شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

نظام مير محمدي

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

بينما كانت نيران الدبابات الإسرائيلية تستهدف، يوم الجمعة 23 يناير، دورية مشتركة للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل قرب “وادي العصافير” جنوبي الخيام، كان صدى هذا التصعيد يتردد في أروقة القرار المظلمة في طهران أكثر مما يتردد في الضاحية الجنوبية. إن المشهد اللبناني في الأسبوع الأخير من يناير 2026 لا يمكن قراءته بمعزل عن الزلزال الجيوسياسي الذي يضرب نظام ولاية الفقيه في عقر داره. نحن أمام لحظة تاريخية تنكشف فيها حقيقة استراتيجية طالما حذرت منها المقاومة الإيرانية: عندما يختنق “رأس الأفعى” في طهران، تفقد الأذرع توازنها وتصبح عاجزة عن المناورة.

 

وهم الاستقرار وجحيم الجنوب

شهد الأسبوع المنصرم في لبنان مفارقة صارخة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. ففي الثامن من يناير الجاري، أعلنت قيادة الجيش اللبناني، تحت إمرة الرئيس جوزيف عون، استكمال “المرحلة الأولى” من خطة نزع سلاح الميليشيات جنوب نهر الليطاني. إلا أن أحداث الأيام السبعة الماضية أثبتت أن هذا الإنجاز لا يزال حبراً على ورق في ظل استمرار الهيمنة الخفية لحزب الله، الذي يناور للبقاء رغم انقطاع شريان الحياة عنه.

 

الخروقات الإسرائيلية المستمرة، والتي توجت باستهداف الأمس وقصف مناطق شمال الليطاني، تؤكد أن تل أبيب لا تشتري رواية “النزع الطوعي” للسلاح. والواقع أن حزب الله، الذي كان يهدد بإزالة إسرائيل من الوجود، بات اليوم يختبئ خلف الجيش اللبناني، عاجزاً عن الرد العسكري المباشر، ومكتفياً ببيانات التخوين التي طالت الرئيس عون نفسه عبر حملات إلكترونية مسعورة خلال الأيام الماضية. هذا العجز ليس تكتيكياً، بل هو انعكاس مباشر للجفاف المالي واللوجستي القادم من طهران.

 

طهران تحترق: الجبهة الخلفية المكشوفة

لفهم ما يجري في الجنوب اللبناني، يجب النظر إلى الشمال الشرقي، وتحديداً إلى شوارع طهران ومشهد وأصفهان. إن التقارير الواردة خلال الأسبوع الماضي عن حملات القمع الوحشية التي تلت “انتفاضة ديسمبر 2025” تكشف عن نظام يلفظ أنفاسه الأخيرة. فبعد مجزرة الثامن والتاسع من يناير التي راح ضحيتها أكثر من ألفي متظاهر، يعيش النظام الإيراني عزلة دولية خانقة وشللاً اقتصادياً غير مسبوق.

المعلومات الاستخباراتية والتقارير الميدانية تؤكد أن الحرس الثوري قلص تحويلاته المالية لحزب الله بنسبة تجاوزت 60% في الربع الأخير، مع توجيه الموارد المتبقية لتمويل آلة القمع الداخلي. أكثر من ذلك، تشير مصادر مطلعة إلى أن الحزب اضطر لسحب المئات من عناصره النخبة من سوريا ولبنان وإرسالهم سراً إلى إيران للمشاركة في قمع الانتفاضة الشعبية، في تكرار يائس لسيناريوهات سابقة، لكن هذه المرة للدفاع عن وجود النظام نفسه لا عن نفوذه الإقليمي.

 

الاقتصاد اللبناني: “تعافٍ هش” تحت وطأة السلاح

على الصعيد الاقتصادي، جاء تقرير البنك الدولي الصادر هذا الأسبوع ليتحدث عن نمو خجول بنسبة 3.5% لعام 2025، واصفاً إياه بـ”التعافي الهش”. هذا التوصيف دقيق للغاية، إذ إن أي تحسن اقتصادي يظل رهينة الوضع الأمني. حكومة الرئيس نجيب ميقاتي (أو نواف سلام بحسب السياق السياسي الجديد) تجد نفسها عاجزة عن استثمار هذا النمو الطفيف في ظل استمرار “الدويلة” داخل الدولة.

إن أزمة “القرض الحسن” وانهيار الشبكة المالية لحزب الله، والتي تفاقمت في الأسبوع الأخير مع عجز المؤسسة عن دفع تعويضات المتضررين في الجنوب، هي دليل آخر على أن الحزب لم يعد يملك القدرة على شراء الولاءات أو توفير الأمان الاجتماعي لبيئته الحاضنة. الحاضنة الشعبية للحزب بدأت تتآكل، ليس فقط بسبب الدمار، بل بسبب اليقين بأن طهران قد تخلت عنهم لإنقاذ نفسها.

 

الخلاصة الاستراتيجية: نهاية معادلة الردع

إن أحداث الأسبوع الأخير، من اشتباكات “وادي العصافير” إلى القمع الدموي في المدن الإيرانية، ترسم ملامح مرحلة جديدة. لم يعد حزب الله “قوة ردع” إقليمية، بل تحول إلى عبء أمني على الدولة اللبنانية وورقة محروقة بيد نظام الملالي.

الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية، القائمة على القضم البطيء واستهداف البنية التحتية للحزب دون الانجرار لحرب شاملة فورية، تستغل بذكاء “الفراغ الاستراتيجي” الذي خلفه انشغال طهران بأزمتها الوجودية. وفي المقابل، يبدو أن المجتمع الدولي، وعلى رأسه الإدارة الأمريكية العائدة لنهج الضغوط القصوى، قد أدرك أن الطريق إلى استقرار لبنان يمر حتماً عبر دعم الشعب الإيراني في نضاله لإسقاط النظام.

نحن أمام حقيقة لا مفر منها: إن قدرة حزب الله على التعطيل والمناورة تتلاشى طردياً مع كل شعار يسقط في طهران، ومع كل يوم يمر على انتفاضة الشعب الإيراني. لبنان اليوم ليس أمام خيار “الحرب أو السلم” مع إسرائيل فحسب، بل أمام فرصة تاريخية لاستعادة سيادته، وهي فرصة صنعها صمود المنتفضين في إيران قبل أن تصنعها الدبلوماسية الدولية. إن سقوط “الولي الفقيه” هو الضمانة الوحيدة لعودة لبنان وطناً للجميع، وما نشهده اليوم من تخبط في الجنوب هو مجرد ارتدادات لسقوط الهيكل في المركز.

شاركها.