طارق الحجيري
بعد اتفاق الطائف، ومع تسليم لبنان كجائزة ترضية للنظام السوري البائد فحسب، بدأ عملية ممنهجة لتفريغ الطوائف من داخلها. لم يُسقِطها دفعة واحدة، بل قام بإنهاكها تدريجيًا حتى أُفرغها من نخبها، واستبدلها بشخصيات لا تُجيد إلا الطاعة والولاء.
وكانت الساحة السنية المثال الأوضح. ما جرى لم يكن تراجعًا ذاتيًا، بل إضعافًا ممنهجًا طويل الأمد، أُزاح عبر إجرامه القيادات، ليفسح المجال أمام طبقة من “الوكلاء الأزلام“ الذين لا يمثلون إلا مصالحهم، ولا يُجيدون إلا الانحناء حين يُطلب منهم الوقوف.
الانحدار لم يقتصر على التمثيل، بل طال الفكر والدور. فالموقف عند الأزلام ليس قناعة، بل سلعة يُعاد تدويرها وتلميعها، كي تُباع تحت عناوين الواقعية والبراغماتية، فيما حقيقتها خضوعٌ فاضح أمام الكرسي ومكاسبه.
المشهد مخزٍ ومحزن. فمنذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري،خرجت علينا شخصيات من الهامش، واستُحضرت أخرى من العدم، لتستقرّ جميعها على موائد الممانعة. لا لإجراء مراجعة فكرية ولا لخلقتحوّل سياسي، بل لملئ المناصب السنية بموظفين يسعون إلى الكرسي والنفوذ، ويكتفون بما يُلقى إليهم من فتات السلطة.
تحوّل هؤلاء اليوم إلى أدوات ومأجورين، يهاجمون الحكومة ورئيسهاالآدمي، ويستهدفون كل صوت سيادي، ويزايدون في تخوين المعترضين على النفوذ الإيراني في لبنان. لا مشروع لديهم ولا رؤية، بل دور يؤدّونه مقابل موقع شكلي أو حصة رخيصة.
هؤلاء لا يناقشون فقط يسترزقون. لا يحملون حلولًا لمشاكل، ولا يطرحون بدائل. يرفعون الصوت حين يكون بلا كلفة، ويخفضونه حين يصبح مكلفًا. وفي الحالتين، تبقى المصلحة الشخصية هي الثابت الوحيد.
الأخطر أنهم لا يكتفون بالتموضع، بل يسعون إلى شرعنته. يبرّرون ويجمّلون ويهاجمون كل معترض، حتى تنقلب المعايير، فيصبح الصمت حكمة والموقف تسرعًا، والاعتراض خيانة وعمالة.
نحن أمام نماذج تتقن فن الالتحاق لا فن السياسة. لا ترى في الدولة مشروعًا يُبنى لأجل الوطن والشعب، بل غنيمة تُقتنص، ولو على حساب التوازن الوطني.
المشكلة ليست في اختلاف الخيارات، بل في غياب الكلفة الأخلاقية. حين يصبح الانتقال من موقع إلى نقيضه بلا ثمن، تتحوّل السياسة إلى سوق نخاسة، والانتماء إلى سلعة.
خطورة هذا السلوك أنه يقدّم نموذجًا مشوّهًا للشباب، ويقول لهم أنّالطريق إلى المشاركة لا يمر عبر الموقف بل عبر التزلّف. وأن الصلابة عبء لا قيمة له.
قد ينجح هؤلاء في تسوّل مقاعد أو اقتناص فتات، لكنهم يخسرون حيث لا تُشترى المواقع، في الثقة والكرامة والاحترام.
وليعلم هؤلاء أنّ قيمة السياسي لا تقاس بالموقع، بل بالطريق اليه. وبين من يصل واقفًا، ومن يصل منحنياً، فرقٌ يعرفه ذو الكرامة ويجهله الأزلام.
