زياد سامي عيتاني
في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لم يكن المشهد الذي رسمه نجله سعد الحريري مجرد إحياء لذكرى عائلية أو وطنية، بل كان محاولة سياسية لترميم صورة العودة الموعودة. إلا أن التدقيق في تفاصيل هذا الظهور يكشف فجوة هائلة بين الخطاب العاطفي والواقع السياسي المرير؛ فبينما ضجت الساحة بشعارات “الحريرية التي لا تنكسر”، كان الصمت السعودي المطبق هو الرسالة الأبلغ والأكثر قسوة، واضعاً الحريري في مربع “الغموض الاستراتيجي” الذي يعكس ضعفاً بنيوياً لا عبقرية سياسية.
•الغموض كاستراتيجية عجز
اعتمد الحريري في خطابه لغة ملتبسة تجاه الاستحقاقات المقبلة، خاصة الانتخابات. فعبارته: “قولوا لي متى الانتخابات، لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل”، لا تعدو كونها هروباً إلى الأمام. السياسة الحقيقية تُبنى على قرارات حاسمة وبرامج واضحة وتشكيل لجان انتخابية وتحديد حلفاء، وهو ما يفتقده تيار المستقبل حالياً.
لقد أحدث غياب الحريري عن انتخابات 2022 فراغاً سنياً كبيراً، والعودة اليوم تتطلب أكثر من استدرار العواطف؛ تتطلب يقيناً لا يملكه الحريري في ظل فقدانه للموارد والقرار الواضح.
ثانياً: تشريح الخطاب.. شعارات بلا مضامين
عند إخضاع تصريحات الحريري للتحليل، نجد تناقضات صارخة بين الشعار والواقع:
-أسطورة “الحريرية لا تنكسر”: يدعي الحريري أن مدرسته لا تتبدل، لكن الواقع يقول إنها انكسرت فعلياً لحظة الانسحاب والاعتكاف في 2022، تاركةً القواعد الشعبية في مهب الريح. الكلام عن “عدم الانكسار” ليس إعلان عودة، بل محاولة لإنعاش صورة تلاشت.
-سلاح الدولة والطائف: يكرر الحريري معزوفة تطبيق الطائف وحصر السلاح بيد الدولة، وهو موقف مبدئي لا يختلف عليه اثنان في خطه السياسي، لكنه يفتقر إلى “الآلية”. ففي ظل غياب الظهير الإقليمي (السعودي)، يتحول هذا الكلام إلى صرخة في وادٍ سحيق، بلا قوة تنفيذية أو استراتيجية لمواجهة هيمنة حزب الله.
-الاعتدال كتغطية للتردد: وصف الحريري اعتداله بـ “الشجاعة” وصبره بـ “الإيمان”. لكن في العرف السياسي، يرى الكثيرون أن هذا “الاعتدال” ليس سوى تردد مزمن وعجز عن اتخاذ مواقف مفصلية، وتحويل “الصبر” إلى فضيلة هو محاولة لشرعنة الانتظار الطويل بلا أفق.
-وهم الأكثرية: الادعاء بأن “نحن والحق أكثرية” يتصادم مع الحقيقة الرقمية والسياسية. فالانسحاب الطوعي من الساحة أدى إلى تشرذم الصوت السني، وربط “الحق” بالأكثرية العددية هو نزعة شعبوية تحاول التعويض عن غياب الإنجازات الملموسة والبرامج الواقعية.
•الفصاحة في “ما لم يُقَل”
أحياناً يكون المسكوت عنه أهم من المعلن. في خطاب الحريري، كانت الغيابات صادمة:
-تجاهل السعودية: في خطاب يفترض أنه يرسم خارطة طريق، لم يرد ذكر المملكة العربية السعودية بكلمة واحدة. هذا الصمت المتبادل (تجاهل من الحريري وصمت إعلامي سعودي) يعكس عمق القطيعة. فالسعودية، التي كانت العمود الفقري لمشروعه، باتت تعامل خطابه وكأنه “لا يعنيها”.
-غياب البرنامج: لم يقدم الحريري رؤية اقتصادية أو سياسية واضحة، بل اكتفى بالعموميات.-تجنب الاعتذار: لم يفسر للقواعد الشعبية سبب تركهم في فراغ قاتل عام 2022، ولم يقدم مراجعة نقدية لتلك المرحلة.
