شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

زياد سامي عيتاني

تشهد الساحة السنية في الآونة الأخيرة تحركات مريبة مفاجئة يقودها أحمد الحريري، الأمين العام لتيار المستقبل، تحت ذريعة التحضير لإحياء الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لكن التدقيق في خلفيات هذا الحراك وتوقيته، خصوصاً في ضوء التسريبات الإعلامية المتلاحقة حول لقاءات سرية مع حزب الله، يكشف عن محاولة بائسة لترميم شرعية سياسية تآكلت بفعل قرار “التعليق” والانسحاب المفاجئ في عام 2022.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد استعداد لذكرى وطنية، بل هو محاولة لفرض واقع سياسي جديد على أنقاض الفراغ الذي تسبب فيه التيار نفسه، مما يشكل خطراً حقيقياً على المشروع الوطني لصاحبها الرئيس الشهيد، وعلى تماسك الطائفة السنية التي تُركت لسنوات دون بوصلة، تتجاذبها رياح التهميش والضياع.
•الغموض والإبهام كأداة للهروب السياسي
يستمر أحمد الحريري في اعتماد أسلوب “التشويق السياسي” الفارغ من أي مضمون جدي، مصرحاً بوجود “موقف جديد”
و”كلمة مفصلية”، دون أن يمتلك الجرأة على تحديد معالم هذا الموقف. هذا الغموض ليس ذكاءً سياسياً، بل هو انعكاس لعدم وجود برنامج عمل حقيقي يواكب حجم الانهيار.
إن استخدام شعارات مثل “الحريرية الوطنية تولد من جديد” و”تاريخنا إلو مستقبل” يهدف حصراً إلى دغدغة عواطف القاعدة الشعبية التي تعاني الإحباط، دون تقديم ضمانات حول كيفية معالجة أخطاء الماضي التي أدت إلى الانهيار. والأدهى أن هذا الغموض يخفي وراءه ما هو أخطر: تفاهمات مع الخصم التاريخي الذي كان يُرفع ضده شعار السيادة، والذي أدانته المحكمة الدولية باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
•تقزيم الإرث الوطني وتحويله إلى “مكتب انتخابي”
في أفدح جريمة سياسية بحق إرث الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يتم تقزيم هذا المشروع الوطني الكبير وتحويله إلى مجرد مكتب انتخابي، لضمان الحصول على بضعة مقاعد نيابية لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة، لقاء “سمسرات” لم تعد تخفى على أحد، في حين أنه وباعتراف الخصوم قبل المؤيدين فإن حجم المشروع العملاق للرئيس الشهيد لم يكن يتسع له الوطن.
أحمد الحريري، الذي كان يُفترض أن يكون وكيلاً أميناً على تركة سعد الحريري خلال فترة غيابه، تحول إلى ما يمكن وصفه بـ “تاجر شنطة انتخابي”. وبدلاً من أن تكون ذكرى 14 شباط محطة للتأمل في قيم بناء الدولة والسيادة والاستقلال التي استشهد من أجلها رفيق الحريري، تحولت على يديه إلى “بازار” لإطلاق الوعود الانتخابية الفارغة ومنصة لإعادة التموضع السياسي على حساب الثوابت.
لقد انحدر تيار المستقبل من حامل لراية “لبنان أولاً” إلى “مكتب انتخابي” همّه الأوحد تأمين مقاعد نيابية تضمن بقاء “المهيمنين” داخل التيار في المشهد، بعيداً عن هموم الناس الحقيقية.
•اللقاءات السرية مع حزب الله وتفنيد شعار “السيادة”
هنا يكمن جوهر الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تحيط بعودة التيار. تتعزز الشكوك حول ماهية هذه العودة عند قراءة ما تسرب عبر قناة “الحدث” حول لقاءات سرية جمعت أحمد الحريري بمسؤولين من حزب الله لتنسيق المرحلة المقبلة، خصوصاً الجوانب الانتخابية منها.
هذه المعلومات، التي وضعت التيار في موقف دفاعي محرج، تشير إلى أن العودة الموعودة ليست لمواجهة مشروع الهيمنة، بل هي نتاج “تفاهمات تحت الطاولة” تهدف لتسهيل عودة التيار إلى الساحة مقابل “تبريد” الملفات السيادية الساخنة وضمان تقاسم نفوذ انتخابي يحفظ لكل طرف حصته في البرلمان المقبل.
ورغم محاولات النفي الباهتة التي أطلقها التيار، إلا أن توقيت هذه اللقاءات التي كشفتها “الحدث” يتزامن بدقة مع بداية الحراك الاحتفالي لذكرى 14 شباط، مما يثبت أن أحمد الحريري يبحث عن “إعادة تموضع” براغماتية تضمن له البقاء ولو على حساب المبادئ الكبرى التي استشهد من أجلها رفيق الحريري.
