محمد ياسين نجار
بينما كانت بيانات التفاؤل تتدفق من العاصمة الباكستانية حول “هدنة الـ 15 يوماً” التي هندسها الميداني عاصم منير وشهباز شريف، شهدت خلال ساعات سماء بيروت والجنوب اللبناني تشهد تحولاً مرعباً في قواعد الاشتباك. إن سقوط 254 لبناني و1165 جريح في “يوم الهدنة الأول” (وفقاً لبيانات الاولية الدفاع المدني اللبناني الميدانية) يضعنا أمام استحقاق تحليلي يتجاوز العواطف، لنفكك شيفرة ما جرى عبر ثلاثة سيناريوهات/أسئلة كبرى:
1. هل باعت طهران بيروت مقابل “المخرج الآمن”؟ (حقيقة انكسار “وحدة الساحات”)
من الناحية العملية، تشير المعطيات الميدانية إلى أن طهران قدّمت أولوية “بقاء النظام” وحماية ما تبقى من بنية تحتية إيرانية على عقيدة “وحدة الساحات”.
● المركز مقابل الأطراف: وافقت القيادة الإيرانية على الهدنة بعد تهديد ترامب “الوجودي” بمحو حضارة كاملة. ووفقاً لتصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، فإن إيران “توسلت” لوقف إطلاق النار بعد أن دُمّرت قاعدتها الصناعية للدفاع الجوي ومصانع صواريخها بالكامل.
● الرد العملي الخجول: الموقف الإيراني الذي اكتفى بـ “تعليق الملاحة في مضيق هرمز” رداً على الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان (كما نقلت وكالة فارس) وبعض التصريحات التهديدات الخجولة بالتوقف إن استمر القصف، هو مجرد محاولة لحفظ ماء الوجه، لكنه يثبت عملياً أن “المظلة العسكرية” الإيرانية المباشرة قد طويت عند حدود مضيق هرمز، تاركةً لبنان وحيداً أمام التفوق الجوي الإسرائيلي المطلق.
2. هل قصف نتنياهو لبنان لإحراج ترامب أم لإنقاذ نفسه؟ (استراتيجية “الفصل الجراحي”)
الأرجح أن نتنياهو لا يسعى لإحراج ترامب، بل ينفذ استراتيجية “الفصل الجراحي” (Decoupling) بين ملف إيران الذي سوف يُعالج عبر إسلام آباد وبين ملف نزع سلاح حزب الله بعلم وموافقة ضمنية من البيت الأبيض.
● عزل لبنان: استغلت إسرائيل صمت الطائرات الأمريكية عن إيران لتنفيذ “الهجوم الأعنف” (100 موقع في 10 دقائق). الهدف هو الاستفراد بحزب الله وتدمير قوته العسكرية وهو في حالة “ذهول استراتيجي” بعد غياب الدعم المباشر من طهران المنهكة عسكرياً.
● نتنياهو المنقذ: يرى نتنياهو في هذه الهدنة فرصة تاريخية لإنهاء خطر حزب الله إلى الأبد، معتبراً أن الهدنة مع إيران لا تشمل لبنان، وهو ما يمنحه نصراً عسكرياً داخلياً يعوضه عن إخفاقات سابقة.
3. هل ما يحدث هو “اختبار أمريكي” للوضع الإيراني في المفاوضات؟
هذا هو السيناريو الأكثر رعباً. إن وصف الرئيس ترامب لقصف لبنان بأنه مجرد “مناوشة منفصلة” (Separate Skirmish) هو “الضوء الأخضر” الأكبر.
● فحص اختباري (Stress Test): واشنطن تختبر مدى “تدجين” النظام الإيراني. إذا صمتت طهران على سقوط مئات الضحايا في لبنان (254 شهيداً في يوم واحد) واكتفت بالبيانات السياسية، فهذا يعني لإدارة ترامب أن إيران باتت “جاهزة” لتوقيع بنود الاستسلام الـ 15 في إسلام آباد، بما في ذلك تفكيك برنامجها النووي ومنظومتها الصاروخية والتخلي عن الوكلاء مقابل بقاء النظام مع “المال الوفير” و”إعادة الإعمار”.
الخلاصة:
لبنان اليوم ليس مجرد “ساحة مساندة”، بل هو “الثمن الميداني” الذي يدفعه المحور لضمان النجاة الخاصة لقلب النظام في طهران “الحرس الثوري”.
إيران تلوح بخجل باستخدام “مضيق هرمز” لرفع الحصار عن بيروت، لكن موازين القوى (بعد تدمير الدفاعات الجوية الإيرانية) تجعلها تفاوض من موقع “المدافع عن نفسه” لا “الحامي لحلفائه”.
إن ما نراه في صور الأشلاء والدمار في بيروت هو الحقيقة العارية للمفاوضات: “هدنة في طهران.. وإبادة في بيروت”. ويبقى السؤال الأهم للبنانيين: إلى متى ستبقى لبنان ساحة بديلة لتصفية حسابات وتبادل الرسائل والاختبار مقابل بقاء عروش وأنظمة خارج الحدود؟
ألم يحن الآوان لاستقلال لبنان فعلاً وبناء علاقاته وفقا لمصالحه بعيداً عن الطائفية المقيتة التي فتّت جسده؟!!!


