لازمت خطوات الرئيس فؤاد السنيورة التشاور المفتوح مع مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، حيث ظهر التقدير والتكامل بين المرجعية الدينية والجهد السياسي الذي يبذله الرجل للحفاظ على ثوابت الوجود السياسي والوطني لأهل السنة في المعادلة، كاسراً بذلك محاولات تحويلهم إلى إرث يجري تداوله بين الورثة، وتجييره في السياسة، فجاءت مبادرته لتعيد الاعتبار لدور المرجعية الدينية بعد ممارسات الحريري التي طالتها في الصميم، ولتنظّم بما يتيحه الوقت والإمكانات عمليةَ الاستنهاض للشارع السني من خلال اختيار أفضل المرشحين وتقديم أفضل النماذج الموجودة.
إلاّ أنّ اللافت في توجهات الرئيس سعد الحريري أنّه بات يعتمد سياسة الإلغاء لكلّ مخالفيه في الرأي والتوجه السياسي، رغم حرص أغلب هؤلاء على حفظ مكانته وعدم التعرّض لشخصه، كحفظٍ للودّ وابتعاداً عن شخصنة الخلاف حول مسألة المشاركة من عدمها.
وكان اللافت في هذا المجال التعقيب الردّ الذي أدلى به منسق الإعلام في تيار المستقبل عبد السلام موسى على موقف مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، فيما يشبه التخوين عندما اعتبر أنّ المشاركة في الانتخابات ستمنح الشرعية لـ”حزب الله”.
الواضح في سلوك الحريري تجاه دار الفتوى أنّه كان يعتبرها طوع بنانه، وأنّه يستطيع التحكّم بقراراتها، لكن فاته أنّ الأوضاع تغيّرت وأنّ الطبيعة لا تحتمل الفراغ، وأنّ سياساته التي كان يمارسها ويسكت عنها الكثيرون، فإنّ ذلك السكوت كان في اجتهاد هؤلاء لمنع الفتنة الداخلية وعدم شقّ الصف، لكنّ واقع الحال يفيد بأنّ تلك المسايرات لم تكن الخيار الصحيح في هذا المجال، لأنّها أوصلت الحريري للاعتقاد بأنّه لا يخطئ، وهذا ما غذّاه من تبقّى حوله من مستشارين تحوّلوا إلى سماسرة على جميع المستويات.
ستبقى دار الفتوى مرجعية أهل السنة الدينية والوطنية وزمن تكبيلها وتحجيمها في طريقه للانتهاء، وخيارات سماحة المفتي عبد اللطيف دريان في الدعوة للمشاركة في الانتخابات أحقُّ بأن تُتّبع، وعلى الحريري الاختيار بين حفظ أهل السنة وحفظ ماء الوجه، وبين إيصال معظم أهل السنة إلى الاقتناع بأنّهم وصلوا معه إلى أبغض الحلال.
