
بقلم جمال الزعيم المنجد
المدير العام السابق للمعهد الوطني للإدارة
نشرت جريدة «الأخبار» في عددها الصادر السبت ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦ أن الأستاذة جان الخولي، قائمقام المنية-الضنية بالإنابة، قد تم استدعاؤها من قبل فرع المعلومات، للتحقيق معها في عملية غش واحتيال قام بها مرشح للانتخابات الاختيارية المنصرمة، بسبب إجراء امتحان الكتابة المطلوب لقبول ترشيحه، إذ دخل مكان المرشح للمركز الاختياري شخص آخر بدلاً منه، كون المرشح لا يحسن القراءة والكتابة. وبعد نجاحه في الانتخابات، تقدَّم منافسه بطعن أمام مجلس شورى الدولة، ليُكتَشف أنه لا يُحسِنهما. وعليه، أبطل المجلس فوزه بالانتخابات، وتم استدعاء القائمقام للتحقيق في هذه الواقعة (انتهى الخبر الذي أوردته الجريدة المذكورة).
استفزني هذا النبأ لأنني، رغم غربتي منذ أعوام، أتابع يومياً ما يجري في وطني ومحافظة الشمال ومدينتي طرابلس، وكذلك لأنني أعرف حق المعرفة جان الخولي، خريجة المعهد الوطني للإدارة، الخلوقة المتفوقة، طالبة الأمس وزميلة الحاضر، والابنة الكريمة التي تعتبرني بمثابة أبٍ معنوي لها.
وقبل أن أبرئ ساحة العزيزة جان، أحببت أن أقول إن جريدة «الأخبار» في هذه المسألة كانت ضحية من افترى على جان في فبركة الخبر ولصقه بها، بهدف تشويه سمعتها التي لا تملك ما هو أغلى منها، فهي تربت في بيت كريم، وتعيش حياة متواضعة، كسائر موظفي الدولة الشرفاء، الذين لم ولن أتردد في الدفاع يوماً عن أي أحد آخر منهم أعرفه وأعرف سيرته ومسيرته.
فصحيفة «الأخبار» وقعت أصلاً في الأخطاء التالية:
– في الشكل: لم تستطلع الجريدة رأي المعنية بالخبر قبل نشره، فمن باب آداب المهنة أن يتاح لمن يُتَّهم أن يدافع عن نفسه قبل النشر، وهذا أدنى الحقوق الإنسانية المعروفة بمبدأ قانوني (Principe du contradictoire et droit de la défense) ، وإلا فتحنا الباب للقاصي والداني أن يشوه سمعة من يشاء، متى يشاء، بأي تهمة يشاء، وعلى أي وسيلة يشاء. وبالتالي، من يُترك له المجال الاستهانة بكرامات الأبرياء، فهل سيكون بمنأى أن تشوَّه سمعته هو الآخر يوماً من حاقد أو ناقم أو متطاول أو خسيس؟
أما في المضمون: فتتحدث الصحيفة عن رجل اسمه جان (Jean) فيما المعنية بالأمر اسمها جان (Jeanne)، وتذكر اسم عائلتها «الحولي» فيما هي «الخولي»، ناهيك عن فبركات أخرى في الخبر، منها:
– تقول الصحيفة إنه تم استدعاء القائمقام من قبل فرع المعلومات، وهذا عار من الصحة، إذ أن العزيزة جان هي من قامت تلقائياً بتزويد أمن الدولة بالمعلومات التفصيلية (حيث كان قد بدأ بالتحقيق، كون هذا الجهاز الأمني يتضمن قسماً متخصصاً بمراقبة أداء الإدارات العامة والمرافق العامة)، وقد أودع صاحب العلاقة في السجن تمهيداً لمحاكمته.
