان عدة كما حصل في سويسرا التي حماها حيادها في الحربين العالميتين والتي جنبت النمسا من أن تكون من دول الإتحاد السوفياتي بعد تحررها إثر إعلانها الحياد وبقيت دولة موحدة على عكس ما شهدته ألمانيا من حالة تقسيم الى شطرين لعقود من الزمن. إلا أن الفشل في حماية مبدأ النأي بالنفس لا يحتاج الى إثبات فهو أمر واقع، فلم تستطع الدولة اللبنانية حماية مقتضياته بالرغم من إقرار المبدأ في سلسلة البيانات الوزارية للحكومات منذ العام 2013 قبل إعلان بعبدا ومن بعده. لذلك، فان طلب دعم الأمم المتحدة والفاتيكان ومساندتهما مرده الى أن لا قدرة للدولة اللبنانية على تحقيق ذلك. فلبنان لا يملك اليوم كامل حريته، لذا فإن طلب معونة الأمم المتحدة ودول أخرى باتت خطوة الزامية، بعدما إرتفع  الصوت اليوم لينادي بالحياد وما لقيه من موافقة لدى فئات لبنانية واسعة. الى ذلك، لا بد من الإعتراف بأن الفكرة نالت حقها من التأييد. ولا يمكن التجاهل أنها أدخلت مفهوماً جديداً للحل في لبنان، وباتت في رأيي خياراً ممكناً لجزء كبير من اللبنانيين يقود الى الإستقرار.
واعتبر عضو المجلس الدستوري سابقاً الدكتور أنطوان مسرة أن  صرخة البطريرك الكاردينال بشارة الراعي في 5 تموز / يوليو من العام 2020  في شأن الدعوة الى حياد لبنان نابعة من أعماق تاريخ لبنان، منذ 1860 بشكل خاص، ومواثيق لبنان وميثاق جامعة الدول العربية ومعاناة اللبنانيين المشتركة في الحروب من أجل الآخرين، وهي نابعة أيضاً  من ضرورة إستعادة الشرعية اللبنانية والعربية والدولية.  لذلك يرى مسرة  أن الدعوة الى تحييد لبنان ليست تعبيراً عن معارضة أو موالاة، بقدر ما هو  صرخة من الذين يريدون بعد اليوم التعلم من التاريخ والعدول نهائياً عن آلية التكرار لمغامرين ومقامرين، ما يهدد حياة الوطن وإنتماءه العربي وعلاقاته ورسالته ومستقبل الأجيال. إن الدعوة الى تحييد لبنان ليست مطلباً جديداً، أو مطلباً  مناقضاً  للدستور اللبناني وميثاق جامعة الدول العربية وإلتزامات لبنان الدولية. وفي ظل إنقسام اللبنانيين من حولها فإن تحييده يمكن أن يتحقق من إيمان اللبنانيين أولا بدولة لبنانية واحدة لا بدولتين، وجيش واحد لا جيشين، وإلتزام ما يقول به الدستور في مقدمته: لبنان عربي الهوية والإنتماء.
ولم يتأخر الأمين العام للخارجية اللبنانية فؤاد الترك في وقت من الأوقات في الإنضمام الى أطروحة “تحييد لبنان” عن الصراعات وفصل وضعه عن قضية الشرق الأوسط. كان ذلك قبل دخوله الى المستشفى بثلاثة أيام إثر إصابته بجلطة، إتصل بصحيفة “النهار” وقال إنه في إطار سياسة النأي بالنفس، والكلام المتكرر عن محاولة عدم ربط لبنان بما يجري من حوله منعاً لإنفجار الوضع الداخلي، أعد نصاً مقتضباً يعبّر عن فكرة عمل عليها وتقضي بتحييد لبنان، وانه أعاد نبش ملفاته القديمة وأخرج منها وثيقة عن تعميم أرسلته الخارجية اللبنانية الى جميع بعثاتها الدبلوماسية والقنصلية وطلب من “النهار” نشر النص متى شاءت إدارتها.
وكانت “النهار” قد استمهلت نشره الى حين شفائه ولكن الموت عاجله سريعاً وبقيت وثيقة التعميم محفوظة على صفحات مجلة الدبلوماسية التي تصدر عن منتدى السفراء في لبنان في عددها الرابع عشر(14) الصادر في حزيران من العام 2012 وقد أضفى الترك روح الدعابة التي تفيأت الوثيقة تحت ظلالها حيث بات واضحاً أن لبنان لن يرتاح طالما أن أوضاعه مرتبطة بقضية الشرق الأوسط، وهذه كما هو معروف، لا يبدو أن حلها ممكن قبل أجيال حتى أن الرئيس الراحل شارل حلو وصف حروب المنطقة بأنها  “حروب الآلهة” La Guerre des Dieux .
ويقول: عندما كنت أميناً عاماً لوزارة الخارجية والمغتربين تلقينا من الأمين العام للأمم المتحدة خافير دي كويار، في العام  1987 دعوة رسمية لحضور مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط توليت شخصياً تحضير الجواب الذي وافق عليه رئيس الجمهورية أمين الجميل ورئيس الحكومة رشيد كرامي وبعده الرئيس سليم الحص وكان ذلك إبان ّ القطيعة فيما بينهم، وعممت على بعثاتنا الدبلوماسية والقنصلية كافة. وقد إستندت في وضع الجواب على المعطيين التاليين:
الأول: أن حل قضية لبنان واضحة كعين الشمس ويكون بتنفيذ القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن في العام 1978 والقاضي بإنسحاب إسرائيل الكامل غير المشروط من الأراضي اللبنانية، وبالتالي فإن لبنان يرفض التفاوض على أرضه.
الثاني: أن حل قضية الشرق الأوسط يستند على  القرار 242 الصادر في العام 1967  والذي ينطوي على حالة تفاوضية على أرض، بينما لبنان لا.
ويضيف: عرضت الأمر على رئيس مجلس النواب آنذاك السيد حسين الحسيني الذي كان متجاوباً الى أقصى حدود التجاوب وقال لي: الأمر في غاية الأهمية، وسأدعو اللجان البرلمانية المعنية الى إجتماع لهذه الغاية من أجل توفير الدعم اللازم من السلطة التشريعية لموقف  السلطة التنفيذية. وبالفعل دعا الرئيس الحسيني في شباط 1988 الى جلسة خاصة للجان المذكورة التي صدر عنها البيان الآتي المرفق والداعم لموقف الحكومة اللبنانية: ” إن تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية وإسناد دور له بإعتماده من قبل الأمم المتحدة مقراً للحوار بين الأديان والثقافات والإتنيات هو الذي يعطيه هويته الحقيقية ومعناه، بحيث يشعر كل إنسان، الى أي دين أو مذهب أو معتقد أو لون إنتمى، أنه في بيته يمارس حريته الكيانية على أكمل وجه في السر والعلن وبإحترام متبادل مع الآخر، يشاركه الحياة بخلقية وكرامة وانفتاح وسماح.
وهذا ما يؤمّن للبنان الحماية والحصانة والتعاطف والدعم، ويبعد عنه العنف والإنقسام وغدرات الزمان ويوفر له الإستقرار والسلام والوحدة ضمن التنوع، ويعزز الإلفة والوئام ويقوي الثقة بقدرة الوطن ويدفع إنسانه الى الإبداع والإبتكار”.
وهنا لا بدّ من التوضيح ان لبنان لا يمكن أن يكون حيادياً إزاء ثلاثة: إسرائيل، الإجماع العربي إذا حصل، وبين الحقّ والباطل.
وبما أنّ حياد لبنان مدخل لديمومته ويرسّخ السلام والاستقرار فيه ويدفعه نحو النهوض والتطور والإزدهار وهو مطلب أساسي وضروري رفعه نيافة الكاردينال البطريرك ” مار بشارة بطرس الراعي” الكلّي الطوبى ” لحلّ الأزمة اللبنانية المستفحلة والتي تهدد بزوال هذا الوطن الصغير”، كان  لقاء حول أهمية ” لبنان المحايد ” وبحث في سلبيات عدم إتخاذ ذلك القرار التاريخي بعد مئة عام من ولادة ” لبنان الكبير”عبر تطبيق (ZOOM) بتاريخ 29/12/2020 فجمع اللقاء كل من : ” ،الدكتور “نبيل بو غنطوس” ( ممثل اتحاد خبراء الغرف الأوروبية في بيروت والمستشار  في المحكمة الدولية لتسوية النزاعات) الدكتور” ميشال شماعي” ،الأستاذ “محمد الامين” (مؤسسة لتعارفوا) ،المحامي”ساسين كرم”(محامي بالاستئناف وناشط بمجال حقوق الإنسان ومؤسس وعضو في جمعيات خيرية واجتماعية) ، الأستاذ جورج الريّس ( كاتب ومخرج واستاذ ومحاضر اكاديمي سفير سلام ونوايا حسنة)، المستشار ” شادي أنطونيوس” (رئيس حركة التطويرقيد التأسيس) المنتج السيد “جاد أبو جودة” (Wolf Pack Production) ، السيد “روبير البيطار” (رئيس تحرير موقع أخبار البلد) وكانت ضيفة اللقاء المستشارة السياسية “تاتيانا سكاف” .
وفي البداية افتتح اللقاء الدكتور” نبيل بو غنطوس” بكلمة جاء فيها:”الحياد في لبنان لم يعد خياراً، بل بات واجبا ملحّاً، للحفاظ على ديمومة البلد، وذلك بالرغم من معارضة اطراف داخلية  ترتبط بالخارج، وبالرغم من معارضة اطراف خارجية ترى في لبنان ساحة خلفية لها وامتداد لنفوذها، وتابع بأن الحياد باب إلى نأي إيجابي للنفس عن كل صراعات المنطقة، رغم التهويل والاتهامات بالانعزال والعمالة مشددا” على أن الحياد يحفظ موقع لبنان ودوره، على عتبة شرق اوسط جديد، ونظام عالمي جديد، مؤكدا” بأن الحياد وحده يؤمن لكل اللبنانيين العدالة والمساواة، في الحقوق والواجبات وتابع “بو غنطوس” عن أهمية الاستقرار السياسي الذي يؤمنه الحياد،والذي يوصل الى الازدهار الاقتصادي وعن أهمية العودة الى لعب دور بناء في المنطقة، وصلة وصل، بين الشرق والغرب فالحياد يطلق عجلة تنموية في كافة المناطق وكافة القطاعات الاقتصادية، كونه يوفر للمستثمر مناخ ثقة وعامل تشجيع.
وتحدّث الدكتور”ميشال شمّاعي” عن الأبعاد الخمسة لنظام الحياد، فجاء في البعد الأول “خارطة طريق نظام الحياد”، وفي البعد الثاني ” أسباب الحياد، وفي البعد الثالث” المكاسب الكيانية لنظام الحياد”، وفي البعد الرابع ” دور لبنان المحايد “، وفي البعد الخامس “نهضة وصون لبنان المحايد”… وأكد الدكتور” شماعي” بأن سلسلة العظات التي أطلقها البطريرك” الراعي” مطالبا”  بحياد لبنان ذلك  لأن الحياد يُشكل المخرج الوحيد للأزمة التي تتخبط بها البلاد، كما وأنه يحمي وحدتها الداخلية، خاتما” كلمته عن ثبات بكركي التاريخي بمواقفها التي لا تتبدل وهي صخرة لبنان وهذه المواقف ليست بغريبة عنها.
وسألت ضيفة اللقاء المستشارة السياسية تاتيانا سكاف عن نوع الحياد الذي نريده؟ هل هو حياد مع تعديلات دستورية؟ مع لامركزية؟ مع فدرالية؟ مشددة على أهمية نوع الحياد الذي نطالب به، وأتت “سكاف” على ذكر فكرة السفير “فؤاد الترك” رحمه الله والذي طالب بأن يكون لبنان مركزاً لحوار الثقافات والأديان في العالم الذي يفرض حياد لبنان ،وشددت على أهمية خارطة طريق وآلية تنفيذ من أجل مشروع دولة حيادية، وعلى ضرورة القيام بحملات توعية شعبية عن الحياد ليتحوّل طلب الحياد إلى مطلبٍ وطني وشعبي وليس مجرد فكرة. هذا العمل يحتاج إلى جهدٍ واستراتيجية وأن يكون هناك بالتوازي استراتيجية إقتصادية، سياسية، إجتماعية ثقافية كاملة متكاملة من أجل أن يشكل الموضوع مشروع إنقاذ للبلد وليس من أجل تطبيق الحياد فقط. وطالبت “سكاف” بالتواصل مع المجموعات الثورية من أجل استطلاع رأيها بالموضوع وهذا الأمر يتطلب ايضا” جلسات توعية ونقاشاتٍ وحوارات وختمت بطلب استطلاع موقف المجتمع الدولي والأمم المتحدة من حياد لبنان وعن كيفية تطبيقه فيما خصّ القانون الدولي ووضع لبنان الخاص ومن ناحية الدول المجاورة والصراعات العربية.
أمّا المحامي “ساسين كرم” فاعتبر أن الاستقرار السياسي مدخل أساسي للاستقرار الاقتصادي والأمني والتربوي والاستشفائي والسياحي وكل القطاعات الإنتاجية الأخرى وأيّ خلل بالاستقرار السياسي سيسبب اهتزازا” لباقي القطاعات متطرقا” إلى المفهوم الأكاديمي للدولة المبنية على الأرض والشعب والسيادة وهذه العناصر الثلاث معرّضة تاريخيا” للاهتزاز في لبنان بسبب عدم حياده، فالأرض في لبنان عرّضة لاطماعٍ خارجية وشعبنا لا ينتمي إلى فكر وثقافة واحدة والسيادة منتقصة بسبب اللجوء الدائم إلى الخارج من أجل الاستقواء الداخلي، وشدد كرم  على أن عدم الحيادية يؤدي إلى تآكل وانهيار مؤسسات الدولة مما أدّى إلى انهيار الواقع الاجتماعي والمعيشي في لبنان وزوال الطبقة الوسطى وارتفاع معدّل الفقر  وأكثر من 75% من الشعب اللبناني خسر مدخراته وما بقى معه لا يستطيع سحبه من المصارف ونحن اليوم بمرحلة السقوط المريع وما عاد هناك من مقومات صمود الا صلابة اللبناني وتعلقه بارضه ومعتقداته، والاغتراب وما يمثله من دعم حقيقي للبنان وختم كلمته مستشهداً بكتاب “نظام التفاهة” لعالم الاجتماع الكندي “الان دونو”  مؤكداً بأننا نعيش اليوم في ظلّ سلطة من المسؤولين التافهين الذين يحترفون هذا النوع من الأنظمة.
وعن الحياد قال الأستاذ محمد الامين:”الحياد هو في امتلاك العقار والقرار ومن أهم قواعد السيادة هو امتلاك الدولة لقرار السلم والحرب وشدد على أن سلاح الميليشيات منقصة للدولة وسيادتها، كما انه لا يمكن الجمع بين الحوار وقمع الأصوات”، مؤكّداً على “أنّ لبنان مركز لحوار الاديان والثقافات ولكنّ الأمر يتنافى مع حملة الاتهامات والدعاوى الممنهجة على القامات  الحوارية وأهل الرأي والفكر  في لبنان”.
وشدّد السيد ” جاد أبو جودة” على أن الحياد مدخل أساسي للاستقرار الفاعل في لبنان من أجل نهوض قطاعاته من جديد وخاصةً القطاع الفني الذي يتعرض لضغوطات كبيرة بسبب عدم توفر مقومات الصمود والاستمرارية وصعوبة تأمين السيولة بالدولار من أجل تسديد الالتزامات للعاملين في هذا القطاع أو للمعدات والتقنيات اللازمة وما زاد من تعقيد الأمور جائحة كوفيد 19 التي عطّلت الأعمال وزادت من مأساة القطاع الإنتاجي بالإضافة إلى المصارف التي ابتلعت مدخرات الناس وتسببت بانهيارات كبيرة للمؤسسات العاملة في القطاع الفني مما انعكس سلباً على القطاع السياحي الذي يرتبط عملياً بالقطاعات الفنية وختم  “أبو جودة”  كلمته بأنّ “لبنان المحايد” أمر ضروري ومفصلي ويجب اتخاذ قرار الحياد قبل فوات الأوان.
وتطرّق السيد “روبير البيطار” الى قوة الكنيسة اللبنانية، السياسية والروحية وانتشارها وامتدادها في جميع أنحاء العالم وعلاقاتها المتينة بمراكز القرار العالمية، ورغم ذلك لم تستطع بعد أن تقوم بتحييد لبنان عن الصراعات في المنطقة  مشددا” على ضرورة دعمها داخليا” وعدم الاكتفاء فقط باللقاءات والمحاضرات مطالبا” بوضع خطة عمل قابله للتنفيذ ومشروع يبدأ من توحيد المعايير والمفاهيم، كما وأكد على أهمية دور الوسائل الاعلامية  “على أنّ كل شخص اليوم بات وسيلة اعلامية بحد ذاته على وسائل التواصل الاجتماعي، وله تأثيره على محيطه و متابعيه من خلال أدائه وطريقة نشره لثقافة الحياد وختم بضرورة الأخذ بعين الاعتبار الإنسان اللبناني وكيفية العمل على بقائه وتأمين مقومات صموده  من خلال الجمعيات والمنظمات الدولية ليستطيع البقاء في لبنان اذ لا معنى لحياد لبنان بدون اللبنانيين.
