خاص البديل
في مقابل الحملة الشرسة التي يشنّها أنصار الرئيس سعد الحريري، يكاد اللبنانيون ينسون حقيقة ما آلت إليه الأمور قبل إعلانه تعليق عمله السياسي وعزوفه عن خوض الاستحقاق النيابي وما تلا ذلك من تداعيات، لذلك من الضرورة بمكان تذكير الرأي العام بجملة حقائق لا ينبغي أن تغيب عنهم في الفترة الفاصلة عن الانتخابات في 15 أيار الجاري.
الحقيقة الأولى والأهمّ، أنّ الرئيس سعد الحريري هو الذي أسمى نفسه “بيّ السنة” وهو نصّب نفسه المسؤول عنهم، بلسانه، وبحكم أنّه امتلك الكتلة النيابية السنية الأكبر، وبناءاً عليه، كان يجب أن يفعل كما فعل رؤساء الأحزاب الرئيسية الأخرى، من تأمين الحقوق في الدولة وتنشيط المجتمع المدني لدعم مؤسسات الصمود الاجتماعي، وأن يواكب الانهيار المالي الكبير بتأمين الاحتياجات الأساسية لمناطقه والاستعداد لهذه الكارثة بما يجب من خطوات وإجراءات.
فماذا فعل سعد الحريري في كلّ هذا؟
الجواب أنّه لم يفعل أيّ شيء، والنتيجة واضحة للعيان لا تحتاج إلى شرح ولا توضيح: كارثة متكاملة الأبعاد على جميع المستويات، واستجابة معدومة لحاجات الناس.
الحقيقة الثانية، هي أنّ سعد الحريري اعتزل الانتخابات النيابية لأسباب لا تتعلّق بمنع الشرعية عن “حزب الله”، وأهمها سببان:
ــ الأول: الهروب من المحاسبة، لأنّ حملة رسمية باسم تيار المستقبل وترشيحات وخرزة زرقاء جديدة، كانت ستؤدي إلى هزيمة نكراء للتيار بسبب فشل المتمادي على جميع المستويات.
ــ السبب الثاني: انعدام القدرة المالية على تأمين التمويل لحملةٍ مركزية في كل المناطق، وبالتالي كانت أفضل الطرق للتهرّب من هذا الواقع طرح الانسحاب.
في المرحلة اللاحقة بدأ الاستثمار في تداعيات الانسحاب ابتزازاً للقوى المحلية وللمرجعيات العربية.
تنازلات الحريري المدروسة والمقصودة
هي أنّ تنازلات سعد الحريري عن حقوق أهل السنة في الدولة لم تكن مجرّد تنازلات ظرفية، لأنّ من يتابعها بالتراكم يلمس لمس اليد أنّ ما كان يحصل هو تدمير ممنهج لوجودهم في الدولة، خاصة في المجال الدستوري، حيث سمح الحريري بسوابق خطرة، وسلّم صلاحيات رئاسة الحكومة التي تولّاها لرئيس الجمهورية ميشال عون، فأصبح القصر الجمهوري مقرّ انعقاد جلسات القرارات الهامة، والسراي الحكومي لتصريف الأعمال.
في القضاء كانت التنازلات كارثية: قضاة وكتاب عدل، ويذكر أهل بيروت كيف استولى العونيون على مراكزهم، في التربية والتعليم، طارد التيار الوطني الحرّ أهل السنة حتى آخر إدارة في عكار فسلبوهم إياها، في الطاقة والمياه، في الاتصالات وفي أوجيرو، وغيرها، تعرّض السنة لعمليات إقصاء متواصلة، حتى خلال وجود الحريري في رئاسة الحكومة، فكان وجوده وعدمه سواء.
لم تقتصر التنازلات على المواقع، بل امتدت إلى المشاريع: ففي حكومة سعد الحريري، سُلبت عكار ما تقرّر لها من مبالغ شحيحة، بذريعة تخفيف العجز في الموازنة، وجرى السطو على فرع الجامعة اللبنانية فيها، وانتقلت الكلية البحرية منها إلى البترون، أما طرابلس، فبعد سنوات على قرار إنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة، والتي تولت رئاستها الوزيرة ريا الحسن، فكانت شاهد زور، قبضت الرواتب وأهملت الواجب، وفوق هذا سحب جبران باسيل قراراً بضرب حصرية منطقة طرابلس الخاصة بإنشاء أخرى في البترون..
تنازلات الحريري أكبر من أن تُعَدّ وأن تُحصى، وقد استكملها بإدارته الظهر لمن يفترض أنّه يمثّلهم في الانهيار الكبير الذي يشهده لبنان، بعكس بقية الزعماء والمرجعيات.
من يستدعي التعاطف الآن مع سعد الحريري بمفعول سياسي، هو الدعوة للمقاطعة، عليه أن يتذكر أنّ هذا الذي يتعاطف معه، لم يتورّع عن المشاركة في الهندسات المالية للمصارف ليستفيد منها مصرف البحر المتوسط الذي تديره اليوم الوزيرة السابقة ريا الحسن، التي اعتبرت عند حديثها عن أهل طرابلس أنّهم غير قابلون للتطور، وأنّ الحريري صاحب الوعد بـ900 ألف وظيفة لم يفِ حتى بوعوده بأخذ السيلفي لجمهوره بعد انتخابات العام 2018.
