الدكتور محمد بدرة
في كل المناطق التي زارها، كان الرجل منصتاً، لا يُشعل سيجارته أثناء الخطاب، ويزور أصحاب السماحة في بيوتهم بدل أن يستدعيهم إليه، وكان احياناً يرتبك أمام بعض الأسئلة التي وُجّهت إليه.
حتى أن زيارته لوديع الشيخ كانت في منزل الأخير، من دون أن نفهم حتى اللحظة ما قيمة وديع الاجتماعية أو السياسية أو الفكرية، كي تُخصص له زيارة في بيته، بينما يزحف بعض مشايخنا ونوابنا إليه.
ما إن وصل إلى عكّار حتى انقلب المشهد:
ارتفع الهرج والمرج، وتراجع احترام المنبر، وأُشعلت السيجارة خلال الخطاب، ولم يتوقف صبيانه عن الثرثرة للحظة. والمناسبة؟ لقاء لا مساءلة فيه ولا مكاشفة، بل تصفيق أعمى وطرطقة صحون لنفس الجوقة التي ما امتهنت يوماً سوى التصفيق.
وحين صعد المنبر، أنصت قطيعه وتوقف عن الثرثرة، فخرج عن كل لياقات الخطاب، مخصصاً نصف كلمته لنصّ مكتوب سلفاً، أُعدّ للنيل من محطة إعلامية لها رمزيتها الواضحة جداً، متهماً إياها بالتواصل مع جهة حزبية، فيما يشهد الجميع أنها كانت وما زالت رأس حربة في مواجهة مشروع تلك الجهة، يوم كان هو يبرم الصفقات تلو الصفقات، وعلى رأسها الصفقة الرئاسية، ويحوّل الدولة إلى دكاكين مستباحة، ويغرق البلاد في مستنقع الصفقات والمحاصصة، بالشراكة الكاملة مع تلك الجهة الحزبية.
انتهى اللقاء، وعاد فريقه إلى الانتشار على موائد المرشحين، فهذا يدير حملة فلان مقابل المال، وذاك يكتب مقالات لمرشحين لا يكادون يُحسنون النطق مقابل المال، وغيرهم وغيرهم، حتى تحوّل إرث الرئيس الشهيد إلى ألعوبة بين يدي حفنة مرتزقة لا يعنيها من الأمر سوى جني الأموال الموسمية، مهما كانت متّسخة وقذرة.
أما عكّار، فنامت ليلتها على ذات الحرمان والتهميش المزمن، منذ كان “الحصن الحصين” في قلب الدولة، يوم كانت المليارات تُنثر على سائر المناطق اللبنانية على هيئة مشاريع، يوم كانت حصة عكار جزمةً من كاوتشوك، ورزمةً من الوعود الكاذبة والمكررة عند كل مرة يحتاج فيها الأمر إلى حشدٍ للقطيع.