وأكد المستشار شادي انطونيوس بدوره على أن حركة التطوير تعمل على بناء الفرد وتطويره من أجل تطوير المجتمع وبناء مؤسسات الدولة من جديد، كما وطالب ” أنطونيوس” بحياد لبنان مع الحفاظ على صداقاته وعلاقاته الدولية دون أن يتدخل احد في شؤونه رافضاً بأن يكون لبنان مستعمرة أو تحت الوصاية مستغربا” لماذا يماطل البعض من المقربين من بكركي وسيدّها بموضوع الحياد الذي رفع شعاره نيافة البطريرك ” الراعي” مطالبا” بالضغط على المعنيين للتحرك داعياً جميع الأفرقاء من أجل التكاتف لتحقيق ذلك لأمر إذ أن “لبنان المحايد” يشكّل الورقة الأخيرة لإنقاذ لبنان.
وتحدث الأستاذ “جورج الريّس” الذي عتبر أن الحياد هو مدخل للسلام الذي يحتاجه الشعب اللبناني من أجل إعادة إنتاج دولة مواطنة  قوية وقادرة وعادلة ومن أجل إعادة النهوض بالمؤسسات الرسمية والخاصة لا سيما المؤسسات التربوية منها. وفي ختام اللقاء اتفق الجميع على توسيع مروحة اللقاءات لتعميم فكر ” لبنان المحايد”  وضرورة تنظيم لقاء كبير وداعم لصرخة البطريرك ” الراعي”  وتكوين ملفٍ متكاملٍ عن أهمية حياد لبنان والدفع قدما” من أجل اتخاذ هذا القرار التاريخي لديمومة لبنان الوطن وعودته إلى مصاف الدول المتقدمة”.
وتطرّق البيان الختامي لسينودس أساقفة الكنيسة المارونية الذي انعقد في بكركي بتاريخ 19 حزيران 2021  الى الشأن الوطني معلناً تأييد الآباء موقف أبيهم البطريرك مار بشاره بطرس الراعي في تحرّكه الوطني الهادف إلى إنقاذ لبنان بعد تعثّر التوافق السياسي وإنسداد الأفق أمام إيجاد مخرج للأزمات المتراكمة والإنهيار الحاصل، وذلك عبر الدعوة إلى إعلان حياد لبنان تحييدًا ناشطًا، قناعةً منهم بأن حياد لبنان هو ضمان وحدته وتموضعه التاريخي في هذه المرحلة المليئة بالمتغيرات الجغرافية وضمانة دوره في إستقرار المنطقة لاسيما أن الحياد يتماشى مع الدستور والميثاق الوطني ويؤمن الإستقرار والإزدهار، وإلى عقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة لأنها هي المخوّلة بحكم تأسيسها وقوانينها، الدفاع عن الشعوب المظلومة والمغلوب على أمرها، وتطبيق القرارات الدولية المتخذة والتي لم تُطبق حتى الآن وهم يرافقون صاحب الغبطة بصلواتهم فيما يحمل القضيّة اللبنانيّة إلى المراجع الدوليّة والكنسيّة العليا. ويتقدم الآباء بعاطفة الشكر والإمتنان إلى قداسة البابا فرنسيس الذي يحمل همّ لبنان والحفاظ على هوّيته على الدعوة التي وجّهها إلى رؤساء الكنائس في لبنان إلى لقاء يعقد في الفاتيكان في الأول من تموز/ يوليو من العام 2021 تحت عنوان: « لقاء تفكير وصلاة من أجل لبنان ». كل ذلك لأنه يحرص، كما حرص أسلافه في الكرسي الرسوليّ، على أن يبقى لبنان بلداً لرسالة ونموذجاً في الحرية والديمقراطية والعيش المشترك المسيحي الإسلامي في إحترام التعددية، وأن يستعيد دوره السياسي والثقافي والإجتماعي والإقتصادي بعد أن يكون أبناؤه قد توافقوا وبنوا بيتهم المشترك في دولة مدنية ديمقراطية حديثة، دولة الحقّ والمواطنة.
وتكمن المشكلة برأي الوزير السابق ​ملحم الرياشي​، في وجود لبنان على مفترق صراع إقليمي ودولي، وأن الحياد الذي أعلن عنه ​البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي​ يشكل “القبة الحديدية” التي يمكن تحتها حل كل شيء. ولا يمكن أيضاً حماية لبنان إلا بـ”الحياد البطريركي”، لأنه مشروع يشكل مدخلاً للمصالحة الوطنية الشاملة الحقيقية التي لا يمكن أن تتم إلا من خلال قضية تحاكي الواقع، وهذا الحياد قادر على إعادة النهوض بإقتصاد لبنان. و”الحياد هو إنحياز إلى الحق بإبعاد لبنان عن الصراعات والإرتباطات ولا حل آخر غير الحياد لأن كل الدول تخلت عن لبنان، والحكومة لم تتمكن من إجتراح الحلول والبنية التحتية للدولة عقيمة. و”البطريرك الراعي مستمر في فكرة الحياد الذي لا يلغي بأن تكون طرفاً في الصراع العربي – الإسرائيلي”، موضحاً أن “الفاتيكان خائف جداً على لبنان ونحن نعيش تهديداً يومياً بلقمة عيشنا”.
وعاود الرياشي التأكيد على محورية “الحياد” في مقال له على موقع Post.Com 180 الإلكتروني بتاريخ 1 نيسان/ ابريل 2020 ، أن عبر الحياد اللبناني يبرز دور لبنان الطليعي الجامع في المشرق ليكون واحة التنوع والإلتقاء لكل حضارات الشرق وجامعة ثقافية حقيقية تقدم للشعوب نموذجاً إذا ما أحتذي به، يمنع تكرار “باتاكلان” وسواها وعبره تثمر بذور ثورة شباب وشابات لبنان، وتعطي لشكلها معنىً لسبب؛ فلا تقتصر على صرخة جوع.. ومن ثمّ تزول. ولو يطول التعداد، نكتفي لنخوّل هذه السطور أن تتحول فاتحةً لحوار جدي بين اللبنانيين على مشروع إنقاذي حقيقي وواقعي خارج السياقات المتكررة والمدمرة، سواء على حساب طائفة دون أخرى أو من أجل قضايا أثبتت تجارب التاريخ أن حق القوة يتفوق فيها وعليها، ولكن في كل الحالات، على حساب وطن.. ومن له أذنان…
وهذا ما دفع انطوان مسرة الى معاودة إعتبار تحييد لبنان هو نتاج لثمرة معاناة لأننا إعتدنا طيلة قرون على حمل قضايا غيرنا فالحقنا الضرر بقضيتنا وبقضايا الغير!  كل سجال حول هذا التحييد، خارج جذوره التاريخية وشرعيته اللبنانية والعربية والدولية، هو هروب وإبتزاز وتبعية. فقضية لبنان هي الاهم ولا تعلو عليها اية قضية اخرى. الهدف الاسمى لتحييد لبنان هو تحقيق رسالة لبنان في العيش معاً، والذي هو أكثر من بلد حسب قول البابا يوحنا  بولس الثاني، وتوفير النموذج للعلاقات المسيحية والإسلامية. وهو تجسيد لإعلان الأزهر حول المواطنية والعيش معا(2017 )، وإعلان دبي حول الأخوة الإنسانية (2019). ويخلص مسرّة الى وجوب إقتناع اللبنانيين في النهاية بأهمية الحياد لأن هذا العرض غير  قابل للمزايدة في الوطنية بعدما إختبر اللبنانيون والعرب الكلفة المأساوية لكل المزايدات لكنه قابل للنقاش والنقد والإعتراض والتطوير، لكن من منطلق تاريخي ودستوري وإختباري وإنساني، وليس من منطلق عقائدي أو إيديولوجي  فكل خلاف حول مضمون التحييد اللبناني هو مصطنع. المطلوب العودة الى الجذور، بدعم عربي ودولي ووطنية لبنانية مستعادة.
وقد سبق للوزير الكتائبي الأسبق سجعان قزي أن تناول موضوع “الحياد” وقال بصدد هذا الخيار: “إنّ تبنّي البطريرك الراعي مشروع الحياد الناشط هو لإحياء مفهوم ” لبنان الكبير” وفلسفة نشوء هذا الكيان. فالكنيسة المارونية أرادت لبنان مستقلّاً لا دولة قوميّة مسيحيّة ولا جزءاً من سوريا”. ويعتبر قزي “أنّ موقف البطريرك الراعي يهدف إلى تثبيت كيان لبنان لمئة سنة جديدة” وقد أطلق في عظاته مفهوم “الحياد الناشط” وصار، بالإضافة إلى المؤتمر الدولي الخاص بلبنان، ركيزة الديبلوماسية البطريركية اليوم في المحافل اللبنانية والعربية والدولية والأممية. أما في ما يتعلق بالحياد العسكريّ فيوضح القزي أن هذا الخيار ايضاً لا يعني عدم الدفاع عن أراضينا.
وحول كيفيّة تطبيق حياد لبنان بعد نشوء الكيان الإسرائيليّ عام 1948؟ يجيب قزّي: “بإستثناء نشوء دولة إسرائيل، جميع التحوّلات التي حصلت في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط تعزّز المطالبة بتطبيق حياد لبنان. أمّا حيال إسرائيل، فلبنان ملتزم ما بقي من القضيّة الفلسطينيّة، لكنّه يحافظ على الحياد العسكري بإنتظار السلام مع إسرائيل. وحتّى السلام مع إسرائيل لا يمكن أن يتمَّ قبل حلّ القضايا العالقة معها، وأبرزها: الإعتراف بحدودنا الدولية إنطلاقاً من خطّ الهدنة، الإتفاق حول ثروات النفط والغاز، إيجاد حلٍّ للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وإلتزام إسرائيل عدم الإعتداء على دولة لبنان والإعتراف بحياده. إنّ السلام اللبناني مع إسرائيل لا يرتبط بالسلام العربي معها، خصوصاً أنّ العرب صالحوها، بل بالقضايا الثنائيّة العالقة”. و”إنّ الحياد العسكري لا يعني الإمتناع عن الدفاع عن أراضينا في حال تعرّضها لإعتداء، لذلك يجب أن يكون قرار الحرب والسلم محصوراً في يد الدولة اللبنانية فحسب”.
الحبر الأعظم
وليس من الغرابة بمكان أن ينقل الكاردينال الراعي مبادرته حول “الحياد” الى الحبر الأعظم البابا فرنسيس، حيث يرى عدد من المراقبين والمتابعين أنها خطوة معاصرة لجزء من تراث ماروني تاريخي سلط الأضواء عليه فؤاد إفرام البستاني في مقدمة كتاب “لحد خاطر” عن “علاقة لبنان بالفاتيكان” إذ شرعت الأبواب لأقدم علاقة جسدتها الرسالة العريقة التي أرسلها رهبان بيت مارون أو دير مارون على العاصي الى البابا هراميداس سنة 517 م فأصبح للحبر الأعظم قصّاد موفدون ونواب رسوليون وفي العهد الصليبي خاصة. فانتظمت هذه العلاقات وتوطدت أهدافها وأينعت ثمارها عصراً فعصراً، من عهد القصّاد العاديين أو المألوفين، الى إستقرار السفراء السياسيين أو الديبلوماسيين البادىء عهدهم فور إستحكام إستقلال لبنان في طوره الحديث.
ويلي ذكر ” لحد خاطر” لهؤلاء الموفدين البطاركة الشرقيين اللبنانيين، وتفصيل علاقتهم بالسدة البابوية، من بطاركة الموارنة المؤسس كرسيهم في أوائل القرن الثامن على أن علاقتهم بالبابا سابقة لهذا العهد كما هو معروف من رسالة رهبان  بيت مارون ومن ثم الى بطاركة الروم الكاثوليك وأول من توشح منهم بدرع التثبيت من البابا هو البطريرك كيرلس طاناس في أوائل القرن الثامن عشر الى بطاركة السريان الكاثوليك وأولهم مخائيل جروه في اواخر القرن الثامن عشر، الى بطاركة الأرمن الكاثوليك وأولهم إبراهيم أرزيفيان في أوائل القرن نفسه ويشير خاطر أيضاً الى علاقات البابا بالأرثوذكس ممهداً لرغبات الإتحاد ومع المسلمين منذ عهود بعض الخلفاء فالسلطنة العثمانية والدروز على عهد المعنيين والشهابيين ولا سيما على عهد الأمراء فخرالدين ويوسف وبشير.
ويوضح الوزير الأسبق سجعان قزي في حديث تلفزيوني أن “لقاء الفاتيكان في الأول من تموز/ يوليو 2021 سيكون لبطريرك الأرمن الأرثوذكس ​أرام الأول كيشيشيان تقريراً سيتناول فيه الوضع الإجتماعي والسياسي في لبنان، ونتيجة كل هذه المشاورات يستخلص البابا النقاط الأساسية، والفاتيكان مقتنع انه مهما كان الحل في لبنان، فالحياد ركيزة الحل النهائي للقضية اللبنانية، كما سيأخذ اللقاء أبعاداً عدة منها تعاطي الفاتيكان بحل القضية اللبنانية وعدم الإكتفاء بالإهتمام بها فقط. وتلمّس طروحات لبنانية للحل، وفي مطلعها الحياد وتنفيذ القرارات الدولية ولقاء دولي حول الوضع اللبناني. ودور الكنيسة اللبنانية في لبنان وما تقوم به في هذه الظروف، ودور المسيحيين اللبنانيين في إعادة بناء الدولة والشراكة”، ولن يصدر عن اللقاء قرارات وتوصيات، لأن الفاتيكان يعمل بصمت دون إعلان، ولأنه لا يعمل فقط مع الدول التي تريد ان تجد الحل في حين أن المجتمع الدولي يؤيّدُ حِيادَ لبنان، فهو المشروعُ الوحيدُ الذي يُعيدُ لبنانَ إلى خريطةِ العالم، ويَدفعُ العالمَ إلى التطلّعِ إليه والإهتمامِ به. وإذا كان المجتمعُ الدوليُّ يتريّثُ في السيرِ قُدُمًا، فمن أجلِ إعطاءِ اللبنانيّين الوقتَ ليُكوّنوا أكثريّةً واضحةً تُطالب به. من هنا يَستلزم تحقيقُ حيادِ لبنان نضالًا ذا ثلاثةِ مُنطَلقات: فكريٌّ وسياسيٌّ وديبلوماسيّ. ومن أجل ذلك، لا بُدَّ من تسويقِ مشروعِ الحياد بشكلٍ عَمليٍّ لا إعلاميٍّ فقط”.
