شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

رفض شعبي للائحة ميقاتي: نموذج مضغّر للفشل في الإنماء والسياسة

أحمد الأيوبي

مشهدٌ ثلاثيّ الأبعاد ظهر في الأيام القليلة الماضية فيما يتعلّق بقضية غرق آخر قوارب الموت في مياه طرابلس الإقليمية يشمل أداء رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، واحتضان قائد الجيش لأهالي الضحايا، ودعم الوزير أشرف ريفي لذوي الضحايا وبدء انتقال مفاعيل موقف الأهالي إلى الشارع شعبياً وسياسياً وانتخابياً، وانعكس هذا السلوك السياسي في الشارع.

أبعاد الأزمة وتطوراتها

البعد الأول: برودة ميقاتي وحكومته

تبدي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مماطلةً مستهجنةً في الاستجابة لمطالب أهالي ضحايا آخر قوارب الموت في طرابلس بطلب الاستعانة بقطع بحرية ومعدات متطورة من الدول الصديقة للبنان.

لم يستطع الرئيس ميقاتي إعطاء الزميل ربيع شنطف بضع دقائق من اهتمامه عندما سأله عن حقيقة المسؤوليات الملقاة على عاتقه وعاتق حكومته تجاه كارثة قارب الموت، ليلقي باللائمة على “القدر” وليرمي كلمات بضع كلمات باردة حول صعوبة الوضع الاجتماعي، معتبراً أنّ الحادثة المؤسفة يعلم الجميع أنّ المسؤولية تقع في لحظتها.. القدر أدى إلى ذلك، ونحن نأسف على ما حصل..”.

من الناحية العملية، تعامل ميقاتي مع كارثةٍ بهذا الحجم ببرودة غير عادية، وهو في هذا السياق أهمل واجبه في الاتصالات مع الدول العربية والأجنبية الصديقة لاستقدام القطع البحرية والآلات اللازمة لانتشال المركب وضحاياه الراقدين على عمقٍ يتجاوز الأربعمائة متر.

البعد الثاني: إحتضان قائد الجيش للأهالي

إستقبل قائد الجيش العماد جوزاف عون الأهالي ويشرح لهم جهود المؤسسة العسكرية التي تبذلها لاستكمال لانتشال الضحايا ويضع إمكانات الجيش بتصرّفهم، بادر اللواء أشرف ريفي إلى تقديم مساعدة عبر شركة خاصة تولّت تأمين آلات تصوير متقدّمة لمحاولة سبر أغوار مركب الموت وتحديد مكانه وسبل انتشال الضحايا من الأعماق التي يرقد فيها.

هذا الموقف من قائد الجيش أغلق الباب أمام محاولات رمي الفتنة وإشاعة الفوضى في طرابلس وأعطى الأهالي ضمانة استمرار التحقيق في القضية بشفافية كاملة، ليُسحب هذا الملف من التداول السياسي فيما يتعلّق بدور الجيش، وليبقى أداء المسؤولين السياسيين مثار محاسبة ومتابعة على بُعد أيام معدودة من 15 أيار.

البعد الثالث: دعم ريفي واحتضانه للأهالي وتجاوب قيادة الجيش

منذ لحظات الكارثة الأولى، عمل الوزير ريفي بجهد ومثابرة لمساعدة الأهالي في استيعاب الموقف ومساندة الناجين، وفي التعرّف على مصائر ذويهم، وسعى مع شركةٍ خاصة لتأمين بعض المعدّات التقنية المتطورة لسبر أغوار دائرة غرق المركب، وذلك بعد أن وافق قائد الجيش على مساعدتهم في استخدامها على متن طرادات البحرية اللبنانية.

كان استقبال قائد الجيش العماد جوزاف عون راقياً وإنسانياً، فاحتضن بإنسانيته ومحبته أهالي الضحايا ووضع بتصرفهم كلّ إمكانات الجيش وأكّد لهم أنّه مستمرٌ في مساعيه لاستقدام القطع البحرية القادرة على انتشال المركب الغارق.

وجد الأهالي في مبادرة الوزير ريفي التفاتة إنسانية في أشدّ أوقاتهم صعوبة، بينما يرقد ذووهم في أعماق البحار، وهو الذي يتابع معهم ويعمل على توفير المزيد من الإمكانات لتحديد مكان القارب ودعم جهود قيادة الجيش لانتشاله وإنهاء مأساة الانتظار القاتل لدى الأهالي.

جهدُ الوزير ريفي لا يكفي وحده لانتشال المركب، لكنّه فعل كلّ ما باستطاعته وقدّم ما بإمكانه فعله، وهو مستمرٌ في هذه الجهود، وقيادةُ الجيش أتمّت مراسلاتها المطلوبة، وهي بانتظار الردود وبانتظار تحرّك السلطة التنفيذية.

غضب شعبي ينعكس على لائحة ميقاتي

إهمال ميقاتي لقضية الاهالي

إنعكس برود ميقاتي وإهماله تجاه أهالي الضحايا غضباً سريع الاشتعال في الشارع، وهو ما عبّر عنه عدد كبير منهم عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بنبرة عالية وحادّة، خاصة أنّه بدا لهم أنّ من يشغل موقع رئاسة الحكومة وهو ابن طرابلس، لا يتصرّف بأدنى موجبات المسؤولية عن هذه الكارثة، وهو في رئاسة السلطة التنفيذية ومن أصحاب القدرات والعلاقات والإمكانات الكبيرة.

تحوّل الغضب على ميقاتي إلى مسارٍ شعبي وسياسي، فنالت لائحته، التي تحمل اسم “للناس”، القدر الأكبر من الرفض والعزل والتقييم السلبي من الجمهور الطرابلسي، على قاعدة أنّ راعيها غير مكترث بإنسان طرابلس وبآلامه وقضاياه، فهل يكون وكلاء الدرجة العاشرة أفضل منه في التعامل معهم، ليسود الاستنتاج بأنّ هؤلاء المرشحين سيكونون نسخة فاشلة من مسارٍ لم يستطع أن يقدِّم لطرابلس سوى مساعداتٍ محدودة، بينما كان يُنتظر منه تطوير مرافقها العامة وتأمين حقوقها في الدولة ومنها، وتوفير فرص العمل حتى لا يرمي أبناؤها أنفسهم وأطفالهم في لُجَجِ البحار وتبتلعهم أمواجه وأعماقه المظلمة!

كان باستطاعة الرئيس ميقاتي حسم الموقف والطلب من السعودية أو فرنسا أو تركيا المساعدة التقنية في هذا المجال، فهل ينتظر أن تتحوّل حكومته إلى حكومة تصريف أعمال بعد 15 أيار أم أنّ له  حساباتٍ أخرى غير منظورة في ملفٍّ كان يفترض أن يكون فيه المسؤول المحتضن لأهالي الضحايا والمبلسم لجراحهم، لكنّه رأى أنّ تحميل المسؤولية للقدر كافٍ لإدارة ظهره لهم وإراحة ضميره من هذه القضية.

أهالي الضحايا المفقودين ليسوا وحدهم، ومن يتضامن معهم يتضامن مع طرابلس ومن يهملهم يرى أهلُها وسائر اللبنانيين إهماله وجحوده الظاهر والباطن.

شاركها.