خالد قباني: إنفعال المحبّ لأهل بيروت الكاره لتناحرهم
الثابت على الاعتدال والصلب في مواجهة أعداء الدولة

أحمد الأيوبي
إنتشر مقطع مصوّر ظهر فيه الدكتور خالد قباني وهو في غاية الانفعال خلال أحد اللقاءات مع العائلات البيروتية في جولته الانتخابية كمرشح ورئيس للائحة “بيروت تواجه” وكان يصرخ فيه:”.. أخبروني لماذا نتعالى على بعضنا ونقاتل بعضنا.. علامَ هذا القتال فيما بيننا، إذا كان الصراع على المنصب، فليأخذوه، لا نريده، فقد أغنانا الله عنه”.. يرفض الوزير قباني أن يهدأ ويكمل بالانفعال نفسه:”لماذا لسنا بارعين سوى في استهداف بعضنا.. إلى متى نبقى في هذا الصراع فيما بيننا من أجل كرسيّ.. من أجل منصب.. كرمال مين؟؟!!”.
بدا الوزير قباني في هذا المشهد وكأنّه أوشك أن يفقد أعصابه من شدّة حزنه وإشفاقه على أهل بيروت بسبب انتشار الصراعات بينهم وانتشار التفرقة بين صفوفهم.

ورغم أنّه مرشح وينافس بقية اللوائح في بيروت الثانية، غير أنّه بدا كمن يركل المناصب برجله ويبحث في وجه الناس عن المحبّة المفقودة والتماسك الغائب والتضامن المفقود، بينما يوشك وحش السلاح غير الشرعي أن يبتلع بيروت وسائر المناطق اللبنانية..
لم يكن خالد قباني يوماً من أصحاب البروباغندا أو الدعايات البهورات الإعلامية، كما هو حال نواب المشاهد التمثيلية، كما فعل إيلي الفرزلي في اتصاله الشهير من أجل الكهرباء، أو كما فعل علي خريس عندما اقتحم مكاتب شركة الكهرباء، أو هادي حبيش في اتصاله الشهير مع المريخيين للمساهمة في إطفاء حرائق عكار.. بل إنّ الوزير قباني معروف بهدوئه واتزانه وابتعاده عن الانفعال، وهو لطالما اعتمد الخطاب العقلاني الراقي.
عندما يغضب صاحب الحكمة للحقّ
لكنّ الواضح أنّ رجل الدولة والأكاديميّ العريق وصاحب الحضور الدائم في المجال الاجتماعي والخيري، تعرّض لضغوطٍ قاسية وشديدة منذ إعلانه ترشيحَه حتى اليوم، وهو يعايش الحملات التي يتعرّض مع لائحته، والاستهداف للرئيس فؤاد السنيورة كراعٍ وداعم للائحة “بيروت تواجه”، وتسليط “الذباب الأزرق” عليهم، وإطلاق حملات التخوين بحقه وبحقّ أعضاء لائحته، فوصلت به هذه الممارسات إلى لحظة إفاضة الكأس وانفجار المرجل، ليظهر لنا في المقطع المجتزأ وقد نفد صبره على شتات الصفّ واتّساع هوّة الصراع، في لحظة تستوجب الوحدة واستنهاض القوى للحفاظ على حدود التوازن المطلوب في المعادلة السياسية، فكان غضب الحكيم للحق.
المخلص لرفيق الحريري الكاره للصراعات الداخلية
خالد قباني المشارك في أعمال اتفاق الطائف، هو النموذج الصادق الشفاف الذي يرفض أن يتخلّى عن حبه لبلده ولأهل السنة ولرفيق الحريري، وقد عايشه وعايش مسيرته، وهو يجد نفسه اليوم في صراع انتخابي سياسي مع نجله، بعد أن افترقت الخيارات واختلفت الاجتهادات، لكنّه يريد الحفاظ على خيوط الودّ ولا يتقبّل حصول هذا الانقسام الحادّ داخل البيت السني الكبير، وعلى مستوى بيروت بشكلٍ خاص.
لم يكن انفعال خالد قباني سوى تعبير صادق عن الاعتدال والتوازن والمحبة الغامرة التي يعيشها رجلٌ عايش مراحل طويلة من النضال الاجتماعي والوطني، وانتهى به الأمر في زمنٍ انقلبت فيه الموازين وضاعت الثوابت، وهو في خياره خضو الانتخابات النيابية يمثّل تلاقي جيله مع أجيال الشباب من أهل بيروت، لتندمج الخبرة والحكمة بالقدرة والقوة والكفاءة في لائحة “بيروت تواجه”.
قوة الاعتدال المواجِه