وتقتضي الموضوعية الإشارة الى أن حاضرة الفاتيكان لديها إلمام دقيق وعميق بكل التناقضات وأسباب التوتر الكامن في الصراع العربيي- الإسرائيلي، لذلك يرى جورج إميل عيراني في مؤلفه ” البابوية والشرق الأوسط” الصادر عن دار ملفات في طبعته الأولى في شهر أيار/ مايو من العام 1997 أن الإهتمام الذي حظي به لبنان نادر المثال في تاريخ ديبلوماسية الفاتيكان المعاصرة. إذ أن زوال لبنان من الوجود يسقط مقولة المسكونية والحوار بين الأديان. ولقد إحتل ملف “الحياد” في بعده الدولي مكان الصدارة في يوم “التأمل والصلاة من أجل لبنان” الذي أقيم في حاضرة الفاتيكان في الأول من تموز/ يوليو من العام 2021 وتلازم مع صرخة الحبر الأعظم البابا فرنسيس ” كَفَى اسْتِخْدامُ لبنانَ والشَّرْقِ الأوْسَط لِمَصالِحَ وَمَكاسِبَ خارجِيَّة! ويَجِبُ إعْطاءُ اللبنانِيِّينَ الفُرْصَةَ لِيَكُونوا بُناةَ مُسْتَقْبَلٍ أفْضَل، علَى أرْضِهِم وَبِدونِ تَدَخُّلاتٍ لا تَجُوز”، لا سيما أن الخطاب الإيديولوجي المزمن الذي تمتاز به نظرة الفاتيكان تجاه لبنان تشكل دافعاً للعودة الى الذاكرة التاريخية من خلال ما ورد في سياق خطاب الحبر الأعظم أمام مكونات المسيحية في الشرق بالرغم من حضور ومشاركة من لا رابطة تاريخية تشدهم الى الكرسي الرسولي في روما حيث قال: ” لَقَدْ تَمَيَّزْتُم علَى مَرِّ القُرُون، حَتَى في أَصْعَبِ اللحَظات، بِرُوحِ المُبادَراتِ والاجْتِهاد. أَرْزُكُم العالي، رَمْزُ بَلَدِكُم، يُذَكِّرُ بِغَنَى وازْدِهارِ تارِيخِكُم الفَريد. أَرْزُكُم يُذَكِّرُ أيْضًا أنَّ الأغْصانَ العاليَّة تَنْطَلِقُ مِنْ جُذُورٍ عَميقَة” إذ ثبتت الكنيسة المارونية وحدها من بين البيع الشرقية في طاعة روما، فكافأها البابا أوجينيوس، وإعترف ببطريركها بطريركاً على الكرسي الأنطاكي. فخشي المماليك من تنامي سلطة هذه البطريركية، وخرّبوا مركزها في ميفوق، فإنتقل البطريرك إلى دير سيدة قنوبين في جبة بشري. وتقوّت الكنيسة المارونية بعناية روما، وإستعاد بطاركتها بفضل هذه العناية سلطتهم الأولى، ونجحوا في تحجيم سلطة المقدّمين. وفي العام 1515، وهي السنة الأخيرة من حكم المماليك لبلاد الشام، كتب البابا لاوون العاشر إلى البطريرك الماروني الحدثي ممتدحاً: “نشكر القدر الإلهي الذي شاء، بحلمه العظيم، أن يبقي عبيده المؤمنين، من بين الكنائس الشرقية، مصيبين في وسط الكفر والبدع كالوردة بين الأشواك”. ومن ثم يستدرك البابا فرنسيس بقوله في سياق كلمته ” نَحْنُ المَسِيحيِّين مَدْعُوونَ لأن نَكون زارِعِي سَلامٍ وَصانِعي أُخُوَّة، وأَلَّا نَعِيشَ علَى أحقادِ الماضي والتَحَسُّر، وأَلَّا نَهْرُبَ مِنْ مَسؤُولياتِ الحاضِر، وأَنْ نُنَمِيَ نَظْرَةَ رَجاءٍ في المُسْتَقْبَل. نَحْنُ نُؤْمِنُ أنَّ اللهَ يَدُلُنا علَى طريقٍ واحدٍ فَقَط في مَسيرَتِنا: هُوَ طَريقُ السَّلام. لِهَذا نُؤَكِدُ لإخْوَتِنا وأَخَواتِنا المُسْلِمينَ وَمِنَ الدِياناتِ الأُخْرَى، الانْفِتاحَ والاسْتِعْدادَ لِلتَعاوِنِ لِبِناءِ الأُخُوَّةِ وَتَعْزِيزِ السَّلام. السَّلام “لَيْسَ فِيهِ غالِبونَ وَمَغْلُوبون، بَلْ أخْوَةٌ وأَخَوات، يَسِيرونَ مِنَ الصِّراعِ إلى الوَحْدَة، رَغْمَ سُوءِ التَفاهُمِ وَجِراحِ الماضي، فإستلهموا ” مِثالُ الذينَ عَرِفُوا أنْ يَبْنُوا أَسُسًا مُشْتَرَكَة، لأَنَّهُم رأَوا، في التَنَّوِعِ لا عَقَبات، بَلْ فُرَصًا لِلبِناء. تَأَصَّلُوا في أَحلامِ أَجدادِكُم، أَحلامِ السَّلام. ابْحَثُوا في جُذورِ تاريخِكُم عَنِ الرَّجاء، لِتُزْهِروا وَتَزْدَهِرُوا مِنْ جَدِيد”.
ولم يتردد البطريرك الراعي حيث اوضح أنّ “موضوع حزب الله كان موجوداً في المداخلات التي شهدتها الثلاث جلسات المغلقة ومن هنا إنبثق توجه الباب فرنسيس الى أعضاء المُجْتَمَعِ الدَوْليّ ليشير الى أنه بالجهد المُشْتَرَك، وَفِّرُوا لِلْبَلَدِ الظُروفَ المُناسِبَة حتَى لا يَغْرَق، بَلْ يَنْطَلِقُ في حَياةٍ جَدِيدة. سَيَكُونُ ذَلِكَ خَيْرًا لِلجَميع”.
وفي هذا السياق، فإن أحاديث البطريرك الراعي ستدور حول ضرورة تأمين حياد لبنان الناشط، وطلب مؤازرة الفاتيكان في عقد مؤتمر دولي من أجل إنقاذ لبنان والتمسّك بالدستور اللبناني ورفض تغييره تحت قوّة السلاح، أو نتيجة نزوات سياسية وسلطوية لأحد. وكذلك فإن مواقفه باتت حازمة بضرورة صون الدولة اللبنانية وحفظ الكيان في مئويته الثانية، ومنع زواله وتدعيم أسس الدولة وعدم السماح للدويلة بالسيطرة عليه، وعدم القبول بأي سلاح على الأراضي اللبنانية غير سلاح الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية وهي القاعدة التي تستند عليها الحركة الدبلوماسية الأجنبية والعربية على المستويين الدولي والإقليمي وتجلت بالإهتمام والحراك الذي تشهده المنطقة في المرحلة الراهنة من مسارها التاريخي.
وعاود الدكتور مسرّة الى الإشارة الى أن تحييد لبنان هو إستعادة، بعد طول اختبار ومعاناة مشتركة، لإعلان بعبدا. وأمام كيفية خيار الحياد أن يخدم لبنان والقضايا العربية والفلسطينية بنوع خاص يجيب مسرة “لبنان كبير في دوره ورسالته الداخلية والعربية والدولية في العيش المشترك، ولكنه صغير في لعبة الأمم، ويتوجب علينا العودة الى ما عبر عنه غسان تويني في صرخته في الأمم المتحدة: “اتركوا شعبي يعيش”. فما نريده اليوم ليس الأمان فقط ووقف الحروب من أجل الآخرين، بل لقمة العيش اليومية وحماية المصارف ومال المودعين من خلال إستعادة الدولة صفتها التأسيسية، وإنسجاما مع مقدمة الدستور: لبنان عربي الهوية والإنتماء. ولا نتحدث عن الحياد الا لضمان أمن لبنان وإستقراره ومناعته وقوته، لسبب وجيه وهو أن خرق تحييد لبنان أضّر لأسباب إقليمية وداخلية منذ 1969أشد الضرر بالقضية الفلسطينية وبالنظام السوري بالذات الذي إنعكس عليه الضرر في تحوله الى ساحة صراعات متعددة الجنسيات، روسية وأميركية وإيرانية وتركية..وفي مواجهة إيديولوجيات ترفض حياد لبنان، من مثقفين بعيدين من الواقع، يتوجب التشجيع على القول أن الدعوة الى تحييد لبنان متحقق. أما شرط القوة الدفاعية فالكل يعلم حال الجيش اللبناني المحاصر والممنوع من إمتلاك السلاح الكافي، وهو يفرض التمسك بالمقاومة كحل إحتياطي وحيد متاح للدفاع عن لبنان وهو ما يعارضه دعاة الحياد. فعلاقة لبنان بالجوار محصورة بوجود جارين أخ شقيق هي سوريا وكيان عدو مغتصب هو إسرائيل، ولا تتساوى العلاقة بين العدو والصديق. ويندرج تحييد لبنان في المسار التاريخي الطبيعي وللدولة اللبنانية منذ الميثاق الوطني سنة1943 ، شرط ان تتمتع الدولة اللبنانية بالصفات الأساسية المسماة:إحتكار القوة المنظمة، إقامة العلاقات الديبلوماسية، وفرض الضرائب وجبايتها، وبناء السياسات العامة. ووجد مسرّة  الظروف التي قادت الى الدعوة الى الحياد فأشار الى تحول لبنان منذ 1969 ومن خلال إتفاقية القاهرة، وفي الحروب المتعددة الجنسية في 1975- 1990وفي خروقات إتفاقية الهدنة سنة 1949 ، وفي إطار إستراتيجيات خارج الميثاق العربي للدفاع المشترك، ومن خلال الجيش السوري في لبنان في السنوات 2005/ 1990 ومن خلال محور سوري – إيراني إقليمي مناقض لما ورد في مقدمة الدستور اللبناني: تحوّل لبنان من وطن عربي الهوية والانتماء الى ساحة صراعات إقليمية، لذلك كله سيبقى أبرز نموذج تاريخي تطبيقي في تحييد لبنان هو في عهد الرئيس فؤاد شهاب ولقائه مع الرئيس عبد الناصر في خيمة على الحدود اللبنانية  السورية في 25 / 3/ 1959 ، لا في لبنان ولا في سوريا، في أوج الوحدة المصرية – السورية. وما يمكن أن نستخلصه من كل هذا العرض أن إقناع اللبنانيين بأهمية الحياد غير قابل للمزايدة في الوطنية بعدما إختبر اللبنانيون والعرب الكلفة المأساوية لكل المزايدات لكنه قابل للنقاش والنقد والإعتراض والتطوير، لكن من منطلق تاريخي ودستوري وإختباري وإنساني، وليس من منطلق عقائدي أو إيديولوجي. فكل خلاف حول مضمون التحييد اللبناني هو مصطنع. المطلوب العودة الى الجذور، بدعم عربي ودولي ووطنية لبنانية مستعادة.
ويقول الدكتور صبحي المحمصاني “إن الحياد وعدم الإنحياز هما عنوان لموقف لبنان منذ فجر إستقلاله في الميدانين الدولي والعربي ويحدد أربعة أسس ترتكز عليها معالم الحياد اللبناني: التمسك بالعهود الدولية العامة والإقليمية العربية لا سيما ميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية عدم الإنحياز الى أي من المعسكرين العربي والغربي وعدم الدخول في أي حلف من الأحلاف.
كما يرى الدكتور جورج حكيم وزير الخارجية اللبنانية الأسبق أن هناك ضرورتين تفرضان على السلطة اللبنانية إعتماد “الحياد” ضرورة دولية لأن الدول الصغرى إذا دخلت جانب من دون آخر تصبح معرضة للأخطار والخلافات والتحالفات والتكتلات أكبر منا، وضرورة داخلية لأن الوضع الداخلي والديمقراطي يفرضان علينا هذا “الحياد” ويقول الدكتور جورج ديب بصدد الحياد: ” إنه حياد عملي واقعي وهو أشبه ما يقال في السياسة نفض اليد وعدم حرق الاصابع بين الخصومات والمشاكل الدولية وأن لبنان البلد الصغير كما يؤكد الرئيس شارل حلو “لا يمكنه بحكم موقعه وتركيبه أن يتحمل إرتداد الصدمات عليه للخلافات التي تقسم البلدان العربية ضد بعضها البعض او تقسم دول العالم بشكل عام كما لا يمكن لا سراً ولا جهاراً المشاركة في هذه الخلافات من أن يعرض نفسه هو بالذات الى التمزق والإنحلال”.
ولم يتأخّر المحامي روجيه إده في الإنضمام الى قافلة دعاة  “الحياد” والعاملين له وبات ينشط من أجله ويدافع عن أطروحته ويبررها جغرافياً وتاريخياً وسياسياً ودولياً. ويسعى الى إقناع القوى الدولية والإقليمية والداخلية بالقبول بها وإعتمادها كحل وحيد ومناسب للقضية اللبنانية، إذ يؤمن إيماناً راسخاً بأن موضوع حياد لبنان لم يعد مجرد إمكانات أو دعوة تطلق في هذه المناسبة أو تلك، أو إعتباره حلاً مثالياً بعد أن تلاقي الحلول الأخرى الفشل الذريع،  لذلك فقد وجد الدافع والمحفز لإنشائه “حركة لبنان المحايد” التي تحمل في طياتها معاني عدة منها الإيمان الراسخ بصحة مبدأ الحياد اللبناني وأهميته وتأمين الفاعلية الضرورية لترسيخ هذا الإيمان لدى أكبر قدر ممكن من المعنيين بالوضع اللبناني في الداخل والخارج والوصول عبر الإيمان والفاعلية الى تحقيق حياد لبنان وعبر القناعة اللبنانية والتوافق الدولي، ومن أجل ذلك صب أنشطته منذ زمن بعيد وبالتحديد من العام 1982 بإتجاه الأوساط العربية والدولية من خلال إتصالاته الشخصية بالقيادات السياسية سواء أكان داخل الإدارة الأميركية وفي مجلس الشيوخ الأميركي أو داخل الحكومة الفرنسية. وفي خط مقابل يكتب مقالاته  في كثير من الصحف الغربية الكبرى واللبنانية والعربية محللاً المشكلة اللبنانية وداعياً الى تحقيق حياد لبنان على الطريقة النمساوية، حياد يخرج لبنان من الصراع العربي – الإسرائيلي  من دون أن يفقد لبنان هويته العربي وإنتمائه الى العالم الحر.
وأشار ايلي مصبونجي في ملف حول الحياد نشر على موقع Triloguenews.com توأم “المركزية” في فرنسا الى أنه قد تم ذكر حياد لبنان وإستحضاره ألف مرة منذ إعلان دولة لبنان الكبير، التي إحتفلنا للتو بالذكرى المئوية لإعلانه في حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ويمكن للمحادثات اللبنانية – الإسرائيلية حول ترسيم الحدود البحرية والبرية للبلدين – التي بدأت عام 2020 وأعلنها رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري ويقودها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والحكومة وفق الدستور اللبناني، أن تشكل خطوة كبيرة نحو تحقيق حياد البلاد. في الواقع، بمجرد الإعتراف المتبادل بالحدود، سيؤدي الى تخطي حالة الحرب ودور المقاومة اللبنانية وسيتم إضفاء الشرعية الكاملة على الحياد اللبناني، ليصار بعدها الى ايجاد الصيغة المناسبة فقط، والمستوحاة من النماذج النمساوية والسويسرية.
وبالفعل في عام 1982، وفي ظل الإحتلال الإسرائيلي الذي كان جيشه يحاصر بيروت الغربية، تم وضع صيغة للحياد برعاية واشنطن لوضع حد للحرب الأهلية اللبنانية التي قاومها آلاف الفلسطينيين المدججين بالسلاح، بعد أن هجروا معسكراتهم في ضواحي العاصمة، فشعرت الصحافة الدولية والرأي العام بالقلق من محاصرة الجيش الإسرائيلي لعاصمة عربية.  وكانت سابقة، دفعت الولايات المتحدة والدول الأخرى الصديقة للبنان إلى البحث عن صيغة حياد تضع حداً للإشتباكات مع منظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها وتسمح بإخلاء الفلسطينيين، وهو ما تم أخيرًا  كما هو معروف، تحت حماية “قوات المارينز”. وفي ذلك الوقت، تحاور المبعوث الأميركي للشرق الأوسط فيليب حبيب ومبعوثًا آخر موريس دريبر، على الفور مع شخصيات لبنانية بشأن صيغة تسمح للبنان بإستعادة إستقراره والحفاظ عليه في ظل إضطرابات الشرق الأوسط . وفي  العام 1982 ايضاً  دعت فرنسا ومصر في بيان مشترك إلى حياد لبنان.  ومرة أخرى وبالنسبة الى روجيه إده، الذي يرأس حاليًا حزب “السلام اللبناني”، يصرّ على أن  الحياد النمساوي هو الأنسب للبنان لأن هذه الصيغة تتيح له حرية الإختيار في مسائل السياسة الخارجية والتحالفات. وخلال عام 1982، لعب إده دور المحاور اللبناني الرئيسي للمبعوثين الأميركيين وإلتقى المستشار النمساوي برونو كرايسكي في ذلك الوقت لدراسة صيغة الحياد التي إعتمدتها فيينا بشكل أفضل وعلى صعيد العلاقة مع إسرائيل ، يذكّر إده بأن الحدود اللبنانية الإسرائيلية – التي يفضل البعض تسميتها “خط التماس” – تم تحديدها والإعتراف بها من خلال إتفاقية الهدنة التي وقعها ممثلو الدولتين وصادقت عليهما الأمم المتحدة عام 1949. ومنذ ذلك الحين، يضيف إده، هذا الحياد العسكري الذي كرسته حالة الهدنة هو الذي ألهم جميع قرارات مجلس الأمن حتى عام 2006 ، ولا سيما قرار مجلس الأمن القرار 1701 وبالطبع القرارات 425،520 و 1959. وفي هذه المرحلة الحالية  لا تزال إسرائيل هي التي تحث على وضع مشروع الحياد على بساط البحث وخطورة الوضع في البلاد. وتقدم حجة أخرى لأولئك الذين يعتقدون أن “الحياد اللبناني” وحده هو الذي ينقذ البلد ويوصله الى بر الأمان، والمطلوب تنفيذه بعد تحقيق اللامركزية الملائمة. وإلا  سيتم تهميش لبنان، في وقت تحاول فيه دول الخليج أن تحقق مع إسرائيل ما عجز لبنان عن تحقيقه. على الأقل هذا ما يقولونه ويجعلون الآخرين يقولونه”. ولا تزال أطروحة “الحياد” تسجل حضورها بقوة في النقاشات والحوارات الإيديولوجية في المجتمع السياسي اللبناني، والمتتبع الحصيف للمشهد السجالي، سيلاحظ الإرتفاع المتصاعد لمؤثرات تزايد الإستثمار النزاعي لهذه الأطروحة التي كانت قبل بلوغ عصر “الممانعة” مثار رصد وتحليل ونقد ونقض بحيث لم يتردد الدكتور محمد المجذوب في كتابه “مصير  لبنان في مشاريع”  الصادر عن دار عويدات للنشر والطباعة  بتاريخ 1/1/ 1987 من وصف أطروحة “الحياد” أنها محاطة ببلاغة كلامية وبأسلوب عاطفي منمق غامض يعالج معظم “أركان الحياد” وأنصاره، فكرة “الحياد” بالرغم من أنها ليست بالجديدة، وهي تطرح علينا اليوم لإعتقاد أنصارها أن الظروف الراهنة تسمح بتحقيقها.
