شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

أحمد الأيوبي

منذ اللحظات الأولى لبدء تسرّب ملامح الكارثة التي باتت تسمى قضية “الأمير الوهمي” أو قضية “أبو عمر”، آليتُ على نفسي التحفّظ في إبداء الموقف وانتظار ما ستؤول إليه الأمور وهل سيتحرّك القضاء وهل سيأمر بتوقيف الشيخ خلدون عريمط، أم أنّ كلّ هذا الضخّ الإعلامي سيتبخّر ويخرج عريمط بريئاً من “طوفان” التهم الملقاة عليه، لكنّ الأمر حُسِم وأصبح قيد التوقيف ومعه شيخ آخر، بعد أن سبقهما مصطفى الحسيان وبدأ مسلسل الاستماع إلى “الضحايا” / الراشين من نواب ووزراء حاليين وسابقين.

ما يعنينا في هذا السياق ليس المسار القضائي التفصيلي، بل التداعيات المؤكدة التي ستطال دار الفتوى ومقام مفتي الجمهورية اللبنانية نتيجة الكارثة التي ألحقتها هذه الشبكة بسمعة الدار نتيجة الارتباط الوثيق بين عريمط والمفتي دريان، خاصة أنّ محاولات لفلفة القضية وتمييعها كانت تجري ليل نهار، وبات من الواضح أنّه لا يمكن للمفتي دريان التنصّل من مسؤوليته المعنوية والسياسية عن أفعال عريمط، ولا يغنيه عن ذلك أن يتضمّن بيان دار الفتوى الإشارة إلى أنّ “من يذكر اسمه في التحقيقات غير موظف لدى الدار أو المؤسسات التابعة لها”.

 

الحقيقة الثابتة هي أنّ المفتي دريان كان يكلّف عريمط بمهمات سياسية خاصة وحساسة وكان يمثّله في المناسبات الحزبية والعامة، وكان أمين سرّه ومدبِّر حمايته عبر “الأمير الوهمي” من غير أن نتبنّى بشكل كامل الرواية التي تتحدث عن أنّ عريمط دبّر التمديد للمفتي.. فالتداعيات أكبر من هذا بكثير..

لهذا وغيره، لم يعد باستطاعة الشيخ دريان أن يواصل شغله لمنصب مفتي الجمهورية، وهذا الكلام لا ينال من شرف المقام، بل إنّه انتصار لكرامي المفتي والإفتاء أن يقدِّم استقالته ويعتذر للمسلمين عن غفلته إذا كان جاهلاً بما كان يجري من تحته، وعن زلّته إذا وقع في هذا الخطأ، فإذا كان يعلم فتلك مصيبة، وإن كان لا يعلم، فالمصيبة أعظم..

جاءت أزمة “أبو عمر” بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فمرجعية المسلمين تعاني خللاً خطِراً منذ عقود، وازدادت معاناتها مع الشيخ دريان الذي راهن عليه الكثيرون بأنّه سيكون المنقذ من الانهيار، لكن حصل العكس، فازداد الانحدار وارتفع منسوب التراجع في المكانة والدور والفعالية حتى يئس أهل السنة من دارهم ومن مفتيهم، فالجمود هو سيّد الموقف، والتمسّك بفريق فاشل هو الواقع القائم، وتجاوز القانون وفرض المحسوبيات هو السائد..

لقد حوّل المفتي دريان دار الفتوى إلى فرع من فروع تيار المستقبل الفاشلة، ورهن علاقته مع المسلمين بمدى رضى سعد الحريري أو غضبه على وجوه أهل السنة، فمن يرضى عنه سعد يرضى عنه دريان، ومن يغضب عليه سعد يغضب عليه دريان، أما المعيار الآخر في القرب أو البعد من مفتي المسلمين مع الشيخ دريان، فهو المال، لهذا زرع مؤسسات دار الفتوى بالمتمولين، ولو كان بعضهم مشبوهاً أو منحازاً في السياسة لمن يخاصم أهل السنة، وفي هذا كلام طويل وكبير.. ومن خلال إرضاء سعد كان خلدون عريمط يتوسع وكان أحمد الحريري يستتثمر، ولن ينفع الرئيس سعد الحريري البيانات الغاضبة للنأي بنفسه عن هذا المسار، فقد كان خلدون محامي الدفاع الأول عنه، وكنّا كلما كتبنا نقداً للرئيس الحريري كان يتصدى لنا بلغة التطرف والإلغاء لصالح رئيس حكومة كان الأفشل في تاريخ رؤساء الحكومات رغم امتلاكه كل الفرص والإمكانات..

مع الأسف، أمست دار الفتوى في السنوات الأخيرة، وخاصة مع فرض التمديد، خاوية على عروشها، لا حياة فيها ولا تفاعل مع قضايا المسلمين، فالموقوفون المظلومون لا يتذكرهم سماحته إلاّ عندما تفيض الكأس وتبلغ القلوب الحناجر، فيستحضر أدوات التسكين والتسويف والتمييع، والأوقاف المحتلة ممنوع المطالبة بها حتى لا “يزعل” المغتصبون للأوقاف السنية، ومواقع السنة المهدَّدة بالانقراض في الدولة لا يجد سماحته لها مكاناً في خضمّ انشغالاته.. وحتى أوضاع المشايخ البائسة ليس لديه لها حلّ ولا حتى مُسكِّن..

الاستقالة يا سماحة المفتي شرف وتحمّل للمسؤولية، ومغادرة تحفظ ماء الوجه قبل أن تتدفق الاعترافات وتتكشف الحقائق، ولات ساعة مندمِ…

 

شاركها.