كان ينبغي تفهّم ضرورات دار الفتوى في تنظيم غداء تكريم البطريرك الراعي
احتضن المفتي إمام أعضاء مجلس بلدية طرابلس وحلّ خلافاتهم.. فهل يصحّ مقاطعة مناسبة دعا إليها؟

أحمد الأيوبي
سعت دار الفتوى إلى تنظيم غداء جامع، يضمّ أهل البيت المسلم الذين ينبغي أن يكونوا في استقبال البطريرك، وقد أخذ المنظمون بعين الاعتبار الوجود السني في مواقع الدولة ومراكزها المدنية والدينية، مع مراعاة وجود قيادة ووجهاء الطوائف المسيحية الكنسية والمدنية، وقد حاول المنظمون أن يكون الغداء في معرض رشيد كرامي، لكنه كان محجوزاً لصالح الفعاليات التي تقيمها رئيسة جمعية “طرابلس حياة” السيدة سليمة ريفي بمناسبة عيدي الميلاد ورأس السنة، كما أنّ القاعات الكبرى في المساجد كانت محجوزة، ليرسي الاختيار على قاعة نقابة المهندسين والتي لا تتسع لأكثر من 250 شخصاً، وهذا ضيّق مجال الدعوة، وقلّل من إمكانية التعامل مع الشخصيات التي تسعى الدار لاستيعابها في هذه المناسبة.
أدّى هذا الواقع إلى اقتصار الدعوات على النواب والنواب السابقين وقضاة الشرع ورؤساء البلديات من دون الأعضاء ورؤساء الجامعات والإعلاميين وفعاليات أخرى، وهذا أزعج أعضاء مجلس بلدية طرابلس فتضامن معهم رئيس المجلس عبد الحميد كريمة ورفض الحضور.

يحقّ للرئيس كريمة أن يعتبر أنّ طرابلس لها خصوصية عن سائر البلديات كونها البلدية الأم والأكبر من حيث عدد السكان والمساهمة في اتحاد بلديات الفيحاء، وبالتالي كان ينبغي دعوة أعضاء المجلس، وهذه رؤية معتبرة، لكنّ فريق دار الفتوى اجتهد بحصر الدعوة بالرؤساء، والدعوة موجهة من سماحة المفتي محمد إمام، وما كان ينبغي التعامل معها بهذه العصبية والشدّة، بل كان يجب التعاطي مع ضرورات سماحة المفتي بالتفهّم، فأعضاء مجلس بلدية طرابس هم من أهل البيت وليسوا ضيوفاً يقفون عند إشكاليات البروتوكول مع دار الفتوى التي سبق أن احتضنهم وهم في ذروة خلافاتهم وكان لها الدور الأساس في لمّ شمل المجلس، ومن ردّ الجميل غير المشروط، أن تُعذَرَ دار الفتوى في اجتهادها وسعيها، ولو كنتُ عضواً في هذا المجلس لحضرتُ وساعدت في التنظيم والاستقبال وإشاعة روح التضامن والتعاون في هذه المحطة.


لعلّ ما حصل يكون مفيداً في التعامل معه في حالات مماثلة في المستقبل، فكرامة مرجعيتنا الدينية من كرامة المدينة وبلديتها وشعبها، ومن يتعامل مع سماحة الشيخ محمد إمام بتواضعه الجمّ ومحبته الغامرة وسعة صدره واستيعابه لكلّ المشاكل والمعضلات.. لا يمكنه أن يجعل البروتوكول حاجزاً بينه وبين سماحته.
لم تتمكّن دار الفتوى في طرابلس من تحقيق الكثير من الطموحات والأهداف، لكنّ الأكيد أنّها أوقفت الهدر وحاصرت الفساد وفتحت نافذة للتطوير، وهذا يستدعي منها مزيداً من الاستعانة بالطاقات وأصحاب العلم والاختصاص في مجالات الإدارة والتنمية، ويوجب على المسلمين دعمها وتعزيز حضورها لتشكّل المظلة الوارفة والقوة الحامية في زمن الفراغ السياسي والاضطرابات العنيفة في لبنان والمنطقة.