ويشير الدكتور مجذوب الى أن “فكرة الحياد” في السياسة والفكر اللبنانيين، يعود تاريخها الى الأيام الأولى للإستقلال وقد أثيرت آنذاك بمناسبة البحث في تحديد معالم السياسة الخارجية. وتحمس لها زعماء الإستقلال لسببين: دولي وعربي. ففرنسا، التي رضيت مُكرهة بمنح الإستقلال للبنان، أرادت تقييده بمعاهدة تحفظ لها بعض الإمتيازات دون بقية الدول. ورفض لبنان ذلك، وأصرّ على عدم التمييز بين فرنسا وغيرها من الدول التي كان لها دور في نيل الإستقلال. أما المبرر العربي لإتباع سياسة “الحياد” في لبنان فيتلخص في تجنب الصراع الذي كان قائماً بين المعسكرين: الهاشمي (الأردن والعراق) والسعودي (السعودية المدعومة حينذاك بنظام الملك فاروق)، والسباق لم يكن عقائدياً، بل تسابقاً وتهافتاً على الزعامة والسيطرة. ولهذا فضّل لبنان إلتزام الحياد إزاء المعسكرين، والقيام بدور حمامة السلام، والإستفادة من خيرات العرب. وعادت هذه السياسة بالفوائد الجمة على الطبقة الحاكمة في لبنان فجعلتها شعاراً للدولة. فالحياد اللبناني إذن برأي الدكتور مجذوب ليس حياداً إيديولوجياً، بمعنى أنه حكم على سياسة ما، أنها خير وأخرى أنها شر. وليس حياداً طموحاً، بمعنى أنه مساهمة في حل مشاكل العالم عن طريق السياسة الحيادية، كما هو الأمر بالنسبة للهند مثلاً. وهو ليس حياداً قانونياً كالنمسا وسويسرا، ولكنه حياد عملي واقعي، هو أشبه ما يكون بسياسة نفض اليد وعدم حرق الأصابع بنار الخصومات والمشاكل الدولية . فالعمل أي عمل ، مجازفة. والرأي أي رأي، يسبب مشاكل ومتاعب. والحكمة كل الحكمة في حركة باطنها سكون وكلمة باطنها التنصل. غير أن هذه السياسة التي كان لها ما يبررها في السنوات الأولى لعهد الإستقلال لم تعد صالحة للإستمرار، ولم تعد قادرة على مواكبة الأحداث المستجدة وإرضاء الطموح اللبناني، ولا سيما بعد بروز عاملين: قيام إسرائيل التي أصبحت تهدد، بأطماعها التوسعية، لبنان وبقية دول المنطقة، ثم تغيرت طبيعة الخلافات العربية التي أصبحت خلافات حول العقائد والمبادىء والإتجاهات السياسية والإجتماعية. وكان من المفروض أن تقلع الطبقة الحاكمة عن خطة الحياد السابقة، ولكنها لم تفعل، لأسباب تتعلق بمصالحها ومكاسبها المادية. بل إنها في منتصف الخميسنيات، حاولت خداع الرأي العام اللبناني والعربي وتمويه حقيقة إنحيازها الى الغرب الإمبريالي، فإدعت أن الحياد اللبناني ليس سوى إمتداد طبيعي للميثاق الوطني الذي يدعو الى تخلي لبنان عن الإرتباط العضوي بالشرق والغرب على حد سواء. وهذا الإدعاء الذي يرمي الى ربط سياسة الحياد اللبناني بالميثاق الوطني ذكرنا به ” زميلنا الدكتور جورج ديب بقصة عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، التي إنتهت بخلع الإمام علي وحده، لأن الحياد، كما أرادوه وطبقوه، أدى الى التخلي عن العرب فقط والإنحياز الى الغرب، وحافظ على الفكرة اللبنانية القديمة القائلة بان لا حماية للبنان بغير الضمانات الأجنبية”. وإرتبطت فكرة الحياد اللبناني بالأوضاع والمتغيرات السياسية في المنطقة العربية، فواكبت بخفر وحياء كل حدث مهم، حتى إذا ما هدأ أو زال، إعتلت المنابر تقنع الناس بفضائلها. ويضع المنادون بها دائماً نصب أعينهم وأعين مواطينهم المثل السويسري، ويطالبون بالإقتداء به، مع أن التشبه بسويسرا، في هذا المضمار لا يجوز وذلك لأسباب عدة:
إن حياد سويسرا كان نتيجة أوضاع أوروبية وحصيلة ملابسات سياسية خاصة لم يعرفها لبنان. وحياد سويسرا لم يحمها من الغزو النابليوني. ولا علاقة لحيادها بتعفف هتلر عن إجتياحها. وحيادها سلبي إنعزالي سلبي إنكماشي يهدف الى التنصل من كل قضية دولية، ولو كانت إنسانية، والى تجاهل كل خلاف دولي، ولو كان فيه هلاك العالم، والى تجنب المشاركة في أي مجهود بناء، ولو كان الغرض منه توفير الرفاهية للناس وتأمين المزيد من السلام والوئام في الكون. هذا النوع من الحياد المقيت يتعارض مع ما يتمناه أنصار الحياد في لبنان من إنفتاح على العالم لنشر رسالته “الحضارية”. وحياد سويسرا يراه الدكتور محمد مجذوب مادي نفعي أناني، غرضه الرئيسي إجتذاب الرساميل الأجنبية لتوظيفها في خدمة الإمبريالية العالمية وصناعة الأسلحة الفتاكة. ثم أن سويسرا ليست مهددة بخطر صهيوني جاثم على الحدود يترقب الفرص للإنقضاض عليها. ومع أنها ليست مهددة بأي خطر في الوقت الحاضر، فهي تحرص دوماً على أن يكون لديها جيش نظامي قوي. ولعل ذلك يتنافى مع إدعاء البعض من أنصار الحياد بأن قوة لبنان في ضعفه، وبأن الصدقات الدولية قادرة على حمايته من كل إعتداء.
ويتساءل الدكتور مجذوب عن حجج المنادين بالحياد اللبناني؟ فيجد أن بالإمكان تلخيصها، ويشير الى أن المطالبة بالحياد ليتمكن لبنان من تأدية دوره الإقليمي ورسالته الكونية، فأول ما يفترض فيه أن يكون أميناً نحو نفسه، غير متنكر لشخصيته، أو مساوم عليها، أو متهرب منها، أو مزيف لها، أو خجول بها. وإعتبار مبدأ الحياد مبدأ يفرضه الواقع اللبناني ومبدأ كياننا يرسخ قواعد الكيان. والإعتقاد بأن حرص لبنان على الحرية والديمقراطية، والوضع الداخلي فيه يفرضان عليه الحياد. الإيمان بأن في الحياد خير مخرج للبلاد من أزماتها السياسية والإجتماعية والروحية والمناداة به ليكون للبنان علاقات طيبة مع جميع الدول. ويتساءل الدكتور مجذوب وفي نفس السياق، هل بإمكان لبنان أن يصبح دولة محايدة، أو ما هي شروط الحياد؟ وبالتبسيط نقول أن الحياد يتطلب، بشكل عام، أربعة شروط أساسية: الأول هو موافقة جميع رعايا الدولة أو غالبيتهم الساحقة على مبدأ الحياد. والثاني هو موافقة الدول المجاورة على الحياد. ومن الصعب أن نتصور قبول سوريا، التي تخوض “صراعا قومياً مصيرياً” مع إسرائيل بنظام حيادي في لبنان من شأنه أن يعزله عن قضايا الأمة العربية. أما إسرائيل فلن توافق على حياده لأن هذا الحياد سيقف عائقاَ في وجه أطماعها التوسعية. والثالث هو قدرة الدولة المحايدة على حماية حيادها بنفسها. والرابع أن يكون الحياد في مصلحة الوطن وملائماً لحاجاته.
ويعتقد البعض أن للحياد اللبناني ميزتين أساسيتين:تجنيب لبنان شر إسرائيل وبالتالي تخفيف عبء الإستعداد العسكري عن كاهله، ثم تأمين أسباب الإزدهار له. ولكن الحياد الذي يستدعي المزيد من القوة العسكرية يزيد أعباء لبنان ولا يخففها. وأما الإزدهار المنتظر فلن يكون من نصيب لبنان الحيادي. فالرساميل التي تتدفق على لبنان عربية في معظمها، وهي ستتوقف أو تقل عندما يشعر أصحابها بإبتعاد لبنان عن مسيرة العروبة”.
واستمرّ الدكتور محمد مجذوب بطرح تساؤلاته، إذا كان المنادون بالحياد يدركون (على الأقل في أعماقهم) صعوبة الوصول الى هذا النظام ، فلماذا يصرون من وقت الى آخر، على طرحه والدفاع عنه؟ أو ما هي الأغراض والدوافع الحقيقية الكامنة وراء دعوتهم؟ فيرى أن الأغراض كلها تنطلق من مصدر واحد، هو النزعة الإنعزالية القديمة المتجددة. وغالبية أصحاب النزعة أناس متحجرون يعيشون، فكراً ووجداناً، في عصر غير عصرنا. وهم يريدون عزل لبنان عن محيطه العربي، ومنعه بالتالي من التفاعل مع الحركة القومية العربية والإسهام الجدي في حل القضية الفلسطينية . وهم يسعون كذلك الى عزله عن قضايا الدول النامية والتيارات والتحركات الإنسانية في العالم، والحيلولة دون إسهامه في الإنتفاضات التحررية التي يحفل بها العالم، ودون تكتله مع الفئات الخيّرة في مختلف الأقطار لتكوين قوة ضاغطة أو رادعة تقف في وجه العابثين بمستقبل البشرية.
وعندما اتسعت الحملة المنادية بالحياد، طرح على رجال الفكر السؤالان التاليان:هل يؤدّي حياد لبنان الى إنسحابه من جامعة الدول العربية؟ وهل يقود الى الإعتراف بإسرائيل والتعامل معها؟ فانبرى الدكتور منوال يونس ليكون أشدّهم صدقاً وذكاء، عندما طالب الدولة اللبنانية بأن تتبنى حياداً إقليمياً، قانونياً، علنياً، متكافئاً، إزاء جميع الدول العربية فقط، دون أن يؤدّي ذلك الى إنسحابها من الجامعة.
ويبقى للدكتور مجذوب إبداء بعض الملاحظات الأولى منها أن الحياد اللبناني الذي ينشده البعض ليس غاية لخير الوطن، بل وسيلة لتحقيق حلم إنعزالي. وبما أن الداعين له يريدون بلوغه بأي شكل أو ثمن، فقد أهملوا في معرض شرحهم لمحاسنه، كل حديث عن مضمونه وأسسه وتطبيقه ونتائجه. والملاحظة الثانية هي أن معظم اللبنانيين يطمحون (وإن كانت سياسة حكوماتهم تخيب آمالهم في كثير من الأحيان) الى أن يتبع بلدهم سياسة حيادية إزاء المعسكرات والأحلاف، وإزاء الخصومات والعنعنات الشخصية التي تندلع، من حين الى آخر، بين الحكام العرب، وإلتزام الحياد هنا هو الحكمة بعينها. والملاحظة الثالثة هي أن حياد لبنان إزاء إسرائيل مستحيل. بل هو قومياً وضميرياً، خيانة. وساق المجذوب فقرة من أفكار هنري أبو خاطر في الصفحة 65 من كتابه “فلسطين والخطر المصيري” من منشورات عويدات في بيروت حيث أشار صراحة الى أن بعض الفئات في لبنان تنزع الى المطالبة بحياده سلماً وحرباً بضمانات توفرها الدول ويستقر معها البلد واحة طمأنينة في بقعة مضطربة من الشرق، علّه يباعد بين الخطر الصهيوني وبين نفسه. إن لبنان لا ينقذ لبنان في عرفنا ، على المدى الطويل من خطر التوسع الصهيوني على أرضه ومياهه، بل يفتح ثغرة في الجبهة الأمامية بمواجهة إسرائيل، تفك معها هذه الأخيرة قيود الحصار لتنفذ، خطوة خطوة، الى سوريا والأردن والعراق وما إليها والى وادي النيل، تصطنع الدويلات العرقية والدينية تبريراً لوجودها وتحقيقاً لنهم في السيطرة على مرافق الحياة في بقعة رحبة تمتد من النيل الى الفرات، وما وراءه. والملاحظة الرابعة والأخيرة هي أن نجاح مشروع الحياد في لبنان (الذي ينطوي حتماً على حياد تجاه إسرائيل والدول الإمبريالية المناصرة) قد يغري الأنظمة العربية الأخرى بالإقتداء بلبنان (حباً بالتقليد، أو رغبة في التملص من كل مسؤولية قومية) فماذا سيحل بالقضية الفلسطينية أن عُممّم الحياد؟ وكيف ستصبح علاقات العرب بالولايات المتحدة، الحامية لإسرائيل والضامنة لعنصريتها وأطماعها؟ لقد إنحازوا اليها دون حياد، فإلتزمت هي الحياد تجاههم، وإنغمست في الإنحياز لإسرائيل. لقد أعطوها شيكاً على بياض فأعطتهم شيكات بلا رصيد، فماذا ستعطيهم إذا إختاروا فعلاً نظام الحياد؟
ردود حزب الله
ولم يتأخر حزب الله وحلفاؤه عن إيجاد الأجوبة التي تستند على التطويق العملي للحراك الذي أطلقه البطريرك الراعي لتحييد لبنان عن المحاور، والذي جاء في وقت تمكّن فيه حلفاء إيران من الإستيلاء على المناصب الرئيسية بالدولة، بما في ذلك الرئاسات الثلاث، مما وضع لبنان في مرمى حملة الضغوط الأميركية القصوى على طهران لا يمكن للحزب أن يواجهها إلا بموقف “الممانعة” التي تستند على نظريّة نشأت أساساً من خلال كتابات سجالية يمكن تلخيصها في مقاربات “الرباعيّ” إدوارد سعيد، جوزيف سماحة،عزمي بشارة وسهيل القش(أستاذ مشارك في الفلسفة بجامعة لافال ــ كندا، وباحث زائر بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة وأستاذ سابق في الجامعة اللبنانية)، الذي وضع كتابه “في البدء كانت الممانعة- مقدمة في تأريخ الفكر السياسي العربي” (دار الحداثة، 1980)، وهو عمل ضمَّنه مجموعة من المحاضرات ألقاها بين عامي 1978 و1979 وكان أوّل من سوّق للمفهوم في كتابه المذكور حيث إستجلب مصطلحي “الممانعة” و”المغالبة” من مقدّمة إبن خلدون، وخلاصته أن “الممانعة الخلدونية” هي ما تبديه العصبية للحؤول دون زوال خشونتها أي دون تحلّلها وتلاشيها من جراء إفتتانها بشهوات المُلك وليونة الحَضَر. وعلى هذا المنوال جعل الممانعة الحديثة على أنّه ما يبديه إقليمنا الحضاريّ من ممانعة أمام كلّ إفتتان بالتحديث والإستعمار المتمازجين، بل حاول تقديم المؤرّخ عبد الرحمن الجبرتي في أيّام الحملة الفرنسية على مصر بوصفه الأب الروحي للممانعة.