إن هذا التناقض الصارخ بين “الخطاب السيادي” الذي يُلقى أمام الجمهور وبين “واقعية اللقاءات السرية” مع الحزب الذي أدانته المحكمة الدولية بالوقوف وراء اغتيال الشهيد، يضع مصداقية التيار في مهب الريح أمام الشارع السني. كيف يمكن لمن يُنسق مع حزب الله في الكواليس أن يرفع شعار السيادة والاستقلال على المنابر؟ وكيف يمكن لمن يعقد صفقات انتخابية مع “الخصم التاريخي” والجهة المدانة دولياً بقتل الشهيد أن يدعي الوفاء لدمه؟
•الاستغلال والمراهنة على “التجويع العاطفي”
هنا تبرز النقطة الأكثر خطورة: لماذا لا يزال جزء من الشارع يستجيب لهذا الخطاب المتناقض؟ الحقيقة أن أحمد الحريري يمارس “التجويع العاطفي” بامتياز. فبعد أن تعمد التيار إحداث فراغ في التمثيل السني وتشتيت القوى الحية نتيجة قرار “التعليق” الكارثي، يعود اليوم ليقدم نفسه كـ “منقذ وحيد” و”مرجعية لا بديل عنها”.
إن هذه الاستجابة ليست دليلاً على نجاح الحريري أو قوة مشروعه، بل هي صرخة وجع من جمهور أنهكه الغياب والتهميش، جمهور يُراد له أن يظل “رهينة عاطفية” لا يملك إلا العودة إلى من تسبب في تجويعه أصلاً. يتم استدعاء الناس في ذكرى الشهيد لإثبات “الحشد” أمام الكاميرات والقوى الدولية، ثم يُتركون لمواجهة مصيرهم مع الفقر والانهيار في اليوم التالي، دون أي خطة حقيقية لمعالجة أزماتهم.
إن استغلال حاجة الناس لمرجعية وسط هذا التيه، واستثمار ألمهم لتمرير صفقات سياسية مع حزب الله، هو قمة الانتهازية السياسية والاستهتار بذكاء الجمهور.
•استغلال المتغيرات الإقليمية (سقوط نظام الأسد نموذجاً)
يحاول أحمد الحريري توظيف سقوط نظام بشار الأسد في سوريا كـ “انتصار شخصي” للتيار، مدعياً أن “العالم عاد للحظة اغتيال رفيق الحريري” وأن السياق الإقليمي بات يخدم عودته. هذا الادعاء هو محاولة رخيصة لتجيير دماء السوريين وتضحياتهم لصالح حسابات انتخابية ضيقة في بيروت.
الحقيقة أن العالم تغير فعلاً، والمعادلات الدولية اليوم تبحث عن “رجال دولة” أصحاب مشاريع حقيقية، لا عن “هواة شعارات” يعيشون على أمجاد الماضي بينما يغرق حاضرهم في سوء الإدارة وتضييع البوصلة الوطنية والتنسيق السري مع خصومهم المفترضين.
إن الهجوم العنيف الذي يشنه أحمد الحريري على من يصفهم بـ “وزراء الصدفة” و”النواب العابرين” يهدف فقط لقطع الطريق على أي بديل سني وطني حقيقي يرفض التبعية ولا يقبل بالصفقات تحت الطاولة. إنها محاولة لاحتكار التمثيل عبر تخويف الناس من “البدائل الفاشلة”، بينما الفشل الأكبر هو في التنازل عن الثوابت مقابل كراسي البرلمان.

•الفشل البرامجي والغياب عن هموم الناس الحقيقية
على مدار آلاف الكلمات من الخطابات والتصريحات الأخيرة لأحمد الحريري، لن تجد جملة مفيدة واحدة تتعلق بخطة اقتصادية لمعالجة الانهيار، أو رؤية واضحة لإنقاذ المودعين، أو برنامج لمكافحة الفساد، أو حتى مشروع لإعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة.
إن التركيز الحصري على “الاحتفالية” والشكليات والشعارات العاطفية يثبت أن التيار أصبح “قشرة سياسية” بلا لُب، يعتمد على الذاكرة القصيرة للناس وحنينهم للماضي لتمرير مشروع العودة للسلطة بأسلوب “عفا الله عما مضى”، دون محاسبة أو مساءلة أو حتى اعتذار.