– وما لم تقله الصحيفة إن القائمقام، عندما علمت بأمر التزوير الذي حصل، استدعت صاحب العلاقة وقامت باستجوابه (وهو استجواب مصور يظهر حجم الارتباك الذي وقع فيه)، ولأن العزيزة جان هي بالأصل محامية، ثم طالبة لمدة عام ونصف في المعهد الذي درَّبها ورفاقها على الكثير من العلوم والمعارف والمهارات، ولذلك فهي تحتفظ، كأي قائد إداري حصيف، بالمستندات التي تظهر الغث من الثمين، وتبين الصحيح من الخطأ.
وما لا تعرفه الجريدة، ولكن أعرفه أنا جيداً، ويعرفه زميلات وزملاء جان، وكذلك تعرفه وزارة الداخلية والبلديات، ابتداءً من معالي الوزير الحالي اللواء أحمد الحجار، ومعالي الوزير السابق القاضي بسام مولوي، وما يعرفه أهل الضنية والمنية الكرام، ابتداءً من نوابها ومروراً بمسؤوليها وبلدياتها، وصولاً إلى أبسط مواطن فيها، ما يلي (وهذه ثلاث بين مزايا أخرى):
– أن السيدة جان الخولي هي موظفة محترفة ومحترمة، وهي بالأصل رئيسة دائرة في محافظة الشمال بطرابلس، ولكنها منتدبة من قبل الوزارة لعمل القائمقامية التي تخصص جلَّ وقتها وجهدها وعلمها لخدمة المجتمع والناس، وتسدد من جيبها الخاص (وغالباً بمساعدة شقيقات لها في الخارج) ما يعجز راتبها الزهيد عن القيام به لتأمين مصاريف تنقلاتها بين منزلها ومكان عملها (المسافة التي تقطعها تزيد في كل مرة عن ١٠٠ كلم ذهاباً وإياباً).
– أن السيدة جان الخولي دأبت، وبموارد مالية وبشرية محدودة جداً، على الاهتمام بكل ما يقع ضمن صلاحياتها، بشغف وإنسانية وأخلاق، وتحت سقف القانون والنظام العام، بما يُحسِّن جودة الخدمات المقدَّمة من قبل الدولة في المجتمع المحلي الذي تعمل فيه، والذي يحتاج إلى كثير من المراقبة والمتابعة والنزاهة والتفاني والحرص والسهر الدائم، من أجل تأمين مصالح الناس، من دون أي منةٍ أو تعالٍ أو تعاملٍ فئوي أو طائفي أو مذهبي، وهذا دأب الشرفاء المميزين في الإدارة العامة.
– أن السيدة جان الخولي تستقبل في مكتبها كل من يدق بابها، وتتعامل مع الجميع بمودة ولطف واحترام، من منطلق «الخدمة العامة» الصادقة المتجردة عن الأهواء والشخصانية والأنانية والمصلحة الفردية، وذلك من أجل تحقيق المصلحة العامة، وهي ترفض رفضاً قاطعاً قبول الهدايا من الجميع، حتى الرمزية منها.
ولن أزيد كي لا أطيل، ولكن لي وقفة أخيرة مع مسألة «البهتان» الذي يفوق «الكذب» لما يتضمنه من افتراء فاحش على الأبرياء، بهدف التضليل والنيل منهم، ولذلك فالإنسان السوي (لأي طائفة انتمى) مطلوب منه أن يمتنع عن فبركة الأخبار الملفقة ونشرها، كي لا يعاقب أمام القانون، وأمام الله… وعقاب القانون أهون بكثير من عقاب الله الذي لا بد أن يقتص يوماً من المفتري (الذي يزود الإعلام بأخبار مضللة) بأغلى ما يملك: سمعته وكرامته.
وعهدي لكل شريف عفيف أعرف نظافة كفه أن أدافع عنه، كي لا يُنهَش لحمه من قبل من لا يخاف الله، فنحن نعيش للحق ومع الحق، في زمن كثر فيه الباطل.
إذا أردنا أن نبني في لبنان يوماً دولة القانون والعدالة الاجتماعية، وقوامها الإدارة العامة الرشيدة، علينا جميعاً تمكين وتكريم جان الخولي وكل من يماثلها في الأداء والأخلاق.
