شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم باحث والمحلل السياسي خالد خشفة

في لحظة إقليمية مفصلية تتقاطع تحولات إيران ، تهديدات دونالد ترامب ثم تراجعه ، سقوط نموذج «قسد»، وتبدّل قواعد الاشتباك في سوريا، لتفرض واقعا جديدا في الشرق الأوسط
لبنان الغارق أصلا في أزمته البنيوية، يجد نفسه اليوم أمام سؤال وجودي : هل يقرأ التحوّل ويدخل التسوية، أم يبقى خارجها ويدفع ثمن الانتظار ؟

من وهم الانفجار إلى منطق إعادة الضبط :

لم تعد التهديدات الأميركية بضرب إيران، ثم التراجع عنها، أحداثا معزولة أو مجرّد انعكاس لتقلّبات السياسة الأميركية المؤشرات السياسية والاستراتيجية المتراكمة توحي بأن المنطقة دخلت مرحلة إعادة ضبط شاملة، لا تقوم على المواجهة المفتوحة، بل على إدارة الصراع وتخفيض كلفته

تراجع ترامب عن خيار الضربة لم يكن تعبيرا عن ضعف، بل نتيجة حساب دقيق للكلفة والنتائج :
حرب مستمرة في غزة، توتر في البحر الأحمر، هشاشة الساحات العربية، وداخل أميركي متعب من الحروب الطويلة
في المقابل، لم يكن التراجع مجانيا، بل ترافق مع تنازلات إيرانية غير معلنة، تمثّلت في ضبط مستوى التصعيد، وترك هامش لإعادة ترتيب بعض الساحات الإقليمية، من دون المساس بجوهر النفوذ الاستراتيجي لطهران

هنا تتبلور معادلة جديدة : إيران لا تُكسَر، لكنها تُضبط

إيران بين الردع والتكيّف :
طهران، التي راكمت نفوذا إقليميا واسعا خلال العقدين الماضيين، تبدو اليوم أكثر ميلا إلى إدارة نفوذها بدل توسيعه هذا التحوّل لا يعني تراجعا استراتيجيا، بل انتقالا من منطق الاستنزاف المفتوح إلى المرونة التكتيكية

الحساب الإيراني بات أكثر واقعية : الحفاظ على الدور عبر التكيّف مع المتغيرات الدولية، لا عبر الصدام المباشر. هذه المقاربة سمحت لإيران بالحفاظ على موقعها الإقليمي، مقابل تخفيف الضغط الأميركي، وفتحت الباب أمام إعادة هندسة أدوار بعض القوى المحلية في الإقليم، خصوصا في الساحة السورية.

سقوط نموذج «قسد» : درس في حدود الدعم الدولي

ما جرى في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب لا يمكن قراءته كحادث أمني عابر. لقد شكّل نهاية مرحلة بالنسبة لـ«قسد» كنموذج سياسي قابل للتوسع.

الولايات المتحدة لم تتخلَّ عن «قسد» كشريك أمني في ملف مكافحة «داعش»، لكنها في المقابل سحبت الغطاء السياسي عن طموحاتها الجغرافية. تحوّلت «قسد» من مشروع سياسي إلى أداة أمنية محدودة الوظيفة، ما جعل وجودها في بيئة مدنية معقدة عبئا لا مكسبا.

الخطأ الاستراتيجي لـ«قسد» كان المبالغة في تقدير الدعم الدولي، ومحاولة فرض وقائع سياسية خارج التفاهمات الإقليمية. الدرس واضح : الدعم الدولي ليس شيكا على بياض، ومن يتجاوز سقفه يُترك وحيدا.

سوريا : عودة الدولة بصيغة معدّلة

تقدّم الجيش السوري شرق حلب جزء من مسار إعادة تشكيل الدولة السورية، لا بوصفها عودة كاملة إلى ما قبل 2011، بل كصيغة جديدة لدولة ذات سيادة منقوصة، لكنها معترف بها إقليميا ودوليا.