ويحق لكل لبناني، وسني خصوصاً، أن يسأل: ما هي الضمانات الحقيقية لعدم تكرار فشل 2018 و2022؟ كيف سيحقق التيار استقلالاً سياسياً وهو يتحالف عملياً مع الجهة المتهمة بموجب المحكمة الدولية باغتيال شهيد لبنان، رغم ما يلحقه هذا السلوك الانتحاري من استفزاز للمجتمع الدولي وللدول العربية، وتحديداً المملكة العربية السعودية، التي قال عنها سعد الحريري “لحم اكتافنا من خيرها”؟
وكيف سيدافع عن السيادة وهو يعقد صفقات انتخابية مع حزب الله في السر؟ كيف سيواجه الفساد وقياداته نفسها متورطة في منظومة المحاصصة التي أوصلت لبنان إلى الإفلاس؟ وهل بات الفساد الذي يحيط بالجانبين هو القاسم المشترك لتحالفهما، خصوصاً ووفقاً للمصادر الإعلامية فإن أحد بنود التحالف يقضي بإقفال ملف الهندسات المالية!؟
•الثمن الوطني للصفقة الانتخابية
إن أخطر ما في هذا المشهد هو الثمن الذي سيدفعه لبنان مقابل هذه “الصفقة الانتخابية” المُنكرة بين التيار وحزب الله. فالتنسيق الذي كشفته “الحدث” ليس مجرد تفاهم تقني حول الدوائر الانتخابية، بل هو تنازل استراتيجي عن الثوابت الوطنية الكبرى التي كان يرفعها التيار: السلاح غير الشرعي، القرار المستقل، سيادة الدولة، العدالة الدولية.
ما قيمة “عودة” تيار المستقبل إذا كانت بثمن السكوت عن السلاح؟ وما معنى “إحياء ذكرى الشهيد” إذا كان يُستخدم كغطاء للتفاهم مع المدانين دولياً باغتياله؟ وما جدوى “الحشد الشعبي” إذا كان الهدف منه مجرد تأمين مقاعد نيابية في برلمان عاجز عن إنتاج حالة تغييرية إصلاحية وإنقاذية؟
إن الشارع السني، الذي عانى التهميش والإقصاء، يستحق أفضل من “زعيم بالوكالة” يتاجر بألمه مقابل كراسي البرلمان. يستحق قيادة تملك الشجاعة للاعتراف بأخطاء الماضي، والجرأة لمواجهة التحديات الحقيقية، والنزاهة لرفض الصفقات المشبوهة مع من اغتالوا الشهيد.
•كان للمستقبل تاريخ… فماذا عن المستقبل؟
إن الشعار الذي رفعه أحمد الحريري “تاريخنا إلو مستقبل” يحمل في طياته سخرية مريرة؛ فالمستقبل الذي يبشر به هو مجرد نسخة مشوهة من ماضٍ مليء بالتنازلات والصفقات التي أضعفت الدولة وهمّشت الطائفة السنية. إذا استمر هذا النهج الإشكالي، المبني على الغموض في الخطاب والتنسيق السري مع الخصوم، فإن الشعار الحقيقي سيكون: “لقد كان للمستقبل تاريخ… وانتهى”.
لبنان والشارع السني لا يحتاجان إلى “وكلاء تفليسة” يعودون بزي “تجار شنطة” يبيعون الثوابت مقابل المقاعد، بل إلى وجوه وطنية شابة ترفض المتاجرة بدم الشهيد، وتعمل على بناء دولة المواطنة بعيداً عن الارتهان للمال أو الطائفة أو الصفقات السرية مع حزب الله.
المواطن اللبناني يستحق قيادة تحترم عقله ولا تعتبره مجرد “رقم” في مهرجان خطابي ينتهي مفعوله بانتهاء التصفيق، قيادة لا تكتفي بالشعارات العاطفية بل تقدم برامج حقيقية، قيادة لا تعقد صفقات في الظلام ثم تتحدث عن السيادة في العلن.
إن اختبار أحمد الحريري الحقيقي ليس في قدرته على حشد الجماهير في ذكرى 14 شباط – فهذا أمر سهل باستثمار العاطفة والحنين، بل في استعداده للإجابة الواضحة والصريحة عن السؤال الذي يؤرق كل سني شريف: هل اجتمعت فعلاً مع حزب الله لتنسيق العودة الانتخابية؟ وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا كل هذا التهرب والغموض؟ وإذا كانت نعم، فبأي حق تتحدث عن إرث الشهيد رفيق الحريري؟
التاريخ سيسجل أن تيار المستقبل كان يوماً حاملاً لمشروع وطني كبير، لكنه تحول على يد قيادة ضعيفة إلى مجرد “ماكينة انتخابية” تتاجر بالذكريات وتعقد الصفقات في الظلام.

شاركها.