تابعتُ الوزير خالد قباني في مقابلته مع الإعلامي مارسيل غانم على شاشة “MTV” وشعرتُ في الانطباع الأول بالخيبة، نظراً للاعتدال الذي اعتبرتـُه مفرطاً لدى الرجل، وربما كان هذا انطباع كثيرين غيري شاهدوا المقابلة في مقاربتنا الحامية للأحداث والتطورات السياسية والانتخابية، لكن اليوم، وفي لحظة هدوء، نكتشف الحاجة الماسة لتماسك الوزير قباني وقدرته وجرأته على التمسك بالدستور وبالقيم الوطنية التي باتت يتيمة في هذه الظروف.
في هذا الخضمّ نتذكر أنّنا نواجه ونخوض هذا الصراع من أجل استعادة الدولة وحماية الدستور، وقد تأخذنا المواجهة إلى صدامات فُرضت علينا، بحكم الأمر الواقع، لكنّنا لا نريدها ولا ننجد في أنفسنا الميل لتوسيعها، وخاصة مع من نتشارك معهم في الانتماء والدين، وأعني هنا تيار المستقبل، وها نحن اليوم، بعد أوصل الرئيس سعد الحريري الأمور إلى المواجهة الحتمية بتنا على طرفي النقيض.

رجلٌ مثل خالد قباني، يصعب عليه خوض هذا الصراع الداخلي، وهو الصلب في مواجهة الخصوم، لكنّ ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً على المرء من وقع الحسام المهنَّدِ..
يُجمع خصوم خالد قباني قبل أصدقائه وحلفائه على صدقه وشفافيته وكفاءته، ويعرفون أنّهم لا يجدون في انتقاده ما يوصلهم إلى تشويه صورته سوى ما يرونه من اعتدال حيث يعتبرون أنّه يكرّر تجربة الرئيس سعد الحريري التي يرفضها من خلال ترشيحه اليوم.

يفوت هؤلاء أنّ هناك فارقاً جوهرياً في هذه المقاربة، وهي أنّ الحريري يئس من المواجهة ومن حمل راية الاعتدال، بينما قام الرئيس السنيورة والوزير قباني وأعضاء لائحة “بيروت تواجه” باستئناف المواجهة ورفضوا الخروج من المعادلة وهم يفعلون كلّ ما في وسعهم لحماية بيروت، فلهم شرف المحاولة ولهم كلّ الاحترام والدعم والتقدير.

لهذا نفهم ونتفهم انفعال صاحب القلب السليم والعقل الحكيم واليد البيضاء في ذلك لبيت البيروتي الطيب، ونقول للوزير قباني: إنّ صرختك دخلت قلب كلّ لبناني وكلّ سنيّ وكلّ بيروتي، ونحن فخورون بك وبما تقوم به من جهد في سبيل إنقاذ بيروت وأهلها من وحش السلاح الزاحف، بقوة الاعتدال والثبات على المبادئ والصبر على أذى المتعصّبين الذين أعماهم الولاء الخاطئ، وتناسوا قول عمر الفاروق محذِّراً من تأليه البشر لبعضهم: إذا وجدتهم فيّ اعوجاجاً فقوّموه! فامضِ إلى ما خرجتَ من أجله فإنّك على الحقّ، والله وكيل المؤمنين.

