مروان حيدر

حكمتِ المنطقةَ العربيةَ عموماً، والشرق خصوصاً، زعاماتٌ مختلفة من حيث التاريخ والمرجع، وتبدّلت هذه الزعامات مع تبدّل الظروف والأدوار والإمبراطوريات التي حكمت عالمنا العربي منذ الفتح الإسلامي للبلاد، فكان لبنان متأثّراً بحركة التاريخ وبالتحولات التي شهدها نظامه السياسي والتغييرات التي طالت طريقة الحكم والإدارة، وفي كلّ هذا كان لأهل السنّة الحضور التأسيسي الراسخ وكانوا أهل الدولة على مرّ السنين.
في العهدين العثماني والفرنسي ومع فجر الاستقلال
منذ عهد الدولة العثمانية وحتى اليوم، كانت العائلات السنية الكبرى المقربة من الدولة العثمانية هي المرجع الأول لزعامة المناطق السنية مع الحفاظ على مبدأ الدولة والسلطان، وتكرّس مفهومُ الزعامة بالمجتمع وكان على أسس متعددة، أهمها الطابع الديني، فشيخ الإسلام أو المفتي كان يلعب دورا مهما في الزعامة المناطقية، ولم يكن هناك فصل بين الدين والسياسة، ما كرّس قوة الحكم، وانتشار الزعامة وإعطاءها طابع الطاعة لولي الأمر.
ذهبت الدولة العثمانية وعاش اللبنانيون مثل باقي بلدان المنطقة حالاً من الضياع، مع حضور زعامات أوجدها الإنتداب الفرنسي لتكريس نفوذها المجتمعي والسلطوي، فبدأت الزعاماتُ العائلية والدينية تتحرّك في مختلف المناطق و تحرّكت معها الزعامات السنية التي كانت وليدة العائلات التي عاشت في المدن الحيوية للبنان، على امتداد الساحل اللبنانية.
كانت الدولة اللبنانية فتية، لكنّ الزعامات السنية العائلية فيها استطاعت أن تلعب دورها الوطني وشاركت بشكل أساسي في استقلال لبنان وصوغ الدستور والنضال بشأن الوطن لجميع أبنائه في أربعينات القرن الماضي…
حملت الزعامة السنية طابع الرمزية الوطنية مع رجالات الإستقلال مثل المفتي عبد الحميد كرامي الذي سجن في راشيا مع رجال الإستقلال، والرئيس رياض الصلح وغيرهم …

التنافس بين القيادات السنية
كان التنافس في المناطق على الزعامة السنية حاضرا في كل المراحل، وكانت الدول المؤثرة في المشهد اللبناني (فرنسا وبريطانيا) وقود هذا التنافس،
في طرابلس مثلا دعم البريطانيون آل كرامي بشكل غير مباشر، فيما دعم الفرنسيون آل المقدم العائلة المنافسة دائما لزعامة آل كرامي للبيت السني الطرابلسي، ولعل حادثة استقبال القائد فوزي القاوقجي في ساحة التل في الرابع من آذار 1947 واغتيال نافذ المقدم ومحاولة اغتيال القاوقجي، إحدى أبرز الترجمات الفعلية لتغذية هذا التنافس من قبل الدول المؤثرة وقتها، لاسيما أن ظل المخابرات البريطانية كان حاضرا في عملية التحريض حينها…
وشكّل العمق العربي فيما بعد، أثراً هاماً في الزعامة السنية الإسلامية على وجه الخصوص، في خمسينات القرن الماضي وخصوصاً إبان الظاهرة الناصرية الجماهيرية وانتعاش النفَس القومي والدفاع عن فلسطين والكيان الوحدوي الذي تكرس بين مصر وسوريا، فاختارت الزعامةُ السنية وعلى رأسها الراحل رشيد كرامي، الناصريةَ السياسية مقابل حلف بغداد.
وتكرس هذا الأثر في حادثة دعوة الرئيس الراحل كرامي للملك حسين الذي كان يؤيد حلف بغداد، للعشاء في حديقة المنشية، وسط طرابلس في العام 1963، تعلو هتافات الطرابلسيين (ناصر ناصر ناصر الله كبير والله الناصر)…
بقيت الخلفية العربية حاضرة عند الزعامة السنية، التي لم تستأثر بها شخصية واحدة أو عائلة واحدة على مساحة الوطن، بل كانت هناك شخصيات وعائلات أكثر تأثيرا مثل آل المرعبي في عكار والقادري في البقاع.

