أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مؤتمر صحفي من القدس، المصادقة على ما وصفها بـ”أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل مع مصر”، مشيرًا إلى أنّ “القرار جاء بعد الأخذ في الاعتبار «الاعتبارات الأمنية الضرورية”. وأوضح ، بحضور وزير الطاقة إيلي كوهين، أنّ “الصفقة ستدرّ على إسرائيل نحو نصف مليار شيكل خلال السنوات الأربع الأولى، على أن يرتفع الدخل لاحقًا إلى ما يقارب ستة مليارات شيكل سنويًا”، فيما أكد وزير الطاقة الاسرائيلي ايلي كوهين، أنّ “الاتفاق جاء بعد مفاوضات صعبة ومعقّدة”.
غير أنّ هذا الإعلان، وإن قُدِّم بصفته إنجازًا اقتصاديًا، يتجاوز في دلالاته البعد المالي ليكشف عن صفقة ذات أبعاد سياسية وأمنية واستراتيجية عميقة. فإصرار نتنياهو على ربط الاتفاق بالاعتبارات الأمنية يعكس بوضوح أنّ الغاز بات جزءًا من معادلة الأمن القومي الإسرائيلي، وأداة نفوذ إقليمي لا تقل أهمية عن الأدوات العسكرية التقليدية.
تندرج الصفقة ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى تكريس إسرائيل كمركز رئيسي لإنتاج وتصدير الغاز في شرق المتوسط، وربط دول الجوار ببنيتها التحتية الطاقوية، بما يحوّل الاعتماد الاقتصادي إلى وسيلة تأثير سياسي وأمني طويلة الأمد. ومن خلال هذه الاتفاقات، تسعى إسرائيل إلى تثبيت موقعها كمورّد موثوق للطاقة، خصوصًا في ظل الطلب الأوروبي المتزايد على مصادر بديلة للغاز الروسي، ما يمنحها وزنًا إضافيًا في الحسابات الدولية.
في المقابل، لا تبدو مصر مجرد طرف متلقٍ للغاز، بل شريكًا يسعى إلى الحفاظ على موقعه كمحور إقليمي للطاقة. فمصر، التي تمتلك محطات إسالة متقدمة وبنية تحتية جاهزة للتصدير، تستفيد من الصفقة عبر ضمان تشغيل هذه المنشآت، وجذب العملات الصعبة، وتعزيز دورها كبوابة أساسية لعبور الغاز إلى الأسواق الأوروبية. كما تمنحها الصفقة ورقة سياسية إضافية في علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتكرّس صورتها كشريك مستقر وموثوق في معادلة الطاقة الإقليمية.
أما على المستوى الأمني، فإن تشابك المصالح الطاقوية بين الجانبين يخلق واقعًا جديدًا قوامه تقليص احتمالات التصعيد، إذ يصبح استقرار الحقول وخطوط النقل مصلحة مشتركة. وبذلك يتحول الغاز إلى أداة ردع تُدار من خلالها التوازنات بدل اللجوء إلى المواجهة المباشرة.
