شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

توقيف عمر الأبطح خاطئ.. أعاد ذكريات قمعٍ مريرة

تسرّع الوزيرة كرامي في الموقف من “المناهج”

أضرار في الإعلام والرأي العام جرّاء فيديو الفتيات: كان الأولى الانتباه إلى المصطلحات الحساسة

زيارة البطريرك الراعي: رسالة سلام وانتظار موقف إيجابي من سوريا الجديدة

أحمد الأيوبي

شهدت طرابلس في الساعات الأربع والعشرين الماضية حدثين متشابكين متداخلَين، الأول نشر قناة الجديد، وبلغة تحريضية، ليل الجمعة 19/12/2025، مقطعاً مصوراً لفتيات من مدرسة المناهج يتضمن رفضاً للمشاركة في أعياد المسيحيين، وتضمّن عبارات حادة، ومصطلحات رغم أنّها صحيحة من الناحية اللغوية والعقائدية، غير أنّها تحمل معاني اصطلاحية سلبية في الإعلام كان يمكن تجنّبها مع الحفاظ على الرسالة الدينية، وما تلا ذلك من توقيف للأستاذ عمر الأبطح وما نتج عنه من توتر في المدينة، والحدث الثاني هو استقبال البطريرك الماروني بشارة الراعي نهار السبت 20/12/2025 وزيارته إلى دار الفتوى وتكريمه في غداء جامع في مبنى نقابة المهندسين، وهي الزيارة التي مان يمكن أن تتعرّض لانتكاسة في حال استمرّ توقيف الأبطح حتى يوم السبت.

نشر الفتنة

لا شكّ أنّ توقيت نشر قناة الجديد واللغة التحريضية التي اعتمدتها في التعامل معه له بُعدٌ لا يمكن تجاهله، خاصة أنّها لم يسبق أن تعاملت مع مدارس دينية أخرى بهذا الأسلوب، وما يصدر مثلاً عن مدارس “حزب الله” من مشاهد تكشف أنّها مدارس إيرانية بالكامل.. أو حتى المدارس التابعة لطوائف مسيحية أو مواقف لرجال دين وناشطين تخرج عبر وسائل التواصل تبلغ ذرى الفتنة.. لم تتعامل معها قناة الجديد، ولم تتطرّق إليها أصلاً، وكأنّه مطلوب إشعال فتنة في طرابلس عبر هذا الأسلوب الفاقع في التهويش على المدرسة وإدارتها، وهذه خطيئة يجب أن تكفّر الجديد عنها بوضع الأمور في نصابها، وكان يجب أن تنقل بشكل مباشر زيارة البطريرك الراعي إلى المدينة وتفاصيلها المميزة وخطاباتها الوطنية.

توقيفٌ خاطئ

الإشكالية الأخرى التي وتّرت الأجواء عشية زيارة البطريرك الراعي هو قيام مخابرات الجيش بتوقيف الأستاذ عمر الأبطح، خلافاً للتفاهم الذي كان قائماً بعدم التوقيف وترك المعالجة لوزارة التربية ودار الفتوى، مما أدّى إلى حالة غضب دفعت أعداداً كبيرة من الشباب للنزول إلى الشارع إحتجاجاً على التوقيف وللضغط من أجل إطلاق سراح الأستاذ عمر الأبطح.. وقد خرج ليل الجمعة وبهذا الإفراج انطفأت فتنة كان يُراد لها أن تنفجر صبيحة زيارة البطريرك للمدينة، لإعادة إنتاج الصورة السلبية عنها ووصمها بالتطرف والفوضى.

أدّى التوقيف إلى استحضار مراحل سابقة من الممارسات الأمنية التي لا يحب أهل طرابلس خصوصاً، والسنة عموماً، تذكرها، ويرفضون عودتها بأي شكلٍ من الأشكال، وهم الذين انفتحوا وتعانوا أشدّ التعاون مع الجيش والمؤسسات الأمنية في كل المجالات..

