سردية الغباء من 2005 إلى اليوم
طارق الحجيري
وهم البداية
منذ عام 2005 لم تبدأ أزمة السنّة في لبنان فقط من الهزيمة السياسية التي شكّلها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، بل من الوهم الكبير الذي نتج عنها.
وهمُ أن الاعتدال وحده يكفي لإدارة بلدٍ مفخّخ، وأن حسن النيّة قادر على موازنة فائض قوة سلاح الجريمة، وأن الخطاب الهادئ يمكنه أن يعوّض غياب المشروع والصلابة.
في تلك اللحظة حصل تعاطف شعبي هائل واندفاعة سياسية حقيقية، وفرصة نادرة لاستعادة دور وازن داخل الدولة. لكن بدل تحويل هذا الزخم إلى قوة تفاوضية واضحة المعالم جرى استهلاكه في خطاب أخلاقي إنشائي ركيك بلا أدوات، بلا خطوط حمراء وبلا أي فهم لطبيعة الصراع أو لطبيعة الخصوم.
الاعتدال كسياسة انتظار
بين عامي 2006 و2010 رُفع شعار الاعتدال في مواجهة فائض السلاح المجرم، لكن هذا الاعتدال لم يكن إدارةَ صراع، بل انتظارًا سلبيًا. لم يبنِ توازنًا، لم يحمِ شراكة ولم يستخدم أوراق القوة المتاحة سياسيًا وشعبيًا. جرى التعامل مع السياسة كمساحة نوايا حسنة، لا كميدان صراع مصالح.
من هنا بدأ التآكل الخبيث الصامت للدور، خطوةً خطوة بلا ضجيج ومن دون أيّ مقاومة سياسية تُذكر، وكأن الخسارة التدريجية أقل فداحة لأنها لا تُسمّى هزيمة كاملة.
الانعطافة الفاضحة
عام 2011 كانت اللحظة الكاشفة. الإسقاط المُهين لحكومة سعد الحريري غيّر الموازين وكرّس منطق أن من يملك القوة يفرض الوقائع. في تلك اللحظة بدل أن يتحوّل الاعتدال إلى صلابة سياسية، وإلى إعادة تموضع واضحة، وإلى دفاع صريح عن الشراكة والدور، تحوّل إلى صمتٍ مُطبق، وحرد سياسي طفولي.
صمتٌ مُهين جرى تسويقه على أنه تعقّل وحكمة، فيما كان في جوهره عجزًا عن المواجهة السياسية لا خيارًا عقلانيًا.
تسويات بلا مقابل
ما بين عامي 2014 و2016 دخل لبنان مرحلة التسويات الكبرى. حينها بلغ الاعتدال ذروة انحطاطه. قُدّمت تنازلات استراتيجية تحت عنوان الواقعية، فيما كانت الواقعية الفعلية تقتضي ألّا تُخرِج الطائفة نفسها بنفسها من مركز القرار.
لا موقع حُفِظ لا صلاحيات حُمِيَت، ولا مقابل سياسي واحد جرى انتزاعه. جرى التعامل مع الخسارة كقدرٍ حتمي ومع التراجع كضرورة وطنية، ومع الإقصاء كأمر حتمي لا يُناقَش ولا يُمَسّ.
انكشاف الكذبة
بعد عام 2019 ومع الانهيار الشامل انكشفت الكذبة بالكامل. الاعتدال عجز عن حماية الدولة ولم يحمِ الناس. تجنّب الصدام لكنه لم يمنع الانهيار. والقيادات نفسها التي برّرت عجزها سابقًا بالحكمة، وقفت عاجزة حتى عن إدارة غضب جمهورها، أو عن تقديم رواية سياسية مقنعة لما حصل.
ما بعد سقوط المحور
سقوط بشار الأسد وزعزعة موقف إيران أتاحا فرصة نادرة لإعادة التموضع. لم تعد حتمية القوة مطلقة، وظهر أن الثوابت الإقليمية قابلة للاهتزاز. لكن هذه اللحظة يستغلها من يملك رؤية واضحة، ومشروع سياسي محدّد، وحضور فاعل داخل المعادلة. انتظار الاعتدال نفسه يعني ضياع الفرصة كما ضاعت سابقًا.
الحصيلة الصفرية
اليوم وبعد عقدين من الزمن، النتيجة واضحة ولا تحتمل التذاكي دور سياسي مُفرَّغ، تمثيل ضعيف حضور باهت، وطائفة تُطالَب بالصبر فيما يُعاد توزيع البلد من دونها كلّ ذلك باسم الاعتدال.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى، فما جرى لم يكن اعتدالًا، بل غباءً سياسيًا مزمنًا. سوء تقدير مستمر، وخلط كارثي بين تجنّب الحرب وحماية الحقوق بين العقلانية والاستسلام، بين الدولة كفكرة والدويلة كقوة أمر واقع.
في لبنان لم يُغتَل دور السنّة بالقوة والمتفجرات فقط، بل حين تُرك ينزف على يد من ادّعوا الاعتدال وهم يفتقرون إلى أبسط مقوّمات الفهم السياسي.
فالاعتدال الذي لا يفرض توازنًا هو غباء.
والاعتدال الذي لا يحمي جماعته هو خيانة سياسية بلا دم.
والاعتدال الذي يطلب من الناس الصبر على الإهانة هو إدمان مُمنهج للذل باسم الحكمة.
ثم يأتي من يطلب من الناس التصفيق له لأنه “جنّبهم الحرب” كأن الخسارة الصامتة إنجاز، والإخراج الهادئ من المعادلة فضيلة.
ما حصل لم يكن اعتدالًا، بل سقوطًا بطيئًا ذليلًا وبلا كرامة.