ولفتت مصادر متابعة الى أن “الحملة المنظمة عبر مواقع التواصل الإجتماعي (مجموعات تابعة لحزب الله) ضد مواقف الراعي تحت عنوان “راعي العملاء” متهمة إياه بترويج حياد لبنان عن الصراع العربي-الإسرائيلي”. يرافقها طرح أسئلة في كيفية تعاطي بكركي مع المعطيات الجديدة القائمة في المرحلة الراهنة ؟ وهل سيتمكّن البطريرك الراعي بالرغم من كل الحملات من صون طرحه، والمضي فيه قدماً حتى يؤتي ثماره مع إستعداده الدائم لتسويق طرحه دولياً من بوابة حاضرة الفاتيكان؟ وأمام خاصية الإصرار التي تمتاز بها مسيرة البطريرك الراعي، ألم يحذر حزب الله في وقت من الأوقات من مخاطر زيارة البطريرك الراعي التي جرت للقدس بين 24 و25 أيار/ مايو 2014 في إطار زيارة الحبر الأعظم البابا فرانسيس للأراضي المقدسة. وقال رئيس المجلس السياسي لحزب الله في حينه ، إبراهيم أمين السيد، إن الوفد وضع الراعي في أجواء التداعيات السلبية لهذه الزيارة في حال قيامها ، في حين أكد الراعي ن جانبه وجود إعتبارات دينية تخص المسيحيين والقدس، بعيداً عن التداعيات السياسية. وعدت الزيارة للقدس الأولى من نوعها منذ قيام دولة إسرائيل في عام 1948، إذ أن لبنان يعيش “حالة حرب” مع إسرائيل تمنعه من إقامة أي علاقات دبلوماسية معه. وكان إعلان الراعي نيته زيارة القدس قد لاقى الكثير من الإنتقادات والهجوم، إذ تم تصنيف هذه الزيارة في “خانة التطبيع”. ترى كيف سيتم وصف أطروحة “الحياد” في المرحلة الراهنة؟
ومن البداهة أن يعتبر حزب الله طرح فكرة حياد لبنان في المرحلة الراهنة طرحاً عبثياً، أو طرحاً غير واقعي لأسباب كثيرة. أول هذه الأسباب أن هناك فئات أساسية من مكونات الشعب اللبناني منغمسة في أنواع  مختلفة من الإنغماسات في الصراعات الإقليمية والدولية. فحزب الله يرى جهاد فاضل في موقع إيلاف الإلكتروني بتاريخ  13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006 وعلى سبيل المثال لا يخفي إرتباطه الأيديولوجي الوثيق بولاية الفقيه، ومقرها إيران، ولا يخفي إنحيازه الصريح إلي المحور السوري/ الإيراني. ولاشك في أن طرح فكرة حياد لبنان عليه الآن ستُقابل بالسخرية والرفض، وستُعتبر من قبيل الخيانة، إن لم تكن هي الخيانة بعينها. وبالإضافة إلى حزب الله، هناك أحزاب دنيوية أو سياسية كثيرة ترفض فكرة حياد لبنان شكلاً ومضموناً، وترمي من يدعو إليها بأقسى التهم. فهل حياد لبنان ممكناً؟ وهذا ما لا يمكن تصوره لا نظرياً ولا عملياً. فلبنان الساحة، أو لبنان المشرع الأبواب والحدود، أو لبنان كمنصة لإطلاق الصواريخ، أو لبنان المختبر والمخابرات، هو لبنان الذي إعتاد الجميع تقريباً على التعامل معه. أما لبنان المحايد، على نمط سويسرا في أوروبا، لبنان الواحة والثقافة والندوات والخدمات والمستشفيات والجامعات ومراكز الأبحاث ودور النشر، والعقلانية والحرية المحروسة والديمقراطية وسائر هذه الأسماء الفضلى، فهو لبنان ممنوع من الصرف وممنوع من التداول وممنوع منعاً باتاً. وحلال للآخرين أن يتعاملوا معه كدار حرب وساحة مثلى للإنتصارات المستحيلة، في حين ينعمون هم بالراحة وبالخطاب الإعلامي أو الكلامي لا أكثر ولا أقل. وهذه المقاربة لموقف حزب الله من أطروحة الحياد اللبناني تجد جذورها في مرتكزات السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية وبالتحديد بالإستناد الى الإطار النظري لتكل السياسة التي أوضح نقاطها الإستراتيجية محمود سريع القلم الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية في جامعة الشهيد بهشتي “خاروميانه” إيران  على صفحات “شؤون الأوسط” في عددها رقم 141 في الصفحة 36 وما بعد الصادر في شتاء 2006 بحيث تمكن من تقسيم الأهداف الأساسية الكبرى  للسياسة الخارجية الإيرانية وفقا للدستور الإسلامي الإيراني وأداء تلك السياسة الى ثلاثة مستويات:
أولا: التنمية الإقتصادية والحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية والسيادة الوطنية كمركز محوري لدعم حركات التحرر.
ثانياً: الدفاع عن المسلمين والتعارض مع إسرائيل والغرب (لا سيما الولايات المتحدة الأميركية) خصوصاً أنه لا بد من التذكير بسحب الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال النصف الأول من شهر آذار/ مارس 1979 لفرقتها ضمن إطار قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في لبنان كونها باتت تعتبر نفسها بعد الإطاحة بالملكية بلداً معادياً لإسرائيل بحسب ما أشار اليه الدكتور سليم حداد في الصفحة 129 من مؤلفه الأكاديمي حول قوات الطوارىء الصادر عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع / بيروت 1981 .
ثالثاً: إيجاد مجتمع إسلامي على أسس الأصول الشيعية لمواجهة هذا المجتمع الذي يعيش في ظل تبعية سياسية ثقافية إقتصادية وأمنية ملحوظة.
أما عن السياسة الخارجية الإيرانية تجاه لبنان بالتحديد فيتجلّى فيها بوضوح  مفهوم “القوة الذكية”. فهنالك أكثر من أداة تستخدمها إيران فى سياستها الخارجية تجاه لبنان من قوة ناعمة وصلبة والجمع بين هاتين القوتين هو ما يقصد بمفهوم “القوة الذكية”. فداخل المنطقة توظف القضية الفلسطينية لتظهر بصورة المقاومة فتجذب مؤيدى تلك القضية، كما توظف “خاصة فى المنطقة العربية” المُرتكز المذهبي الشيعي كأحد أهم مكونات ثقافتها لتحقيق المزيد من المكاسب. وقد حاولت إيران أن لا تقتصر قوتها الناعمة فى سياستها الخارجية تجاه لبنان على المحدد الشيعي، بالرغم من إعتمادها الأول عليه، مُحاولةً إستغلال وجود المشترك الحضاري التاريخي السياسي مع باقي الطوائف اللبنانية غير الشيعية، فأخذت تعمل على إيجاد قاعدة شعبية فى الداخل اللبناني من خلال محاولة إيجاد أرضية مشتركة فى المجالات السياسية والإعلامية والثقافية.
إلا أنه يظلّ من الصعب فى ظل الظروف الداخلية اللبنانية التى تتميز بالطائفية الشديدة وعدم ثبات العلاقة بين تلك الطوائف أن تحافظ إيران على علاقتها بكافة الطوائف المتنافسة، وهذا التنافس هو أساس النظام السياسى اللبناني، لذلك كان عليها أن تركز جهودها على ورقتها الرابحة، وهى النسبة الكبيرة إن لم تكن الأغلبية  الشيعية فى لبنان. ومن خلالهم تستخدم كافة أدوات سياستها الخارجية خاصة أن حزب الله الذى ينتسب إليه السواد الأعظم من الشيعة بلبنان، يُعد أهم القوى الموجودة على الساحة اللبنانية ويسيطر على الحياة السياسية بدرجة كبيرة. وتستمر إيران في تقديم دعمها لحزب الله حتى يومنا هذا، كأحد أقوى أدواتها فى الشرق الأوسط حتى أننا نستطيع أن نقول أن محاولات إيران الحفاظ على علاقات جيدة مع لبنان وإستخدام قوتها الناعمة التى ذكرنا أشكالها من قبل، وهى فى حد ذاتها شكل من أشكال الدعم لحزب الله وهذا ما تم التركيز عليه في دراسة تناولت “المذهبية في السياسية الخارجية الإيرانية تجاه الشرق الأوسط (2003- 2015)” التي أعدتها  الباحثة ميرنا وليد محمد نصار في المركز الديمقراطي العربي بإشراف الدكتورة أميرة أبو سمرة. فهل أدركت “ورقة التفاهم” بين حزب الله والتيار الوطني الحر المعلنة بتاريخ 6 شباط/فبراير2006 التي وقّع عليها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ورئيس التيار الوطني الحر(آنذاك) العماد ميشال عون وفي كنيسة مار مخايل على تخوم الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أبعاد الإستراتيجية في سياسة إيران الخارجية؟ وهل إستطاع  رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، بعد زيارته البطريرك الراعي في ‏الديمان، بالرغم من تصريحه الذي جاء ملتبساً حمّال أوجه، إذ هو من جهة أيّد مطالبة البطريرك بالحياد، ومن جهة ثانية سأل في أي اتّجاه ‏يكون هذا الحياد، الذي اعتبر أنه يتطلب حواراً وطنياً جامعاً ليحظى بموافقة كل القوى السياسية حتى لا يشكّل ‏حالة إنقسام جديدة بين اللبنانيين‎.‎ إلا أن مصادر متابعة للقاءات الديمان رأت في حديثٍ مع “الأنباء”  للحزب التقدمي الإشتراكي أن موقف باسيل الضبابي كان قريباً من موقف رئيس ‏الجمهورية، وهو يتضمن “مغازلة ضمنية” لحزب الله الذي لم يحدّد موقفه بعد، وهو “قريبٌ أيضاً من موقف ‏الفريق السياسي الذي ينتمي إليه باسيل، من خلال اللعب على الكلام إرضاءً للراعي من جهة ومداراة للحزب ‏وحلفائه من جهة ثانية‎”.
وهل يحتاج حزب الله الى غطاء مسيحي يوفره له التيار الوطني الحر أو أي تيار سياسي مسيحي آخر؟ في وقت ترى قراءتنا الإستراتيجية  أنّ ما يمتلكه حزب الله من فائض للقوة لا يحتاج الى أي غطاء طوائفي في لبنان لا سيما المسيحي منه إذ مقاربتنا  تكاد تختلف في حلقة لاحقة مع ما هو متداول في حركة التوازنات السياسية اللبنانية والعلاقة مع حزب الله الذي يدرك تمام الإدراك أن فريقاً من اللبنانيين يناوىء خيار المقاومة لديه، وهذا الفريق يعتمد – كما يذهب عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب الدكتور حسن فضل الله في كتابه “حزب الله والدولة في لبنان” / الرؤية والمسار / الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في طبعته الثانية من العام 2015 وفي الصفحة 172 منه – على ” مبدأ تسييد الدول على الدولة من خلال الإتكاء على موقف دولي ضاغط، يستفيد من سطوة القوة الإسرائيلية لفرض الشروط على المقاومة وحلفائها، وكان هدفه الإستفادة من الحرب الإسرائيلية لتغيير المعادلة المحلية والإقليمية، وقد رسمت خطط كثيرة لإغتنام فرصة الحرب في تموز 2006 ، وتحويلها الى مفصل تاريخي يقلب تلك المعادلة، ويعيد تأسيس لبنان على مرتكزات خالية من أي دور للمقاومة وجمهورها، والفرضية المطروحة إستنبطت الآتي: تدمر الحرب الإسرائيلية بنية المقاومة، وتضرب مقومات بيئتها الحاضنة الإقتصادية والعمرانية ويؤدي هذا التدمير الى إضعاف تلك المقاومة وجعلها غير قادرة على مواجهة الضغوط المتزايدة بعد تحميلها مسؤولية الحرب ونتائجها والنتيجة تكون إنهيارها ومن ثم إستسلامها .
ويشير النائب فضل الله الى أن نجاح تلك الفرضية يعتمد على آلية التدمير الإسرائيلية التي تمهد الأرض للذراع الدولية المتمثلة بقوة متعددة الجنسيات وتفوض تلك القوة من مجلس الأمن الدولي بقرار يصدر تحت الفصل السابع.
وربما هذا الإدراك المسبق لا يزال تسوده المناخات السياسية السائدة والمنازعات الناجمة عن أطروحة الحياد وملحقاتها وقد تجلى في أوضح صورته من خلال ما تضمنته عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرَّاعي يوم الأحد الرابع عشر(14) من زمن العنصرة في مقره الصيفي في الديمان – الأحد ٢٢ آب ٢٠٢١- حيث أدان سلوك المسؤوليين اللبنانيين الذين يلتزمون تصفيةَ الدولةِ اللبنانيّةِ بنظامِها وميثاقِها ودورِها التاريخيِّ ورسالتِها الإنسانيّةِ والحضاريّة. وإعتبرهم جُزءٌ من الإنقلابِ على الشرعيّةِ والدولة، لأنهم لا يريدون لبنانَ الذي بناه الآباءُ والأجدادُ أرضَ لقاءٍ وحوار،ويَتقصَّدون دفعَ الشعبِ عَنوةً ورغماً عنه إلى إدارةِ شؤونِه بنفسِه، وإلى خِيارات يَنأى عنها منذ خمسين سنة، كصدى لهذا الصوت العُلويُ، إذ نطالب وما زلنا بضرورة عقد مؤتمر دوليّ خاص بلبنان برعاية منظّمة الأمم المتّحدة من أجل إنقاذ لبنان بتطبيق قرارات مجلس الأمن غير المطبّقة إلى الآن، وتنفيذ إتفاق الطائف بروحه وكامل نصوصه، وإعلان حياد لبنان وفقًا لهويّته الأساسيّة، وتنظيم عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، وحلّ قضيّة اللاجئين الفلسطينيّين.
إلا أن كل هذه التطورات في مواقف البطريركية المارونية لم تغير من قناعة حزب الله الداخلية بأولوية الحفاظ على مشروع الدولة وفقا للرؤية التي أرساها في وثيقته السياسية الثانية عام 2009 والتي حدد فيها وظائف المقاومة سماحة السيد حسن نصرالله في سياق المسار الذي يسلكه داخل الدولة اللبنانية. وكان ذلك خلال لقاء داخلي مع المهن الحرة في حزب الله بتاريخ 24/1/2013 وأشار اليه النائب فضل الله في الصفحة 226 من كتابه المذكور في سياق النص، كما أدرك حزب الله أيضاً وباكراً خطورة الوقوع في شرك الإغراء بالإستحواذ على السلطة لسببين جوهريين هما: أن الحزب هو مشروع مقاومة للحماية والدفاع عن لبنان وليس مشروع سلطة، وأن لبنان يشكل بتنوعه، وطبيعة تركيبته نموذجاً خاصاً من الضروري المحافظة عليه ولا يمكن لأي فريق أن يستاثر بقراره، وقد أثبتت التجارب فشل كل محاولات الهيمنة الآحادية على لبنان مهما بلغ شأنها وإستقوت بالخارج.
وبالرغم من هذه التوجهات الإستراتيجية التي تضمنتها الوثيقة فلا يزال هناك قسم واسع من اللبنانيين قد أكد ومنهم الدكتور وضاح شرارة “أن البنود الواردة في الوثيقة لم تحمل ملامح تحول نوعي، فقد رفضت في رأيه الإقرار بوجود الكيان اللبناني وأسبغت عليه بعداً ملتبساً، وما الحديث عن المزاوجة بين المقاومة والجيش إلاّ نوع من الإحتيال والتمويه على الأولويات الفعلية التي توجه عمل الحزب وسياسته. والأولويات الفعلية هي حبل السرة الذي يربط ما يسمى «حزب الله» وهو فعلاً جيش مسلح، سري، وأهلي مرتبط بالدولة التي انشأته أوائل الثمانينات، وهذه الدولة هي إيران الخمينية، وفي قلبها عدد من الأجهزة المعنية بإنشاء عدد من الحركات الأهلية المحلية الإسلامية وتوجيهها وتسليحها، والتي تسمى تجاوزاً حركات تحرر. الجهاز الذي أنشأ «حزب الله» هو بعض مستشاري روح الله الخميني، وبعض قادة الحرس الثوري الإيراني. هذا هو ركن جماعة «حزب الله»، ومن هذا الركن، تنشأ الصيغ الأمنية والسياسية والأهلية التنظيمية والمالية والدعوية وفي مرحلة لاحقة، لبس حزب الله القناع الفلسطيني للخروج من قيد الأقلية المذهبية من جهة، والإنخراط في إطار عربي قومي وسني في معظمه من جهة أخرى. ولعل إنفراد المقاومة الإسلامية الشيعية في لبنان بالقتال والسلاح والفرض السياسي، مثل آخر على غربة أصحاب السلطة الفعلية عن مجموعاتها. صحيح أن الوثيقة تقر بكيان لبنان الوطني والسياسي والدستوري، إلا أن تأريخها للبنان بالحوادث القليلة والضئيلة التي أرضت بها اللبنانيين، دليل على أن فهم هذه الجماعة للدولة، هو فهم بدوي وقبلي، لجهة ربط مفهوم الوطن بالولادات والأنساب «الآباء والأجداد والابناء والأحفاد». هذا الربط هو ربط أعرابي وبدوي، وليس عربياً، وهو يغفل عن المعاصرة الإسلامية، ويحتقر حياة الناس الفعلية. وأما الحضور في معادلات المنطقة فهو عبارة رتيبة، ومكررة، يراد بها على ما تقول الوثيقة في البندين الخامس والسادس، إلتحاق لبنان بالنظام السوري، وبالنظام الإيراني الحرسي. فالوثيقة نفسها تدعو الى عودة السياسة الأمنية الى لبنان، وتدعو الى دخول لبنان في المدى الحيوي الإيراني… وعلى هذا لا أرى تحولاً نوعياً ولا إعترافا ضمنياً بكيانية لبنان”.
من هنا تنبثق الرؤية الإستراتيجية لحزب الله التي لخصها النائب فضل الله وأبان من خلالها المسار العام للحزب بأنه “يبحث عن دولة توفر مستلزمات العيش الكريم للناس من حوله، وفي الوقت ذاته تصون أمنهم وإستقرارهم، وتحمي سيادتهم وقرارهم الحر من دون أية تبعية للخارج، وتواجه التهديد الإسرائيلي الدائم. شراكتها في هذه الدولة هي من موقعها المقاوم الذي يسهم في تقوية بنيانها، لكنها شراكة لا تقتصر على العمل المقاوم فحسب، بل تتعداه لتقديم نموذجه في السلطة، كفريق يحمل مبادىء وقيماً يستمدها من ثقافته الدينية، ومن تاريخ بيئته الشعبية، ومن إصالة إنتمائه الى وطن نهائي وتاريخ وحضارة”.
ويبقى السؤال المحوري يبحث عن الجواب الذي يتبلور من خلاله نموذج حزب الله في السلطة؟!
