
بقلم: عبدالحميد ماضي
في واحدة من سلسلة حوادث أمنية متكررة، أقدم سارقان مسلحان على محاولة سرقة دراجة أحد المواطنين في منطقة كركاس الحمرا، بيروت. لم تمر العملية بهدوء كما كان مخطط لها، حيث تفاجأ صاحب الدراجة بالسارقين أثناء تنفيذ العملية، ليبدأ تلاسن تحوّل سريعاً لتبادل إطلاق ناري أسفر عنه مقتل أحد السارقين. الصدمة لم تقف عند هذا الحد، إذ تمثلت في قيام الأجهزة الأمنية بإعتقال المواطن الذي دافع عن نفسه، و كأنه الجاني لا الضحية.
لم يقتصر هذا النوع من الحوادث على العاصمة بيروت فقط، ففي عاصمة الشمال طرابلس، نرى المشهد ذاته يتكرر بشكل شبه يومي. حيث أن في محلّة القبة قبل بضعة أيام من حادث كركاس، أقدم أحدهم بمحاولة سرقة دراجة نارية و الإعتداء بسلاح أبيض على صاحبها، فقام صاحب الدراجة بإطلاق النار على قدم السارق بهدف الدفاع عن نفسه. نرى المشهد يعاد حيث تم إلقاء القبض على صاحب الدراجة و ظل السارق حراً طليق بحجة إطلاق النار عليه.
هذه الحوادث تعكس الخلل العميق في مسار العدالة و تطبيق القانون في لبنان، الذي بدلاً من أن يكون أداة لحماية المظلوم و إنصافه، يتحول إلى سلاحٍ يستخدم ضده و يعاقبه على حق طبيعي و هو حق الدفاع المشروع عن النفس. هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول مفهوم العدالة: هل يُعقل أن يُعامل المعتدى عليه كالمعتدي؟ هل يتحول أخذ الحق بالتحول من اللجوء للأجهزة الأمنية إلى أخذ الحق باليد؟ ماذا ينقص الأجهزة الأمنية للحفاظ على الأمن الداخلي و هو أهم واجب لها؟ أين هي الرقابة القضائية و الأمنية؟ هل تؤخذ التداعيات الناتجة عن غياب العدالة بعين الإعتبار؟
عندما ينعدم الشعور بالأمان في المجتمع يصبح من الطبيعي تفشي ظاهرة تفلت السلاح، فعندما يقتنع المواطن أن القانون لا ينصفه، وأن القوى الأمنية قد لا تصل في الوقت المناسب، أو قد تتعامل معه كمتهم لا كضحية، يضطر إلى أن يحمي نفسه بنفسه. المشكلة لا تكمن فقط في النصوص القانونية، بل في طريقة تطبيقها. فالدفاع عن النفس هو مبدأ معترف به قانونياً، لكن تفسيره و تطبيقه يخضعان لإجتهادات قد تكون بعيدة تمام البعد عن روح العدالة. وفي حالات كثيرة، يتم توقيف من دافع عن نفسه بشكل احترازي، بينما يفلت المعتدي أو شركاؤه من المحاسبة، ما يعزز الشعور بالظلم لدى المواطن اللبناني.
ما ينقص الأجهزة الأمنية في لبنان اليوم هو غياب التنسيق الكامل بين إدارات الأجهزة بسبب إنخراطها في إنقسامات الطبقة السياسية، ما يجعلها مقصرة بواجباتها تجاه الشعب و وظيفتها. كما أن غياب التنسيق بين الأجهزة الأمنية و القضاء يساهم بشكل كبير في أزمة تراجع ثقة المواطنين بالدولة. فالقضاء الذي من المفترض أن يكون الملاذ الأمن للمظلومين، تحول إلى إجراء شكلي غير منصف نظراً لإنخراطه هو الأخر في الانقسامات السياسية.
إعادة بناء الثقة بين المواطن و الدولة هي الخطوة الأساسية لمعالجة الواقع الذي نمر به. و هذا الأمر يتم من خلال: تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية و تفعيل حضورها على الأرض، توضيح و تحديث القوانين المتعلقة بالدفاع عن النفس، بما يضمن حماية حقيقية للمواطن الذي يتعرض للإعتداء، إصلاح القضاء و تسريع إجراءاته، لضمان محاسبة عادلة و سريعة للمجرمين. كما أن تحسين الظروف الاقتصادية و الإجتماعية، التي لا تزال تتفاقم على كاهل اللبنانيين منذ ما يقارب الست أعوام ، يساهم في الحد من الجرائم و يخفف من دوافع اللجوء إلى العنف.
في النهاية، لا يمكن بناء مجتمع آمن حين يُعاقب الضحية و يُترك الجاني. العدالة الحقيقية لا تكتفي بتطبيق القانون، بل تقوم على إنصاف المواطن و حمايته. لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إلى إعادة تصويب هذه البوصلة، قبل أن يصبح الدفاع عن النفس جريمة، و الجريمة أمراً عادياً مرتكبها بريء. التداعيات الناتجة عن الإهمال لا تزال متفاقمة، و يجب أخذ الحلول بعين الإعتبار ليتم ضبطها قبل فوات الأوان
