
كتب القاضي محمد النقري مستذكرا مفتي راشيا الراحل الشيخ الدكتور أحمد اللدن:
عرفت هذه القامة الرفيعة في مقاعد الدراسة الشرعية في أزهر لبنان. إن وصفته فقد كان في صباه أقرب الى هامة الأدباء المتفوهين، والمفكرين البارعين والفنانين المبدعين. يسير بين زملائه بتؤدة وحياء، لم أره يوماً غضباناً حانقاً، ولا ثائراً مراهقاً، ولا لجوجاً متملقاً، بل يغلب هدوءه غضبه وتفكيره نزوته، وصراحته عن خبث من اتصف به من الزملاء الماكرين الجاحدين، وعزوفه عن فائض الكلام عن ثرثرة كانت تغلب على أمثاله وأقرانه.
كنت وإياه من الشغوفين بكتابة الخط العربي وبالتتلمذ على يد أستاذنا في الخط عفيف طبارة وكانت لنا تجارب متواضعة في الخط، إلا أنه في وقت وجيز فاق كل من عُرف بكبار الخطاطين، الى أن أصبح على مرّ السنين من أشهر الخطاطين العرب في العالم، فكان في ذلك أنموذجاً لما ذكره الحكماء في أمثالهم حين قالوا بأن حسن الخط من حسن الأخلاق.
عندما تخرّج من معهد ازهر لبنان التحق بالدراسة في جامعة الأزهر الشريف في القاهرة، حيث أكمل دراسته في كلية أصول الدين ثم أتبعها في قسم دراساتها العليا في شعبة التفسير والحديث إلى أن نال شهادة العالمية – الدكتوراه. كان يشغل أثناء دراسته محرراً في مجلة الفكر الإسلامي التي كانت تصدر من دار الفتوى في عهد سماحة الشيخ الشهيد حسن خالد، إلى أن عين مدرساً جامعياً في كلية الشريعة التابعة لدار الفتوى، كما قام بالتدريس في مواد التفسير وعلوم القرآن والعقائد في كلية الإمام الأوزاعي، وفي المعهد العالي للدراسات الإسلامية التابعة للمقاصد. الى جانب إشرافه على العديد من الرسائل الجامعية واطروحات الدكتوراه ومشاركته في كثير من الندوات التلفزيونية والمؤتمرات في لبنان والعالم العربي.
دخل الى القضاء الشرعي فأصبغ على محكمته طابع العدل والنزاهة، وكان لا يتوانى عن مناصرة المظلومين حتى في أوقات فراغه وراحته، فكان منزله مقصداً لكل من كانت لديه منازعات ومشاجرات وخلافات. وكأن شغله القضائي لم يكن يملي عليه وقته فعين مفتياً لراشيا فزادت متاعبه وتطلعاته الى الإرتقاء عالياً بهذه المؤسسة فأراد أن ينجز مشروع بناء مقر لها الذي ما زال الى الآن قيد الإنجاز.
أحَبّه كل من عرفه عن كثب أو سمع به كقامة علمية فذة في مجالات علوم الإسلام. كان متيقظاً في مناقشاته، هادئاً في محاوراته، لا يخرج عما هو مألوف متبع ولا يميل الى كل ما هو غير موثق أو مبتدع. ومع ذلك فكان صاحب دعابة مع الأصدقاء ينم في ملاطفاته معهم عن ذكاء متقد ممزوج بنقد لاذع ساخر ولكنه محق ومصيب.
تذوقه للخط العربي ندر أن ترى مثيله، إن رأيته قد أطال الوقوف فاعلم بأنه أمام لوحة فنية لكبار الخطاطين، وإن رأيته جالساً فهو ممسك بريشته يخطط ويزخرف ويرسم. في آخر زيارة له كان ينوي إكمال مخطوطته للقرآن الكريم كاملاً، وكان ينتظر قدومي اليه لينظر الى ملامح الإعجاب في وجهي عندما يضع بيدي مقتنياته الخطية والزخرفية.
كان يقول لي في كل لقاء بعد أن يمسك بيدي ويشدها بما أوتي من قوة وعزم وهي الطريقة التي كان يحيي بها كل من أحب من أصدقائه : «أنت أجرأ من رأت عيناي في حياتي، لقد وقفت ضد الفساد والإختلاسات ولم تأبه لا بفقدانك لوظيفتك في الفئة الأولى، ولا بتهميشك ولا بالتحريض عليك ولا بتخلي الأصحاب حين كانوا ينظرون اليك دون أن ينبسوا بنت شفه، فهنيئاً لنا بك فأنت نعم الصديق المحب.» كأني به يهمس بأذني ليقول لي بأن أفشي هذا الحديث الذي كان يدور بيني وبينه عند كل لقاء، لتكون وصيته إلى الغافلين الذين يخشون كلمة الحق في وجه الظلم والفساد.
هذا هو الصديق العلامة الشيخ الدكتور أحمد اللدن القاضي ومفتي راشيا الذي هزمه المرض وغيّبه الموت في اليوم الأول من إطلالة السنة المنصرمة. رحمه الله تعالى إذ كان صديقاً رجلاً وفياً في زمن ندر فيه الأصدقاء والرجال والأوفياء والعلماء.