الذي تبلور من خلال التوجهات الأساسية التي تتعدى الوقوف طويلاً أمام “أطروحة الحياد” وتذهب بعيداً عن ما هو قائم في المجتمع اللبناني من صيغة تعتمد التوازن الدقيق بين كافة مكوناته، وتعطي دلالة قاطعة على خصوصية مسيرة الحزب ضمن إطار الطائفة الشيعية أولاً حيث يبرز الإنقسام في الخيارات ما بين حركة “أمل” و”حزب الله” أي بين ما أصطلح على تسميته بـ”الثنائي الشيعي” في المرحلة الراهنة، فانبرى منذ سنوات طوال الوزير الأسبق والأستاذ الجامعي المحاضر في علم الإجتماع الدكتور جورج قرم وفي مقابلة أجرتها معه مجلةCroissance des Jeunes Nations ونشرت ترجمتها الى العربية صحيفة “السفير” اللبنانية يوم السبت الواقع فيه ١٥ تشرين الثاني / نوفمبر ١٩٨٦ وإستند فيها على قاعدة عامة، بأنه لا يوجد وحدة طائفية متينة داخل الطائفة. ولا أحد يريد أن يرى هذا الأمر في لبنان اليوم والجميع مذهول من “الظاهرة الشيعية” وأن ما هو جديد بالنسبة الى الطائفة الشيعية هو إنتقالها من حالة النضال التي كانت في السبعينيات من القرن الماضي علمانية أساساً، داخل الأحزاب القومية العربية أو الإشتراكية أو المتمركسة الى حالة النضال الديني ، وهذا الإنتقال الديني هو عامل مشجع لتطور نفوذ إيران الإسلامية وهو ما تم بإتفاق على ما يبدو سمح لها بممارسة التدخل المباشر في الشؤون اللبنانية وتنشر إيديولوجيتها من خلال تمركزها وسط الطائفة الشيعية اللبنانية.
ولن يتأخر سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عن تأكيده أنه جندي في ولاية الفقيه حيث أشار في وقت من الأوقات “إذا أردتم أن أحلف يمين، أحلف يمين أن إيران لم تأمرنا بأمر، ولم تبلغنا بقرار، ولم تطلب منا أي طلب، لا في الشأن المحلي ولا في الشأن الإقليمي، أبداً. نحن قيادة مستقلة، نحن ندرس، نحن نقرر، نحن أحياناً نسترشد بآرائهم وبخبرتهم، ولكن لم يعطونا في يوم من الأيام قراراً: “إفعل، لا تفعل، إقبل لا تقبل”. ولكن بعد أن بلغت قوة الحزب ذروتها داخل الساحة اللبنانية لم يعد سماحة السيد محتاجاً لإخفاء ما أعلنه مرةً أخرى وفي كل مرة ” أنا أفتخر أن أكون جندياً في حزب ولاية الفقيه، وولاية الفقيه تعني أن نأتي ونقول أن قيادتنا وإرادتنا وولاية أمرنا وقرار حربنا وقرار سلمنا هو بيد الولي الفقيه” دون أن يعني ذلك إنقياداً مطلقاً كما يصفه معارضوه بقدر ما هو إنتماء الى تراث وثيق للعلاقات الجيوسياسية والثقافيّة والدينيّة التي ربطت على سبيل المثال جبل عامل بإيران في مرحلتين متباعدتين، زمنيًّا، لكنّهما متّصلتان بعرى ووشائح وثيقة، تراخت في بعض المراحل، لكنّها لم تنقطع أبدًا وأدّت إلى تأثّر وتأثير متبادلين على مختلف الصعد كافّة. ففي الأولى ساهم علماء جبل عامل في المرحلة التّأسيسيّة للدولة الصفويّة وخصوصًا في البناء الفكريّ لهذه الدولة التي أعلنت التّشيّع مذهبًا رسميًّا لها، وكادت تتّجه إلى الغلوّ فيه، لو لم يلجم العلماء العامليّون إندفاع السّاسة الصفويّين، ويصحّحوا المسار الفكريّ للدولة بحماية المذهب الإثنيّ عشريّ من تحريفات الغلوّ الصوفيّ، الذي كان ممكن أن يمتدّ تأثيرهم من الدّين إلى السياسة والثقافة، أما في الثانية فقد قام العلماء الإيرانيّون قبيل نجاح الثّورة الإسلاميّة، وبعدها بدور مهمّ في تحريك الجمود المخيّم على الأفكار في جبل عامل. هذا الدور بدأ منذ ستينيّات القرن العشرين، ووصل إلى أوجّه بعد إنتصار الثورة الإيرانيّة، وقد إمتدّ هذا التأثير من الدين إلى السياسة، والثقافة أيضًا. ومهما يكن من أمر، فالمرحلة الأولى هي التي أسّست للمرحلة الثاني، وهذا ما تناوله الدكتور حسن بعلبكي في دراسته التاريخية التي نشرها على صفحات مجلة “أوراق ثقافية” في عددها الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2019 تحت عنوان “إيديولوجية الرفض بين جبل عامل وإيران” وكشف فيها أيضاً البعد السياسي لنظرية ” النيابة العامّة للفقهاء” التي طورها علي بن عبد العال الكركي العامليّ وطبّقها عمليًّا في المرحلة الأولى، وظلت تتفاعل سلبًا وإيجابًا طيلة القرون التالية، وتتطوّر ببطء إلى أن وصلت على يد الإمام الخميني إلى “نظريّة ولاية الفقيه” التي على أساسها قامت الثّورة وقامت الجمهوريّة الإسلاميّة، ونجاح الثّورة كان الدّافع والمحفّز لنهوض المقاومة الإسلاميّة في لبنان. وقد إنفرد الأصوليون بهذا النهج من دون غيرهم، كما حصل مع الميرزا الشّيرازي في ثورة التنباك في إيران، وقيادة الحركة الدستوريّة عند الأخوند الخراسانيّ، وحركة التأميم عند الكاشاني، ثم الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة عند الإمام الخميني. ومن نافل القول إنّ هذه المقاومة التي إستمدّت الدّعم الفكريّ والسياسيّ من الثّورة الإسلاميّة الإيرانيّة التي كانت نقطة الضوء الوحيدة في هذه العتمة التي تخيّم على الأقطار العربيّة والإسلاميّة.
ولكن كيف يقرأ حزب الله المواقف الرافضة لخياراته من غير الوسط الشيعي؟وكيف ترتسم سياساته تجاه الأطراف الأخرى في ظل مناخات متشابكة وكثيرة العقد والتعقيد؟ هذا ما سيتم إستنتاجه حينما عاودت أطروحة الحياد التي أطلقها البطريرك الراعي تذكير محور الممانعة ومحركها الحيوي حزب الله بأن لا حياد للبنان في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي الدائر في الشرق الأوسط ومحوره القضية الفلسطينية، حيث تم خداع اللبنانيون بتلك المقولة منذ قيام إسرائيل حتى إندلاع الحرب الأهلية اللبنانية وليكتشفوا مع الدكتور مسعود ضاهر على صفحات “النهار” بتاريخ ١١ تموز ١٩٨٥ ان الحياد المزعوم قد أوقعهم في مركز القلب من الصراع الذي ما زال متفجراً على الساحة اللبنانية دون سواها، فشن مؤيدو “حزب الله” حملة عنيفة على البطريرك الراعي وإعتبروه راعياً للإنحياز وللإستسلام من خلال إصراره وتعاميه عن الحق في الصراع مع العدو الإسرائيلي، كما ورد في بيان صادر عن الحزب السوري القومي الإجتماعي “كأن بلادنا إختارت طوعا الوقوع تحت نير الظلم والإحتلال والتهجير منذ قرن حتى الآن ويتعامى الراعي عن مئات المجازر والإعتداءات المتكررة من قبل العدو ويضع الحجة على من حمل السلاح لرفع الظلم وتحرير أرضه من رجس عصابات الإستيطان والإقتلاع وتزوير التاريخ والدين. كما يتعامى الراعي عن مسيرة طويلة من الطغيان على أرضنا ومواردنا ومحاولات فرض الإستسلام علينا، ويتناسى قول السيد المسيح في وجه الكتبة والفريسيين أيها القادة العميان الذين يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل (متى 23:24) وإن إغفال الظلم وغض النظر المتكرر عن الحق، يبشر بمآرب خطيرة. فلا الهدنة مع العدو أتت بحماية للبنان، ولا الحياد خيار أصحاب الحق، بل خيار المستسلمين. وبلا شك، فإن رعاية الفساد والتنعم بالمغانم بينما تئن الرعية تحت نير الجوع والعوز، لا تنقذ البلاد من نير التبعية، ولا الإستثمار بدماء أبرياء المرفأ يعيد للبنان دوره وحيوته. بل قوته، وقوته فقط هي السبيل الوحيد لإستعادة السيادة والدور والوصول إلى التطور والرقي، فويل للمستسلمين الذين يرفضون الصراع فيرفضون الحرية وينالون العبودية التي يستحقون (أنطون سعاده). ويذهب الغلاة في تطرفهم الى إعتبار مواقف رأس الكنيسة المارونيّة لا تختلف عن مواقف الدولة العبريّة، وقد سبق لحزب الله بتاريخ 18 حزيران 2010 أن أصدر بياناً خاطب فيه غبطة البطريرك الماروني الراحل مار نصر الله بطرس صفير بعبارة “ما يُسمّى بالبطريرك”. ولعلّ ما أورده محمد زعيتر، في الصفحات 75 وحتى 81 من كتابه “نظرة على الجمهورية الإسلامية في لبنان”، يُعبّر عن مكنونات الغلو أصدق تعبير، فذكر في هذا الصدد أن “حزب الله” والإسلاميين سيقطعون في النهاية أيدي الخونة ويحررون لبنان من الكفّار الموارنة الذين يتبعون أوامر الصليبيين الحقيرين”، وأضاف: “لا شرعية للأقلية المارونية… حتى لو حوّل الموارنة لبنان الى جنة، غير أن حكمهم يبقى مرفوضاً”.  أما المرجع الشيعي العلامة محمد حسين فضل الله فقد هاجم في 27 آب من العام 2009 وبطريقة غير مسبوقة صاحب الغبطة البطريرك صفير من دون تسميته منتقداً شعار “مجد لبنان أعطي له” الذي أطلق على بكركي وبطريرك الموارنة لدوره في تأسيس الكيان اللبناني في العام 1920 بقوله “تعتبر الناس أن مجد لبنان أعطي لها، ولم يُعطَ مجد لبنان إلا لشعب لبنان”، ولقد أعطي هذا المجد للشعب المجاهد، المقاوم والذي يعيش القوة”وهذا الموقف العالي النبرة يشكل عند البعض الآخر” نسفاً تاماً لما أوصى به الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين، والتخلي عن مطلب الديمقراطية العددية، وتنبيهه الشيعة إلى خطر الإنزلاق في مشروع سياسي خاص والخروج على كيانية أوطانهم، الأمر الذي أفتى بعكسه في يوم من الأيام العلامة الراحل فضل الله، وكان محط إستغراب من مرجع ديني طالما وُصِفَ وبشكل دائم بفضائل الإعتدال”. ومن ثم فتحت “أطروحة الحياد اللبناني” مجدداً، ملفات سياسية شائكة ومتداخلة، ظنت معها غالبية اللبنانيين أنه قد تم إغلاقها منذ زمن بعيد. ولكن على وقع الهتافات التي شهدها الصرح البطريركي الماروني والتي تصف “حزب الله” بالإرهابي وتندد بإيران لتدخلها وهيمنتها على لبنان وعلى بلدان أخرى على نطاق الإقليم وتنسجم  تلك الهتافات مع الدعوة العلنية الى عدم السكوت على السلاح غير الشرعي في لبنان لأن عظمة حركات المقاومة أن تعمل بكنف الدولة، إذ ” لا يوجد جيشان أو جيوش في دولة واحدة ولا شعبان في دولة واحدة”، لذلك رأى حينذاك عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله  ” كنا نتوقع تصرفاً مختلفاً حول ما حصل في بكركي”، وإعتبر أن هناك “من يتلطى خلف البطريركية المارونية” في لبنان ، في حين لم يغب عن ذاكرة اللبنانيين أن من الحقائق التاريخية المدونة  أن البطاركة والمطارنة الموارنة والكنيسة المارونية  إستطاعوا جميعهم وفي محطات ومناسبات مختلفة تعبئة الموارنة ودفعهم للسير في طريقهم وقادوا السياسة العامة في أزمنة السلم والحرب، وهذا ما أشار اليه رئيس جامعة روح القدس- الكسليك الأب يوحنا ثابت في تاريخ 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1984 إحياءاً للذكرى المئوية الرابعة للمدرسة المارونية في روما ” إن الموارنة مسؤولون عن لبنان، عن كل لبنان، وعن كل فئات لبنان”، وأكد على أن “بين جدران تلك المدرسة وعى الموارنة دورهم السياسي الى جانب دورهم الكنسي والروحي والحضاري”. وهذا ما دفع عدد واسع من المنابر الإعلامية التي تدور في فلك البيئة الفكرية السياسية لحزب الله الى إعتبار “مشروع الحياد” وربطه بمؤتمر دولي يضع يده على الأزمة اللبنانية. ويفتح الباب على صراع جديد في لبنان تقوده البطريركية المارونية، وسط تجمع لمناصري أحزاب وتيارات سياسية معادية لمشروع المقاومة وأن رسالتها واضحة وهدفها واضح، الشعارات التي رفعت في الصرح البطريركي في بكركي من قبل الجموع كانت أيضاً واضحة. فرفع هتاف “حزب الله إرهابي” في قلب الصرح من قبل هذا الجمهور ليس بسيطاً، إنطلاقاً من الحدث نفسه وما قيل فيه وما هتف به. المقدمات التي تبرر هذا الهدف هي نزع لبنان من واقعه في خارطة الصراع، وتحييده كما لو أنه جزيرة معزولة عن محيطها وقضاياها المصيرية. فالحياد الذي ينادي به البطريرك الراعي يلاقيه ويشجعه المتضررون من سلاح المقاومة، وهم أصلاً جزء من مشروع غير محايد ومتورطون في أجندات إقليمية ودولية غير خافية على أحد، ولا تتفق فعلياً مع سيادة لبنان ووحدته،  وهذا يستدعي بدوره طرح السؤال هو كيف تستقيم الدعوة إلى تحييد لبنان في ظل ” الصراع مع إسرائيل” التي تحتل جزءاً من أراضي لبنان، وتهدد بالعدوان عليه ونهب ثرواته النفطية؟ وهل مطلب الحياد ينسحب على الموقف من “إسرائيل” وبالتالي شطبها من خانة العدو الذي يهدد الهوية والمصالح اللبنانية؟ وفي هذا السياق، قال الكاتب السياسي اللبناني غسان سعود في حديث “للميادين نت” إنه”لم يكن مستغرباً أن يهتف جمهور معادٍ لحزب الله بأنه حزب “إرهابي”، فقد سبق لهم التعبير عن هذا الموقف بأشكال مختلفة. إنما الغريب كان سكوت البطريرك الراعي عن هذه الهتافات، وقبوله بتحويله الصرح البطريركي إلى مساحة لشتم مكون لبناني بهذا الشكل، والتحريض عليه وإعتماد التوصيف الأميركي – الخليجي – الإسرائيلي وبمجرد سكوته عن هذا الهتاف هو موافقة عليه، وهو بالتالي ” إنحياز واضح ومفضوح لجمهور ضد جمهور، ولمحور ضد محور”، وأنه “بإصطفافه العلني الواضح بهذا الشكل، يكون البطريرك قد دمر بنفسه كل منطق الحياد الذي ينادي به”. مع العلم أن الكتاب المقدس يقول: (…) أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!. وعليه، وفق سعود، على البطريرك الإلتزام بالحياد، ويلزم جماهير الصرح بالحياد، ثم يفكر بدعوة الآخرين للإلتزام بالحياد، وأن “الإنقسام اليوم هو بين محورين: الأول يبدأ من حزب الله، ويمر بإيران وسوريا والعراق وينتهي في روسيا والصين. والثاني يبدأ عندنا من تيار المستقبل والقوات اللبنانية وبعض المنظمات الدولية، ويمر بالسعودية والإمارات و”إسرائيل”، وينتهي في الولايات المتحدة. الحرب هي بين هذين المحورين، ودائما وفق ما أشار اليه سعود، لافتاً إلى أنه “من يريد تحييد لبنان من محور لا يمكن أن يكون جزءاً من المحور الآخر” وأن ” كل من كانوا في بكركي هم جزء من محور، ويتلقون الدعم المالي والإعلامي والمعنوي من محور. ولا يمكنهم بالتالي الحديث عن الحياد لأنهم غير حياديين”. ولفت الى أنه “في لبنان، قلة قليلة جداً التي هي حيادية، فالمواقف السياسية والإجتماعية والإقتصادية تتناقض مع خيار الحياد، وكل من لديه رأي لا يمكنه أن يكون حياديا لأن  “الحيادية تتناقض مع الحرية وحقوق الإنسان والطبيعة الإنسانية. حين تجد شعباً يقتل وتقرر أن تكون حيادياً هذا يعني أنك من دون مشاعر ومن دون كرامة ولست إنساناً”. وأما وتيرة التصعيد وجواباً على سؤال “ماذا يعني الحياد؟”