•حقل الألغام الخليجي والطلاق الصامت
يعيش الحريري مأزقاً بين عاصمتين؛ أبو ظبي حيث يقيم، والرياض التي توصد أبوابها دونه. تحذيره من “الخياطة بمسلة الخلافات الخليجية” يشير بوضوح إلى التوتر الصامت بين القطبين الإقليميين. يدرك الحريري أن:
-العودة بضوء إماراتي فقط تعني صداماً مع الرياض.
-العودة دون مباركة سعودية هي انتحار سياسي وتاريخي.
لذا، يختار البقاء في “المنطقة الرمادية”، منتظراً ريحاً صحراوية قد لا تأتي، مما يجعل خطابه موجهًا للخارج لاستدراج إشارة قبول، أكثر مما هو موجه للداخل اللبناني.
•الصمت السعودي كحكم بالإعدام السياسي
التجاهل الإعلامي السعودي التام (من الشرق الأوسط إلى العربية) لخطاب الحريري ليس عفوياً. إنه قرار استراتيجي بالتخلي عنه كأداة فعالة. فالمملكة، بعد خيبات متتالية وأزمة 2017 الشهيرة، فقدت الثقة في قدرة الحريري على مواجهة التمدد الإيراني. السعودية اليوم إما تبحث عن بدائل سنية، أو قررت التعامل مع “الدولة” اللبنانية مباشرة بعيداً عن الزعامات الطائفية التقليدية التي أثبتت عجزها. وبدون هذا الغطاء، يفتقد الحريري للموارد، والشرعية الإقليمية، والقدرة على المناورة.
•صناعة العدو الداخلي واختزال المؤسسة
بدلاً من بناء جسور مع القوى السيادية، اختار الحريري لغة “تصفية الحسابات” مع من وصفهم بـ “الخناجر” الذين ملأوا فراغه. هذا الخطاب الإقصائي يعمق الشرخ السني-السني ويحول المعركة من “إنقاذ وطن” إلى “صراع على الحصص”.
والأخطر هو استمرار اختزال “تيار المستقبل” في شخص الحريري؛ فلا إصلاحات داخلية، ولا تجديد للقيادات، ولا ديمقراطية حزبية. التيار اليوم هو “رهينة” لمزاج الزعيم وظروفه الشخصية، وليس مؤسسة قادرة على البقاء والاستمرار بمعزل عن الفرد.
•الاستثمار العاطفي في إرث الشهيد
لعب الحريري ببراعة على وتر المشاعر، مستخدماً رمزية والده الشهيد رفيق الحريري لاستنهاض القواعد. هذا “الاستثمار العاطفي” يصفه البعض بأنه “رخيص” سياسياً، لأنه يقدم للناس “مخدراً” من الذكريات بدلاً من “خطة” للمستقبل. البكاء أمام الجماهير قد يمنح شرعية لحظية، لكنه لا يبني دولة ولا يواجه خصوماً مدججين بالسلاح والمشاريع. القواعد الشعبية تستحق الحقيقة: هل هناك قدرة فعلية على العودة؟ أم أن الأمر مجرد محاولة للحفاظ على “حضور رمزي” يحمي المصالح الشخصية دون تحمل مسؤوليات وطنية؟
خاتمة: الحضور الشبحي ونهاية الحقبة
ما نشهده في 2026 هو “سياسة الأشباح”. الحريري حاضر بما يكفي لمنع ظهور بدائل، وغائب بما يكفي للتنصل من المسؤولية عن الانهيار. لكن هذا النهج يؤدي بالضرورة إلى تآكل المصداقية ويأس القواعد.
الواقع السياسي يقول إن “الطلاق الصامت” مع السعودية هو العنوان الحقيقي للمرحلة. الحريري “يذبل ببطء” في ظل “حرم سعودي” لا يبدو أنه سيرفع قريباً. وبدون الغطاء الإقليمي المتين، تبقى العودة مجرد “خيال” وتبقى الشعارات مجرد كلمات فارغة لا تملك رصيداً في بنك السياسة الواقعية. إنها نهاية حقبة حاولت استعادة مجدها بالدموع، بينما يطالب الواقع بالرؤية والقرار والشجاعة التي يفتقدها المشهد الحريري اليوم.
