شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

صبحي منذر ياغي

” آه يا بعثيون! كم أنتم شديدو القسوة..”

يذكر الصحافي باتريك سيل في كتابه ( الاسد – الصراع على الشرق الاوسط) في الصفحة 251 ، كيف ان الرئيس جمال عبد الناصر سأل زائريه حافظ الاسد، ونور الدين الاتاسي عن أحوال بعثيين سوريين، كان قد عرفهم، فعلم منهما:”أن أحدهم قتل، والثاني يتقلب في السجن، والثالث تم نفيه… وهنا قال عبد الناصر متعجباً: “آه يا بعثيون! كم انتم شديدو القسوة حيال بعضكم البعض…”.

ولعل السبب في استعادة هذه الرواية التاريخية يعود بعدما تقدم النواب ملحم رياشي، نزيه متى، أشرف ريفي والياس خوري باقتراح قانون بتاريخ 28 كانون الثاني 2025 يقضي يحظر استخدام “أيّ تسميات أو مفردات أو صفات أو شعارات أو رموز أو صور أو أعلام أو إعلان أو غيرها من الوسائل، سواء أكانت كتابية أو سمعية أو بصرية أو غيرها، تتعلق أو تدل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حزب البعث العربي الاشتراكي (سوريا) أو قيادته أو نشاطاته أو كل ما يرتبط بنظامه في الأماكن العامّة أو الخاصّة على الأراضي اللبنانية كافة…”.

فقيام حزب البعث سواء في العراق أو في سوريا، ما كان إلا على بحر من الدماء والتعسف والاضطهاد حتى بين رفاق الصف الواحد، كان البعث مدرسة في القمع والقتل، خاصة في سوريا في عهد الرئيس حافظ الأسد، الذي نكل برفاق دربه، وأودع العديد منهم في السجون حتى مماتهم ثم انصرف بعد ذلك الى تمكين سلطته بالحديد والنار، فامتلأت السجون بالمعتقلين من المواطنين وطالبي الحرية، وبالذين كانوا يعتقلون لمجرد وشاية وردت في تقارير لأزلام المخابرات، ونقل الأسد تجربته وممارساته الوحشية الى لبنان، خلال الفترة التي تمكن فيها من أحكام قبضته على هذا البلد، فكانت سجون ومعتقلات البوريفاج وعنجر وفروع المخابرات السورية صورة حقيقة عن حكم البعث الديكتاتوري والدموي، والذي أثمر في لبنان سلسلة من الاعتقالات، والاغتيالات والتصفيات التي طالت زعماء سياسيين، ورجال دين، وصحفيين ومعارضين ونشطاء، اضافة الى تدخلات في الشؤون السياسية والانتخابية، وسرقات وسمسرات بالتعاون مع أعوانهم وحلفائهم من اللبنانيين، وزرع الانقسامات بين الاحزاب والنقابات والجمعيات…

فمن غير المقبول أن يظل لبنان ساحة لهذه الظواهرالمستوردة، التي كانت سبباً لمآسي العديد من اللبنانيين، لا بل أن ذلك يستدعي اعادة النظر في قانون الأحزاب اللبنانية كلها، ووضع ضوابط وقوانين لهذه الأحزاب التي يجب أن تكون مبادؤها متطابقة مع مبدأ (الولاء الوطني)، وأن تكون بعيدة عن المذهبية والطائفية، وتكون عابرة للطوائف، ولا أن تكون مرتهنة للخارج،وحاملة عقائد مستوردة لا تتناسب مع الدستور اللبناني والقيم اللبنانية.

إعادة الحياة إلى المومياء

لقد سقطت هذه العقائد والمفاهيم الجامدة (القومية ، والاشتراكية، والمذهبية والعروبية ) مع مرور الزمن، وأثبتت عقمها، في ظل التحولات العالمية، والتطور العلمي، وباتت العالم مترابطاً في الاقتصاد والأمن والمصير، ومع ذلك تجد البعض ما زال أسير قوالب ومفاهيم عقائدية متحجرة، يعمل لاعادة اطلاقها كمن يحاول اعادة الحياة الى المومياء.

لذا، يجب على الحكومة اللبنانية، ومعها وزارة الداخلية، والمجلس النيابي القيام بورشة حقيقية في لبنان، حول اعادة النظر في قانون “منح التراخيص” للأحزاب، والتجمعات،والجمعيات، والمنتديات، وأن تخضع كلها لشروط وقوانين تتناسب مع القوانين والدستور، ومع العادت والواقع الاجتماعي اللبناني.

“المجلس الاعلى اللبناني – السوري”

من جهة أخرى وكما ذكرنا في السابق، فقد آن الآوان لالغاء كل ما بقي من إرث النظام الاسدي البائد في لبنان، وخاصة تلك الاتفاقات السورية –اللبنانية، التي جرى توقيعها في ظروف غير مؤاتية، وفي ظل احتلال مقنع للدولة اللبنانية، ففي عام 1991 تمكنت سوريا وبفعل التطورات الدولية والتواطؤ الأميركي من بسط سيطرتها الكاملة على لبنان، وكما أي محتل، عمل النظام السوري على فرض اتفاقيات ومعاهدات على الحكومات اللبنانية، ومن بين هذه الاتفاقيات التي عقدت بين البلدين كانت معاهدة «الاخوة والتعاون والتنسيق» والتي كانت خطة سورية، لتضفي شرعية على وجودها العسكري في لبنان. ثم في أيلول ( سبتمبر 1991) وقع لبنان اتفاقية الدفاع والامن بين البلدين. وكان المجلس الاعلى السوري اللبناني إحدى “منتوجات ” معاهدة “الأخوة والتعاون والتنسيق”.

لبنان الجديد، يتطلب ورشة حقيقية، وإعادة تنظيم تشمل كافة القطاعات الحزبية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، حتى نتماشى مع التطورات العالمية المتسارعة، والا بقينا على هامش مسيرة التطور والتقدم.

شاركها.