أثار قرار وزير الأشغال العامة والنقل، فايز رسامني، المتعلق بملء الشغور الوظيفي داخل الوزارة، موجة استياء واسعة لما ينطوي عليه من خلل فاضح في معايير العدالة والميثاقية، ويشكّل مساسًا مباشرًا بحقوق أكبر مكوّن وطني في البلاد، أي الطائفة السنية.
ففي خطوة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من التوازن الدستوري والوطني، جرى تكليف 35 موظفًا لشغل وظائف شاغرة، توزّعوا على نحو غير منصف: 12 مسيحيًا، 15 شيعيًا، 5 فقط من الطائفة السنية، و3 دروز.
هذا التوزيع يطرح تساؤلات مشروعة حول الأسس التي اعتُمدت، ويعكس مقاربة انتقائية للميثاقية، تُستحضر عند الحاجة السياسية وتُغيب عندما تُنتهك حقوق طائفة بعينها.
الأخطر من القرار بحدّ ذاته، هو الصمت المريب لرئيس الحكومة حيال هذا الخلل الصارخ، في وقت يُفترض فيه أن يكون الضامن الأول للتوازنات الوطنية، لا شاهدًا صامتًا على تجاوزها.
فالنظام السياسي اللبناني، القائم أصلًا على معادلة دقيقة من الشراكة، لا يحتمل مثل هذه الانزلاقات التي تُكرّس الإقصاء وتُضعف الثقة بين مكوّناته.
ولا يمكن فصل ما جرى عن الواقع السياسي الذي تعيشه الطائفة السنية اليوم، في ظل حالة من التشرذم وغياب مرجعية سياسية فاعلة قادرة على الدفاع عن حقوقها داخل مؤسسات الدولة. هذا الفراغ لم يكن عابرًا، بل جرى استثماره مرارًا لتهميش الطائفة عن مواقع القرار، وفرض أعراف جديدة تضرب مبدأ الشراكة المتوازنة في الإدارة العامة.
إن ما حصل في وزارة الأشغال لا يمكن اختزاله بخطأ إداري أو إجراء تقني، بل يُشكّل سابقة خطيرة تمسّ جوهر العقد الوطني، وتفتح الباب أمام مزيد من التعديات على التوازن الدقيق الذي يقوم عليه الكيان اللبناني، بما يهدد ما تبقّى من ثقة بين الدولة ومكوّناتها.