، قال محلل الميادين للشؤون العسكرية والأمنية شارل أبي نادر إن “من يطلب الحياد في لبنان اليوم في ظل الصراع مع العدو الإسرائيلي كأنه يطلب الإستسلام”، لافتاً إلى أن “الحياد يعني نزع السلاح ونزع القدرة لأن يكون هناك موقف سيادي يحمي لبنان ويحافظ على ثروته”. وبحسب أبي نادر، فإن “نقطة الخلاف الأساسية الآن والتي قد تكون مخفية، هي الثروات اللبنانية التي هي بحاجة إلى الحماية لأن لبنان سيكون وفقا لأبي نادر على خط زلازل وسوف يستفرد به، وبالتأكيد لا يمكن للبنان أن يقاتل أو يواجه هذه الضغوط الدولية والضغوط الإقليمية، وخاصة من “إسرائيل” منفرداً، إنما هو بحاجة لأشقاء يقفون بجانبه ويدعمونه.ولم يفاجأ أحد من اللبنانيين بما تضمنته عظة البطريرك بشارة الراعي يوم الأحد الواقع فيه 19 أيلول/ سبتمبر 2021 في كنيسة سيدة إيليج تكريماً لشهداء المقاومة اللبنانية من إصرار وعزم شديدين على “مواصلة المقاومة اللبنانية الحضارية السلمية، والصمود بقوة الإيمان والرجاء، على مثال بطاركتنا القديسين الذين قادوا هذه المسيرة في إيليج كما في يانوح وهابيل وكفرحي وعمشيت وقنوبين والديمان وبكركي وفي المقار البطريركية التي كانوا يلجأون إليها بحسب ظروف العهود، وعروشهم على ظهورهم”. ورأى الراعي أن الذاكرة المتعلقة بدماء الشهداء يجب أن لا تكون مجرد ذكرى لماض حدث، بل حاضراً يتفاعل في ضمائرنا جيلاً بعد جيل، وأن “الشهداء يحيون كلما تابعنا المسيرة الوطنية، من أجل السيادة والإستقلال وحرية القرار. فلا تخافوا ولا تيأسوا، فكل ما ترونه اليوم مرحلة صعبة وتمضي، بالصلاة والصمود، بحسن الخيار والتمسك بالثوابت، بوحدة الصف والعمل الوطني الدؤوب، بتغيير الواقع بالوسائل الديموقراطية، برفض الهيمنة والصراع الوطني تعمق، والولاء للبنان إنحرف حتى دخلنا عتبة الإنهيار. لذلك، فإن مطالبتنا بمعالجة واقع الإنهيار يهدف إلى المحافظة على وحدة لبنان وهويته لأن تفاقم الوضع صار يشكل خطراً عليهما”. ولفت قائلاً: “نتذكر أن ما حققه آباؤنا وأجدادنا والجيل المقاوم، كان بعرق الجبين ودم الشهداء، بالصمود والمقاومة، بالعلم والإبداع. لم يقاتل أحد عنا. العمالة ليست من مكونات الشخصية التاريخية المسيحية في لبنان. من يقاوم ويستشهد في سبيل قضية لا يتقبل العمالة وتعددية الولاءات. ومن يسترجع التاريخ، القديم والحديث، يكتشف أن المسيحيين في لبنان، وبخاصة الموارنة، ما تعرضوا للحروب والإضطهاد إلا لأنهم رفضوا العمالة والخضوع وآثروا الصداقة والتحالف على أسس الكرامة الشخصية والسيادة الوطنية”، فأثارت العظة حمية الشيخ أحمد إسماعيل الذي وصفته بعض المصادر بأنه من أصحاب المواقف الحادة وتم نشر رده العالي النبرة على ما جاء فيها وذلك ” في هجوم عنيف غير مسبوق في السجالات السياسية اللبنانية العامة على موقع إلكتروني هو “صدى الولاية” تحت عنوان: “خسئت يا راعي البقر”. وأبدى مدير المركز الكاثوليكي للإعلام الخوري عبدو أبو كسم  في 21 أيلول/ سبتمبر 2021 دهشته بما صدر عن الشيخ إسماعيل من ” لغة هابطة وسوقية لا تليق بتاتاً بشيخ ديني مليء بالحقد والكراهية ضدّ الدولة فأراد صب غضبه عليها، لكنه أخطأ العنوان وصوّب سهامه نحو غبطة البطريرك وارث البطاركة المجاهدين في سبيل لبنان والدفاع عن حدوده التي لولا البطريرك الياس الحويك عام 1920 لا نعرف إذا كان هذا الشيخ إستحق حمل الهوية اللبنانية”. وإعتبر الشيخ إسماعيل مرة أخرى  أن الأب أبو كسم ” بالرغم من معرفته به تماماً فقد شرع بحشد بعض الكلمات ورصف بعض العبارات التي لا تشبه أدبياتنا نحن علماء الدين”. وبدورها الرابطة المارونية لم تؤثر الصمت فعبرت عن غضبها  بقولها: “إنه وعلى الرغم من إشارة الشيخ المذكور بعدم علاقته بهذا التصريح على صفحته، وقوله إنه يعود الى شخص يحمل الإسم نفسه، فإن ما ورد من كلام في حق بكركي، وإتهامات في حق شخصيات وطنية لبنانية وفي مقدمها الرئيس بشير الجميل ووسمها بالعمالة والإرتهان للإسرائيلي، ونكء الجراح، والتمنين بحماية البلدات المسيحية في البقاع الشمالي من خطر التكفيريين، والتعبير عن كل ما يمكن أن يختزنه قلب إنسان من ضغينة، فان كلامه مرفوض جملة وتفصيلاً، ونهجه الفتنوي مدان، خصوصاً إنه يطاول قامة روحية سامية هي البطريرك الراعي الذي يرعى لبنان، كل لبنان، بمحبته وإنفتاحه وإصراره على الوحدة بين أبنائه في إطار التحاور الحضاري بين أبناء الديانات السماوية”. وهكذا تتأثر الحياة اليومية في لبنان، بالعنف السياسي الذي يفوق العنف المسلح الذي يبقي المجتمع اللبناني في حال إنقسام سياسي وإجتماعي ويسود الإعتقاد معه لدى المراقبين والمتابعين أن حروب الإقتتال قد تندلع في أية لحظة من لحظات التخلي وأن لبنان معرّض بالفعل للتأثر بالتوترات الإقليمية، وقد يكون من أسباب إستمرار دائرة العنف المتعدد الوجوه، هو الإخفاق في التعامل مع إرث النزاعات التي هي وليدة الماضي البعيد وتفتح الأبواب واسعةً أمام الملفات الشائكة المختلف عليها وهي أبعد بكثير من “الإعتراض” على أطروحة الحياد أو “التحفظ” عليها. ويعلم حزب الله علم اليقين كما يقول الدكتور مصطفى الجوزو في مقالته “الحياد اللبناني بين المرجوّ والممكن” بتاريخ 30/4/2021 أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أطروحة الحياد أو التعمية عليها لأن الدعوة الى الحياد كانت دائماً ذات لون طائفي، وكانت مصاحبة لمشاريع التقسيم، وكانت بعضها ينطلق من فكرة “التنكر للعروبة والتقرب إلى العدو الصهيوني”، والحياد “يرجعنا إلى الخلاف الإيديولوجي الجذري الذي نشأ منذ قيام دولة لبنان الكبير، وعبّر عنه بعدَ زمن ما وصفه الرئيس بشارة الخوري في مذكراته بالميثاق الوطني، وهو ميثاق لم ينص عليه الدستور ولا القوانين ولم تقره مؤسسة دستورية، فلا غرو أن ينفي الدكتور إدمون رباط معنى الميثاقية عنه، وأن يعده غير ملزِم ولكن إستقلال لبنان التام الناجز يجب أن يتم دون الإعتماد على حماية من الغرب، ولا التطلع إلى وحدة أو إتحاد مع الشرق”. وتكاد هذه الصيغة تؤكد حقيقة معروفة هي أن بعض اللبنانيين ذوو ميول عروبية، وأن آخرين منهم ذوو ميول غربية معادية للعروبية، ولذلك جاءت عبارة «لبنان ذو وجه عربي» في بيان حكومة الصلح ضرباً من التسوية، وهي تسوية ألغاها دستور الطائف بإعلان «لبنان عربي الهوية والانتماء»، وألغى من ثَمّ كل ما ينسب إلى الميثاق الوطني المزعوم. وهذا التعارض بين “التوجه العربي” و”التوجه الغربي” أفضى إلى مشاكل لم تنته ولما تنته، وقد تجلى ذلك في الأزمات الشِداد: أزمة 1958، وأزمة 1969، والحرب الأهلية، ومجزرة صبرا وشاتيلا، وأزمة 17 أيار1983، وإنشقاق الجيش اللبناني سنة 1984، والأزمة الوزارية في نهاية عهد الرئيس أمين الجميل، ونشوء حكومتين. وأفضى هذا التباين الى حقيقة جعلت حكام لبنان وزعمائه وأتباعهم منقسمين إنقساماً سياسياً حاداً، منافقاً بعضهم لبعض وعاملاً بعضهم على خداع بعض، وهو أمر قضى على معنى الإنتماء الوطني، وصار كل فريق يستحل أموال الدولة ومرافقها، ويعتبر الفساد مزية ما دام يخدمه ويخدم بيئته. كيف لا وكثير من الزعماء المسيحيين لا يزالون منذ نشوء النظام اللبناني يعتقدون أن لبنان دولة أُعطيت لهم، وأن للمسلمين مندوحة عن لبنان في البلاد العربية الواسعة. وكثير من الزعماء المسلمين السنّة لا يزالون يحلمون بالوحدة العربية، ويشعرون بنوع من الإقصاء. وكثير من الزعماء المسلمين الشيعة يشعرون بالإنتماء إلى إيران والعراق أكثر من إنتمائهم إلى لبنان وسائر البلاد العربية. إن الإنتماء إلى المنظومات الإقليمية والدولية راسخ في نفوس الزعماء اللبنانيين، وهو أقوى من العبارات البليغة، والإبتسامات اللامعة، والإيقاع الصوتي الرخيم. والبلاغة والإبتسام ورخامة الصوت لا يمكن لها أن تخفي العقائد الراسخة. ونرى في هذه المرحلة التاريخية الراهنة ومع الدكتور الجوزو أن حزب الله ومن خلال القوة التي إكتسبها كانت فلتة لن يتاح للدولة اللبنانية مثلها، حتى أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في أحد لقاءاته مع البطريرك الراعي نقل رسالة من حزب الله تؤكّد رفض الحزب أي تحييد للبنان وتعتبر أن مثل هذه الدعوات تصبّ في خدمة إسرائيل والسياسة الأميركية، كما أنّها جزء من الضغوط التي تمارس في الوقت الحاضر على لبنان، وكشفت مصادر سياسية لبنانية مقربة من الأجواء التي أحاطت بلقاء الراعي – عون، أن البطريرك الماروني أفاض في شرح الظروف الإقليمية والدولية القائمة حالياً والتي تنعكس سلبياً على لبنان لعدّة أسباب. وأوضح أن من بين هذه الأسباب التي تجعل لبنان عاجزاً عن الحصول على أي مساعدات عربية ودولية الوضع السياسي اللبناني الذي يتحكّم فيه حزب الله. وأشار البطريرك في هذا المجال إلى أنّ لبنان صار، بسبب حزب الله، محسوباً على المعسكر الإيراني، وهذا أمر لا يصبّ في مصلحته. وشدّد على أن لبنان ليس في وضع يسمح له بالدخول في مواجهة مع أصدقائه وحلفائه التقليديين الذين إعتادوا مساعدته. كما كشف مسؤول لبناني أن البطريرك الماروني سأل رئيس الجمهورية عن الحلول التي لديه من أجل توفير مساعدات للبنان في ظل المقاطعة العربية له من جهة والموقف الأميركي من حزب الله من جهة أخرى، فأوضح هذا المسؤول أن الراعي لم يحصل من عون على جواب واضح باستثناء أن على البطريرك التوقف في المرحلة الراهنة عن استفزاز حزب الله. ويواجه حزب الله أطروحة حياد لبنان ودوره في الصراع العربي الإسرائيلي وموقفه من القضية الفلسطينية ومسألة إحتلال إسرائيل للأراضي اللبنانية بالإعتماد على خيار إستراتيجي يرتكز على محورين أساسيين: الأول إيديولوجي والثاني سياسي. ويمكن تلخيص إيديولوجية حزب الله في جانب من الوثيقة التاريخية التي تم الإعلان عنها في 16 شباط / فبراير من العام 1985 وتتضمن ” السماح لجميع أبناء شعبنا بتحديد مستقبلهم وإختيار شكل الحكومة بكل حرية. ندعوهم جميعًا إلى إختيار خيار الحكم الإسلامي القادر وحده على ضمان العدالة والحرية للجميع. وحده النظام الإسلامي هو القادر على إيقاف أي محاولات مبدئية مستقبلية للتسلل الإمبريالي إلى بلدنا”. وينظر حزب الله إلى صراعه مع إسرائيل والشعب اليهودي على أنه بدوافع دينية. وأن تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بالنسبة لهم هو تكرار للتفاعلات السلبية بين يهود شبه الجزيرة العربية في العصور الوسطى والرسول محمد والأمة المبكرة الموصوفة في القرآن والنصوص الإسلامية الأخرى. لقد لعن الله ، بحسب لاهوت حزب الله، اليهود جميعاً بإعتبارهم مجدفين ملعونين في كل العصور وعبر التاريخ فان حملة حزب الله لتخليص “شبعا” من القوات الإسرائيلية ذريعة لشيء أكبر و” إذا ذهبوا من شبعا، فلن نتوقف عن قتالهم”. “هدفنا هو تحرير حدود فلسطين عام 1948، ويمكن لليهود الذين نجوا من حرب التحرير هذه العودة إلى ألمانيا أو إلى أي مكان أتوا منه”، وأن اليهود الذين عاشوا في فلسطين قبل عام 1948 “سيسمح لهم بالعيش كأقلية وستتم رعايتهم من قبل الأغلبية المسلمة”. ومن ثم نشر حزب الله بيانًا جديدًا في الأول من كانون الأول (ديسمبر) 2009، غيّر اتجاهه ليظل متماسكًا بشكل أفضل مع الوضع الحالي في مجتمعه. وإحتوى هذا البيان الجديد على لغة تقلل من أهمية الخطاب الإسلامي وتركز أكثر على القضاء على النظام الطائفي القائم الآن في لبنان ويدعو إلى إستبدال هذا النظام بنظام علماني حديث. ومع ذلك، ينص البيان الجديد على أن الولايات المتحدة وإسرائيل ” ما زالا أعداء حزب الله الرئيسيين. علاوة على ذلك، فإنه يلغي إمكانية فتح نقاش حول حقه في حمل السلاح. وتتابع هذه الأجندة بمساعدة العديد من الحلفاء المتشابهين في التفكير في المنطقة”. وتطال إيديولوجية حزب الله المرتكزات الأساسية للمارونية السياسية بتاريخية مواقفها وخياراتها ومواقع قوتها المتمثلة بالبطريركية المارونية والرهبانيات والمؤسسة العسكرية أي الجيش اللبناني والإمكانات المالية والإقتصادية والمجمّعات الثقافية التي إحتضنت منظّرين كثر بحيث أن أحدهم لم يتسامح معهم وهو واحد من الإيديولوجيين المتشددين من السياسيين والمفكرين الشيعة  في الصفحة 1138 من مؤلفه “المارونية في لبنان / قديما وحديثا” بحيث لم  يوفر تاريخ رؤساء الجمهورية فإعتبر “أن السمات العامة لرؤساء لبنان الذين تعاقبوا على سدة الرئاسة منذ عام 1926 تمثلت في محاربة الإسلام والمسلمين، بكل الطرق والوسائل، والمتاجرة بالنفوذ وكثرة الفضائح، والإستئثار بالسلطة، وإستثمار للمركز الى أقصى حد ممكن، وتزوير إرادة التمثيل الشعبي، وإختلاس الأموال، وعقد الصفقات السرية والمشبوهة مع الأجانب، والبحث عن الحلفاء في الخارج والإستقواء بالأساطيل والجيوش المعادية، والتركيز على بدعة لبنان الماروني”. إلا أن البرغماتية السياسية التي يمتهنها حزب الله بأعلى درجاتها المهنية هي التي جعلته يستثني الرئيس إميل لحود، فزار في وقت من الأوقات وبحسب موقع “الكوثر الإلكتروني” وفد من كتلة الوفاء للمقاومة برئاسة النائب محمد رعد ورفقة النائبين إبراهيم الموسوي وأمين شري رئيس الجمهورية اللبنانية السابق العماد إميل لحود في دارته في اليرزة، مهنئاً بعيد المقاومة والتحرير. وقال رعد حينذاك: “اليوم هو يوم عيد المقاومة والتحرير” وهذا اليوم ” له رمزيته وله رجاله ومن أهم رجاله رئيس العهد الذي حصل فيه التحرير وهو فخامة الرئيس اميل لحود لذلك نحن نحرص على زيارته ومعايدته في هذا اليوم ونكن له كل التقدير والوفاء لجهوده ورعايته وحمايته لخيار المقاومة الذي إستطاع خلال 18 عاماً من مواجهة الإحتلال الإسرائيلي أن يطرد هذا الإحتلال وأن يقلب المعادلة في المنطقة ويضع موازين صراع جديدة تقوم على توازن الردع، ونحن خلال 18 عاماً طردنا الاحتلال وقلبنا المعايير وأنشأنا مناخاً جدياً في البلد يقوم على أساس وحدة وطنية”. مما يعني أن الرئيس العماد إميل لحود هو ” الشريك الفعلي لمسيرة المقاومة في لبنان والذي واكب إنطلاقتها منذ أن كان ضابطاً في الجيش اللبناني وقائدً له ولا يمكن لأحد أن ينسى موقفه في العام 1993 عندما حاول الكثيرون ضرب الجيش والمقاومة كيف كان موقفه الى جانب حق المقاومة في محاربة العدو الإسرائيلي حتى تحقق التحرير عام 2000 وكان للرئيس لحود أيضا المشاركة بنصر العام 2006 من حيث تأمين القرار السياسي في حماية المقاومة في مجلس الوزراء”.  