يبرز الشيخ بهاء الحريري اليوم كعنوان سياسي لافت لاستمرارية نهج الحريرية السياسية، لا بوصفه امتدادًا شكليًا لتجربة سابقة، بل كصاحب رؤية تحاول مقاربة الانهيار اللبناني من جذوره، في لحظة تاريخية تهدد الكيان والدولة معًا. فمواقفه الأخيرة تعكس خطابًا سياسيًا متوازنًا وواضحًا، يستند إلى إدراك عميق لخصوصية الدور اللبناني، وإلى قراءة واقعية للمشهدين الداخلي والإقليمي بعيدًا عن الشعبوية وإدارة الأزمات.
البيان الذي أصدره نجل الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الأسابيع الماضية شكّل، وفق متابعين، محطة مفصلية تمهّد لمرحلة سياسية مختلفة. إذ دعا صراحة إلى “إعادة انتظام عمل المؤسسات الدستورية والمالية، واستعادة الدولة لسيادتها الكاملة على أراضيها”، محذرًا من “الاستهانة بحقوق المواطنين والاستمرار في نهج سياسي أوصل البلاد إلى مرحلة تهدد الوجود الوطني برمّته”. واعتبر أن “التاريخ لن يكون متساهلًا مع من أهدروا الفرص، وأمعنوا في الخطأ”.
في ظل الانهيار الشامل، تأتي مواقف الشيخ بهاء الحريري كمحاولة جديّة لكسر منطق إدارة الانهيار، عبر طرح سياسي يذهب مباشرة إلى جوهر العطب اللبناني، لا إلى نتائجه. فالبلاد، وفق رؤيته، تقف أمام لحظة مصيرية لا تحتمل التسويات المؤقتة أو أنصاف الحلول. ومن هذا المنطلق، يقدّم تصورًا سياسيًا قائمًا على مبادرة فعلية للخروج من الأزمة، لا على إعادة إنتاج المنظومة نفسها.
يرتكز هذا الطرح على قناعة حاسمة مفادها أن إنقاذ لبنان لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مشروع وطني سيادي يعيد بناء الدولة من أساسها: دولة مؤسسات، دولة قانون، ودولة قرار مستقل، لا تخضع لمنطق المحاور ولا يهيمن عليها سلاح خارج الشرعية. وهو يشخّص الأزمة بوضوح، معتبرًا أن لبنان دخل مرحلة الخطر الوجودي نتيجة فشل منظومة سقطت سياسيًا وأخلاقيًا ووظيفيًا، وارتهانها للخارج على حساب المصلحة الوطنية.
ويحذّر الحريري من مخاطر دفع لبنان نحو إعادة تموضع استراتيجي خطير، ومن تمرير قرارات مصيرية في ظل دولة منهارة ومؤسسات مشلولة، من دون تفويض شعبي أو غطاء دستوري. كما يؤكد أن “المجتمع الدولي لن يدعم لبنان ما دام القرار الوطني مختطفًا والشرعية منقوصة”.
وفي مقاربته لمسألة السلام، يطرح رؤية متقدمة تقوم على التمييز بين السلام كخيار استراتيجي يخدم مصلحة لبنان والمنطقة، وبين سلام مفروض بالقوة أو تحت الضغط. فالسلام، وفق هذا التصور، لا يمكن أن يكون غطاءً لانتقاص السيادة أو تكريس وقائع الأمر الواقع، بل يجب أن يُبنى ضمن رؤية وطنية شاملة وبالتكامل مع المحيط العربي، بعيدًا عن الصفقات الظرفية والمسارات المنفردة.
لا تكمن أهمية هذا الطرح في عناوينه فحسب، بل في صراحته السياسية. فهو يقول ما يتجنّبه كثيرون: إدارة الانهيار خيانة، إعادة إنتاج المنظومة انتحار، والتسويات فوق أنقاض الدولة ليست حلولًا بل تمديدًا للكارثة. فلبنان لم يُخلق دولة ضعيفة، وما أطاح بنموذجه لم يكن التنوّع، بل تحويله تدريجيًا إلى ساحة صراعات وتفكيك الدولة لصالح قوى الأمر الواقع.
من هنا، تبرز رؤية الشيخ بهاء الحريري كتشخيص مباشر للحالة اللبنانية، ودعوة لكسر حلقة الخوف، التي أبقت الدولة رهينة: خوف السياسيين من المحاسبة، وخوف الدولة من القيام بدورها، وخوف المجتمع من التغيير. كسر هذا الخوف هو المدخل الإلزامي لأي إنقاذ فعلي.
في المحصلة، يضع هذا الطرح اللبنانيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استعادة الدولة بإرادة سياسية شجاعة، أو الانزلاق نحو كيان يُدار بالنيابة عن الآخرين حتى الزوال. الفرصة لم تضِع بعد، لكنها تضيق بسرعة، ومن لا يجرؤ على كسر الأمر الواقع اليوم، سيدفع ثمنه غدًا وطنًا بلا دولة.
