شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

طارق الحجيري

في ريفنا اللبناني كما في أرياف العرب وكل المجتمعات التي عاشت حياةالزراعة والرعي، لا تُقاس الأمور أغلب الأحيان بميزان  الفرد، بل بميزان الجماعة، صورتها، تماسكها، والمصلحة العليا لها.

“الديك المجيّج” هو الذي يدخل المعركة ويُهزمه ديك آخر أمام الدجاجات. عندها لا يبقى مجرّد طائر خاسر، بل يتحوّل إلى علامة خلل في توازن السرب،هزيمته علنية، صورته مكسورة في زاوية القن، صياحه متقطّع وصوته شبه محظور، فهو لم يعد قادرًا على فرض الهيبة.

في مجتمعٍ صغير تقوم سلطته الرمزية على الانضباط والصورة والتراتبية الواضحة، لا يُنظر إلى الانكسار كحادثة عابرة، بل كشرخٍ آخذٍ بالاتساع. بقاء الديك المهزوم يُبقي الهزيمة حيّة في الذاكرة، وتبقى مرارتها تحزّ في نفوس أولي الكرامة وعزة الأنفس. لذلك يصبح ذبحه في الخيال الشعبي، فعلًا حتميًا لحماية السرب، لا انتقامًا منه.

إنها قسوة تُبرَّر باسم المصلحة العامة، في بيئة تقوم على ثقافة الغلبة وشعارها “الحكم للأقوى المسلّح وليس للأصلح” تصبح التضحية بفردٍ انكسرت شوكته من أجل إعادة تثبيت ميزان القوّة، ورفع معنويات الجماعة وترّقب فرص الانتصار في مواجهات مقبلة. فالسرب كما الريف كما الكرامة لا يحتمل رموزًا مهزوزة.

“ذبح الديك المجيّج ضرورة” ليست دعوة إلى العنف، بل وصف لذهنية متوارثة وواقع قائم، وترى في تماسك الجماعة أولوية مطلقة حتى لو كان الثمن إقصاء من تعثّر.

إنها معادلة قديمة في الريف اللبناني ومعظم الأرياف البشرية، حماية الصورة حفاظًا على البقاء، ولو على حساب الفرصة الثانية للمهزوم. فالديك الذي سقط من أعين الدجاجات سقط من حسابات الزعامة ولا يجوز الرهان عليه مجددًا.

العزّة والكرامة والشهامة ليست مجرّد حكايات جدّات ريفنا الجميل، أو سهراتمواقد الشتاء، وليست قصصًا طواها الزمان وولجت جغرافيا النسيان، بل منظومة قيم تُدار بها الحياة. وحين يُخشى أن يتحوّل تجرّع الذلّ إلى وصفة عز وحكمة يصبح الحسم خيارًا إلزاميًا. في تلك الثقافة لا يُذبح الديك لأنّه خسر فقط، بل لأنه لا يجوز للجماعة أن تتعايش مع صورة الخسارة وطعم الذل ومرارة الهوان.

قالها شاعر العرب الأشهر أبو الطيب:

من يَهُن يسهل عليه الهوان

فما لجرح بميتٍ إيّلام

كي لا نألف الذل والهوان، اذبحوا الديك المجيّج، وذلك أول خطوات الثأر ورد الاعتبار.

شاركها.