ومن جهة أخرى يتناسى حزب الله المسيرة السياسية للرئيس العماد ميشال عون ويعمل على توثيق العلاقة معه بدءاً من إتفاق مار مخايل مروراً بالتحالف مع  تياره السياسي وصولاً الى ممارسته لكل أنواع  الضغوطات لإيصاله  الى مركز رئاسة الجمهورية، وهو يأمل ودائما وفق منظار النائب رعد ” في عهد فخامة الرئيس ميشال عون  أن يجد مشروع قيام الدولة اللبنانية التي يسودها القانون وتحكمها المؤسسات طريقه، لأن الشعب اللبناني يئس من كل الإجراءات الشكلية التي لا تبنى على إستراتيجية واحدة. وأن المقاومة لها إستراتيجيتها الدفاعية التي إستطاعت أن تحقق جدواها وتطرد المحتل ولكن الدولة لم تجد بعد إستراتيجيتها لقيام مؤسساتها وتحكيم القانون في العمل”، ولكن الذاكرة السياسية لمجريات الأحداث ومواقف مختلف التيارات والفرقاء اللبنانيين إختزنتها “البوابة الإلكترونية” حيث  أعلن العماد ميشال عون حينما كان رئيسا للحكومة العسكرية السابقة ” أن حزب الله الذي سيطر على المنطقة المحررة من جنوب لبنان “لم يحرر البلاد”، حسبما أفادت وكالة فرانس برس. وكان ذلك مساء الأربعاء الواقع فيه 25 أيّار / مايو 2000  وأضاف لإذاعة “فرانس-أنفو” إذا “كان حزب الله يكن ولاء لسوريا أو لإيران لا يمكنه أن يقول أنه حرر لبنان. وما هو الفرق بين الولاء لإسرائيل أو بلد آخر؟”.  وإستأثر حزب الله ببندقية المقاومة فتغيرت “مكونات النضال” وإنقلبت رأسا على عقب أيديولوجياً، من وطنيين ماركسيين شيوعيين وقوميين إلى إسلاميين، بالإضافة إلى تغييرات طالت التكتيك العسكري وأساليب القتال، هذا عدا عن الإمكانات والأسلحة والتطور التكنولوجي العسكري وتبعها إنقلاب مماثل من “جمول”جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي ولدت في 16 أيلول / سبتمبر من العام 1982 والتي أطلقها جورج حاوي ومحسن إبراهيم من العاصمة بيروت إبان الحصار الإسرائيلي التي لم يغلب عليها حينذاك أي طابع طائفي أو سياسي محدد، ولم تكن كذلك لا مشروعاً مخططاً له أو تنظيماً مدعوماً من دول كبرى ولا مسيّرة من أحد، فتجرأت الدكتورة منى فياض في مقال لها نشر على موقع “الحرة” الإلكتروني بتاريخ 19 تموز/ يوليو 2020 ونزعت عن حزب الله الحق بالإحتفاظ بسلاحه بعد الإنسحاب الإسرائيلي، إذ تحولت يرأيها وظيفة الحزب في الداخل إلى وضع اليد على لبنان لمصلحة دولة أجنبية فصادر “المقاومة” وحولها “إرهاباً” وأن تجربة “مقاومة حزب الله” أساءت لمفهوم المقاومة نفسه وربطته بالإرهاب، ما يسيء إلى نضالات حركات التحرر المحقة، وإن أي أمل للخروج من المأزق اللبناني، لن يتم إلا بالمطالبة بإعتراف دولي بحياد لبنان قانونياً، بمساعدة من الشرعية الدولية لملاقاة جهود البطريرك الماروني نيافة الكاردينال الراعي والفاتيكان، وإلى أن يتحقق ذلك لتُمارس سياسة التحييد بحسب ما جاء في إعلان بعبدا، بدلاً من أن يدخل الأمل المتعلق بالماضي البعيد والذي راود نصير الأسعد عضو المكتب السياسي لمنظمة العمل الشيوعي وعضو المكتب السياسي للمنظمة وأحد قادة الإتحاد الوطني لطلبة الجامعة اللبنانية في أوائل السبعينات من القرن الماضي حيث تعلم من تجربته في العمل السياسي العام أن “الأمل الآتي هو المقاومة الوطنية في جنوب لبنان لأن “العمل يأتيك عندما تقرر أن تكون بكيانك المستقل وأن تصمد وتقاوم”، هذه هي الإشارات التي “أطرحها وما علينا إلا البلاغ المبين”، كان ذلك في حديث دخل غياب النسيان ولا زال محفوظا على صفحات “السفير” منذ تاريخ 27/9/ 1984 وبالرغم من كل ذلك، فان حزب الله لا يزال يتمسك وباصرار شديد على أن الطريق الى القدس تمر بحسب أمينه العام السيد حسن نصر الله في يوم القدس العالمي ” بالقلمون والزبداني والسويداء والحسكة” في سوريا، وإعتبر أنه “لا يمكن أن تكون مع فلسطين إلا إذا كنت مع إيران”، وأكد أن إيران هي”الأمل الوحيد المتبقي بعد الله” لإستعادة فلسطين”. وما تجدر الإشارة اليه في هذا السياق أن إستخدام هذا المصطلح بحسب ما ورد على “موقع صيدا تي في” يعود إلى سبعينات القرن الماضي وما بعدها، حيث “مر طريق القدس” في كل معركة خيضت في المنطقة، فكان يمر ببغداد إبان الحرب الإيرانية-العراقية، بحسب تصريحات القادة الإيرانيين حينها، وبالعكس فقد مر من طهران بالنسبة الى صدام حسين، فيما عاد ومر من الكويت إبان غزو الكويت، أما أشهر إستخدام فقد كان للقيادي في حركة فتح صلاح خلف (أبو إياد) الذي أطلق شعار”الطريق الى فلسطين تمرّ من جونية وعينطورة وعيون السيمان”، وذلك خلال الحرب اللبنانية التي كانت فيها الفصائل الفلسطينية طرفاً أساسياً في النزاع بوجه الأحزاب المسيحية حينذاك، وقد إبتدع صلاح خلف تبريراً لهذا الشعار من خلال مقابلة أجرتها معه الصحفية في الماغازين اللبنانية الأسبوعية الناطقة باللغة الفرنسية مهى عريضة فروى لها في 3 أيلول / سبتمبر من العام 1977 وفي العدد رقم 1053 الصفحة 18 قائلا ” أريد أن أتحدث للمرة الأولى حول الطريق الى فلسطين تمر بجونية وعينطورة وعيون السيمان، كان هذا حينما كنت ألقي خطاباً خلال مناسبة إحياء ذكرى ثلاثة شهداء لبنانيين سقطوا في عينطورة، حينها سمعت صريخ وبكاء وعويل لجمع من نساء مشاركات، فقطعت خطابي وتوجهت الى إحدى أمهات الشهداء الثلاثة مهدئاً من روعها ففوجئت بما قالته لي ” لقد قبلت بموت ولدي على أساس موته على أرض فلسطين، فلماذا سقط وزملائه على أرض لبنان؟ ولكنني حتى أقدم لها العزاء أجبتها أننا لم نختار عينطورة لنقاتل ولكن بما أننا مستهدفون فإن النضال الفلسطيني يمر في كل الطرقات التي يتواجد فيها الأعداء حتى ولو كانت تلك الطريق تمر في جونيه وعينطورة وعيون السيمان، وبالمناسبة لم يكن ليتواجد أي إعلامي حينذاك فصدرت في اليوم التالي العناوين الرئيسية للصحف اللبنانية ويتصدر تصريحي صفحاتها الأولى، ولكن يوجد لغة للحرب وأخرى للسلام، ولكنني لا أستطيع أن أتحدث لغة السلام وبيدي غصن الزيتون في حين أن المقاتلين الشباب يموتون من أجل القضية، ومن جهة أخرى فلم أكن الوحيد الذي إستخدم اللغة المتشددة”. فتجلت الإنتهازية “الميكيافلية” في أبهى صورها في محطات أخرى من مفاصل السجال السياسي الذي عرفته الحرب اللبنانية، وحتى المرحلة الراهنة لا وجهة واضحة لطريق القدس، الذي لا يزال يمر بالعواصم والمدن العربية واحدة تلو الأخرى، بحسب المستجدات التي تشهدها المنطقة. وإذا ما وافقنا على كثرة الطرق التي باتت تؤدي إلى القدس، تبقى النتيجة أن أحداً لم يصل إليها حتى اليوم، فهل المشكلة في صعوبة “طريق القدس” أم في نية الوصول إليها؟ وفي كل محطة من محطات النزاعات بين اللبنانيين تستنفر العصبيات المتبادلة وتطفو على سطح تلك المنازعات كل المصطلحات العائدة لإيديولوجيات الصراع، وقد ظهر ذلك في الأمس القريب حينما قال رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد أنه “عندما نزل الناس إلى الشارع تحت شعار مكافحة الفساد في البلد، تواجد ناس في الزلقا وجل الديب وهم يرفعون شعار “حزب الله إرهابي” و “لا نريد إحتلالاً إيرانياً في لبنان”، وأضاف “سأقول بصراحة.. أوّلًا إذا كان من إرهاب فهو ممن يطرحون هذا الشّعار، لأن كل تاريخهم مجازر وتهديد للسلم الأهلي وطعن له”، متسائلًا: “ما قصّة الإحتلال الإيراني؟ اين هو؟ من يرى عسكري إيراني في لبنان؟ لكن هؤلاء هم العنصريون المتصهينون في ساحتنا الداخلية، وهم مرتزقة الخارج، يتحدثون عن الإحتلال الإيراني وهم يقصدوننا، لأننا في مفهومهم نحن جالية إيرانية، أمّا هم “فهم فينيقيون” (طالعين من صدف الأرجوان)”.  وأضاف: أيضاً خلال لقاء سياسي أقامه حزب الله في بلدة الزرارية إن “هذا الحقد المتراكم، وهذه الضغينة وخيارهم السياسي الذي هو ضد مصلحة لبنان وسيادته هما خيار التآمر عليه”. وبتنا نتلمس وفي نفس السياق الكشف عن هوية المقاومة لمعرفة عما إذا كانت “إسلامية” أو “وطنية” إذ غاب مطلح “الاسلامية” ليبرز مصطلح “المقاومة” على إطلاقه فيشير حسن فضل الله في الصفحة 129 من الفصل الخامس من مؤلفه “حزب الله والدولة في لبنان” الى أن “سنوات الجهد والتعب والصمود والتضحيات وسيل الدماء في مواجهة الغزو والحروب الإسرائيلية طوال ثمانية عشر عاماً (1982- 2000) أثمرت تحقيق أحد أبرز أهداف المقاومة، وهو تحرير القسم الأكبر من الجنوب والبقاع الغربي، وإزالة جيش الإحتلال وعملائه من البلدات والقرى التي بقيت إثنين وعشرين عاماً تحت الإحتلال ( 1978- 2000) فقدمت المقاومة “التحرير” كإنجاز لبناني لإستقلال تاريخي، يمكن التأسيس عليه لإعادة صياغة الأولويات الوطنية، بما فيها “الإسهام في بناء دولة حقيقية مستقلة ذات سيادة على أرضها وسمائها وبحرها” وذهبنا مع وضاح شرارة لنتحرى حقيقة ماهية هذه الدولة التي وصفها شرارة أنها “دولة حزب الله – لبنان مجتمعاً إسلامياً”.
ويعتقد الدكتور ساسين عساف في مقالة له تم تداولها في مختلف المواقع الإعلامية الإلكترونية وبشكل خاص “اليوم الثامن” بتاريخ 29/8/2020 أن ” نظرية حياد لبنان تتضمن قراءات ناقصة ومرتكزات واهية” كما يطرحها ويروّج لها كثيرون  تقوم على مجموعة مرتكزات سياسية وتاريخية مبتسرة ومجرّدة من خلفياتها وسياقاتها ومآلاتها الصحيحة فتحوّلت إلى تراكيب أو تصوّرات ذهنية مستحضرة من حقائق نصّية لم تلق لها يوماً ترجمة واقعية، فضلاً عمّا يشوبها من مغالطات تاريخية غير مسندة ناتجة عن قراءات مبتسرة. ولقد توسل في مقالته تلك منهجية السرد التاريخي لتسلسل الأحداث السياسية المتعلقة بتاريخ لبنان المعاصر منذ بدايات عام 1920 والمسارات والمحطات المختلفة والمتعددة ليستخلص أن اطروحة حياد لبنان والسلسلة التي تكاد لا تنتهي من العلاقات والإتفاقات المعلنة أو غير المعلنة بين الجانبين اللبناني لا سيما المسيحي الماروني منه والقادة اليهود الإسرائليين ليست سوى الوجه الآخر لإقامة علاقات مع الدولة العبرية. وهذا التوجه يستند على خلفية إيديولوجية تقوم عليها مدرسة التفسير اليهودي للتاريخ والتي وقع ضحيتها ساسين عساف أو إنجذب اليها ضمنياً بحيث أن هذه المدرسة قد تجاوزت الكتب والمذكرات وخلالفها من الوثائق والروايات وأصبحت نمطاً رئيسياً  في منهج الرؤية والتفكير والتحليل لدى قطاعات عريضة ومتقدمة من الكتّاب العرب الذين يتبنون نموذجاً يختزل الأحداث التاريخية لا سيما السياسية منها وكل ما يدور حولنا ببساطة إختزالية شديد، وتكتفي بوضع سنن الإجتماع في قوالب جاهزة تحتضن الحدث أي حدث وينظر اليه من خلالها بدلاً من أن تدرس العوامل الإقتصادية والإجتماعية والثقافية المتداخلة ويتم الغوص في دراسة التاريخ وسننه للخروج من البلادة الفكرية والإقلاع عن الانجرار وراء مصادرة متعسفة لقوانين التغيّر الإجتماعي. ولقد أنتجت هذه المدرسة مدرسة أخرى فرعية هي نظرية “المؤامرة” في تحليل العلاقات الدولية والتي تقوم على فرضية دائمة بأن اليهود يسيرون الدول ويلعبون لعبتهم على الساحة الدولية في صورة حروب وثورات وإنقلابات تستهدف تدمير البشرية وعوضاً من أن تتم دراسة العوامل تقود الى الحروب والثورات والإنقلابات يكتفي محترفو وهواة التفسير اليهودي للتاريخ بتصوير الأمم والشعوب على أنهم أحجار على رقعة شطرنج،وهكذا في كل مرة تندلع فيها حرب ما أو ثورة في مجتمع ما، يصرخ أتباع هذه المدرسة فتشوا عن “المؤامرة” فتشوا عن “اليهود”. ولم تقتصر هذه الإيديولوجية على المخيلة الشعبية بل تسلقت لتبلغ أعلى مراتبها إذ إعتنقها بعض الحكام والنافذين وعدد واسع من الكتّاب العرب ودخلت في صلب خطاباتهم السياسية… فوصلنا الى ما وصلنا اليه قي المرحلة الراهنة، بعدما تراكمت مسيرة الود والإنفتاح على الكيان العبري ودخل الخيط الإسرائيلي في النسيج العربي ليحيك كل الإتفاقات من كامب دايفيد وصولاً الى الإتفاقيات الإبراهيمية التي أبرمت مؤخراً على وقع تجديد وتسريع عملية السلام في الشرق الأوسط.

وأمام إصرار سيد بكركي على التمسك بخيار الحياد، تبقى الإشكالية الكبرى تستند على التساؤل حول ما إذا كان حياد لبنان تجاه صراعات المنطقة يشكل بالفعل علاجاً لأمراضه؟ وهو البلد المتميز بتناقضاته. فكيف نتجنّب مع نجيب صالح معاودة الإضاءة على “كلمات هزّت لبنان” لجورج نقاش Deux Nėgations ne font pas une Nation والخوض في هذه المرحلة بمسائل مصيرية يتقاذفها نقيضان لا يلتقيان على بناء وطن في كيان مصان ومعافى في زمن يطغى العقل القاتل على العقل الحر، فتفسد الأشياء وتتساقط خاصة وأن أهمّ كلمة في العالم كانت ولا تزال تساوي رصاصة”.

 

شاركها.