هذه الصيغة تقوم على توازن دقيق :

▪︎ نفوذ روسي ضامن
▪︎ دور تركي ضابط للحدود
▪︎ حضور أميركي مراقب لا يريد الفوضى
▪︎ إسرائيل فاعل ضاغط من الجو لا من الأرض

ضمن هذه الهوامش، تتحرك دمشق لاستعادة أكبر قدر ممكن من السيطرة، من دون تجاوز الخطوط الحمراء.

لبنان في قلب العاصفة الإقليمية :

لبنان، الذي يعيش انهيارا اقتصاديا وأزمة حكم مزمنة، أصبح مستوعبا مباشرا لهذه التحولات. أي تغيير في موازين القوى الإقليمية ينعكس فورا على واقعه الداخلي :

● اقتصاديا : ارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأساسية، وتراجع فرص الدعم الخارجي.

● سياسيا : تعمّق الانقسامات حول الخيارات الاستراتيجية والتحالفات.

● أمنيا : إعادة تقييم دور الأذرع الإقليمية، وفي مقدّمها حزب الله، في ضوء التوازنات الجديدة.

لبنان لا يمتلك ترف العزلة. موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية يجعلان منه ساحة تفاعل لا لاعبا مستقلا.

حزب الله : السلاح، الدولة، وحدود التسوية

في هذا السياق، تكتسب مواقف الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، دلالات خاصة
النبرة العالية تجاه الحكومة ووزير الخارجية، والتشديد على أولوية السلاح قبل السيادة، تعكس قلقا استراتيجيا في لحظة إقليمية ضاغطة.

تحليليا، يمكن قراءة هذا الخطاب من زاويتين :

الإيجابيات :

▪︎ تثبيت موقع الحزب كقوة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية.
▪︎ منع فرض معادلة نزع السلاح من الخارج أو تحت الضغط.
▪︎ طمأنة البيئة الحاضنة في ظل متغيرات إقليمية مقلقة.

السلبيّات:

▪︎ تعميق الانقسام الداخلي في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى حدّ أدنى من التوافق.
▪︎ رفع منسوب التوتر السياسي والطائفي.
▪︎ إعطاء انطباع بأن السلاح قد يتحوّل إلى ورقة تفاوض على النظام السياسي، لا فقط على الأمن.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا، من دون اتهام مباشر :
هل تتحوّل معركة السلاح في المرحلة المقبلة إلى مدخل لإعادة توزيع الصلاحيات داخل النظام السياسي، كجزء من تسوية إقليمية أشمل ؟

لبنان خارج التسوية : الخطر الحقيقي

الخطر الأكبر على لبنان ليس اندلاع حرب شاملة، بل البقاء خارج أي تسوية بينما تُعاد صياغة أدوار المنطقة. التجارب الإقليمية تُظهر أن من لا يدخل التسوية في وقتها، يُفرض عليه الحل لاحقا بشروط أكثر قسوة.

واشنطن، وفق تصريحات شخصيات نافذة، لا تسعى إلى شرق أوسط منهار، ولا إلى قوى إقليمية منفلتة، بل إلى نظام قابل للإدارة :

▪︎ لا إسقاط لإيران ولا إطلاق يدها
▪︎ لا دول فاشلة بالكامل ولا كيانات مسلّحة بلا سقوف سياسية

ما نشهده اليوم ليس نهاية الصراع في الشرق الأوسط، بل نهاية مرحلة كاملة من الأوهام :

▪︎ وهم التمدّد غير المحسوب
▪︎ وهم الحماية الدولية المطلقة
▪︎ وهم الحروب المفتوحة بلا كلفة
▪︎ إيران تُضبط ولا تُكسَر.
▪︎ سوريا تُعاد هندستها ولا تُقسَّم.
▪︎ نموذج «قسد» ينتهي كخيار سياسي.

أما لبنان، فهو أمام لحظة مفصلية نادرة :
إمّا قراءة التحوّل والدخول في تسوية تحفظ ما تبقّى من الدولة،
أو الاستمرار في حلقة الاستنزاف، إلى أن يُفرض عليه الحل من الخارج.

في شرق أوسط يُعاد ضبطه بعناية، أخطر ما يمكن أن يفعله لبنان هو الاستمرار في الانتظار.

شاركها.