وبالنظر إلى أنّ الحدث لم يكن أمنياً أو ذا طابع أمني، فإنّ التوقيف كان متسرِّعاً ولم يكن له من داعٍ، خاصة أن سلطة وزارة التربية على إدارة المدارس سلطة نافذة وكافية، كما أنّ مرجعية دار الفتوى كفيلة بمعالجة الإشكال وإخراجه من دائرة التوتير إلى التهدئة والتوعية وإصلاح الموقف، بما هو معروف عن سماحة المفتي محمد إمام من حكمة وانضباط وحرص على الشراكة الإسلامية المسيحية، وهذا كان رأي المرجعيتين الإسلامية والمسيحية في المدينة.

تسرّع الوزيرة كرامي في الموقف من “المناهج”

شكّل الاندفاع المبالَغ فيه لوزيرة التربية السيدة ريما كرامي واتخاذها مواقف عالية السقف انحيازاً غير مناسب لحملة التحريض على مدرسة المناهج، وتسرّعت في الحكم من دون التدقيق في حقيقة الأمر، وفي أنّ ما تضمنه المقطع المصور لا يستحقّ كلّ هذه الضجة، ولا يُتعبَر إساءة فعلية للمسيحيين، ولا تحريضاً عليهم، بل إنّ موقف الوزيرة جاء بسبب ضخّ الإعلام، وبسبب ثقافة سائدة مفادها أنّ رفض الاحتفال بالأعياد المسيحية من قبل المسلمين هو موقف متطرف، وهذا تقدير خاطئ، فالحكم على العلاقة بين أهل الأديان لا يجب أن يُبنى على الانطباع الزائف، أو نفاق الخادع أو الجهل بحقيقة الموقف الديني الصحيح.

ونقترح على معالي الوزيرة كرامي أن تُدرِج في المناهج التعليمية مادة التعليم الديني التعريفي بحيث يتعرف الطلاب على حقيقة الدين الذي ينتمي إليه زملاؤهم ويتعلموا أنّ اختلاف العقيدة لا يفسد للودّ ولا للتعاون قضية..

أضرار في الإعلام والرأي العام

ترك المقطع الصادر عن تلميذات مدرسة المناهج أضراراً بالصورة العامة للمسلمين، لأنّه تضمّن عباراتٍ لها معانٍ أصطلاحية معاصرة، لا توازي المعنى الشرعية لها، مثل لفظة الكفار، فهي وإن كانت صحيحة من حيث العقيدة، وهي تشمل جميع الأديان، بمعنى أنّها تعتبر من ليس منها كافراً لجهة العقيدة، غير أنّ ما تعرّض له الإسلام من تشويه وطعن، يجعل استخدام هذا المصطلح مساوياً لهدر دماء الآخرين، وهذا غير صحيح طبعاً، لكنّه يسري مثل النار في هشيم وسائل التواصل.

كان يمكن بثّ رسالة تعبر عن خصوصية المسلمين وعن الالتزام بعقيدتهم والامتناع عن الدخول في طقوس الآخرين الدينية في إطار احترام الذات والآخر، فامتزاج الطقوس بين أتباع الأديان فوضى وإساءة للديانات نفسها، وهو إمّا جهلٌ أو نفاق، والأصل أن يحترم أهل الأديان بعضهم على أساس الاعتراف بالاختلاف فيما بينهم في العقيدة والدين، وإلاّ لكان الجميع مسلمين أو مسيحيين..

زيارة البطريرك الراعي..

رسالة سلام وانتظار موقف إيجابي من سوريا الجديدة

المسألة الأخرى الهامة التي ينبغي الوقوف عندها هي زيارة البطريرك الراعي لطرابلس، وهي محطة إيجابية كرّست انفتاح المدينة على الشراكة مع المسيحيين من أبنائها ومع مرجعيتهم الكبرى، وكان خطاب البطريرك في دار الفتوى وفي الغداء التكريمي في نقابة المهندسين خطاباً حمل التواضع وعبّر عن المحبة وسعى إلى التقارب والشراكة، رغم أنّ مواقف البطريرك الراعي من سوريا الجديدة أثارت حفيظة وعدم رضا الأغلبية السنية التي ترى أنّ الوقت حان للتخلي عن خطاب الأقليات والانفتاح الكامل على السنة في سوريا، خاصة بعد أن عادت دمشق ملتقى العرب والعالم.. لكنّ هذا لا يلغي حفاوة الاستقبال وضرورة الحوار.

 

 

شاركها.