يأتي الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في لحظة جيوسياسية تتّسم بتزايد الحاجة إلى قنوات تفاوض فعالة، سواء على الجبهة الأوروبية الروسية أو في الملفات الملتهبة في الشرق الأوسط والقوقاز.
طلب ماكرون لإجراء الاتصال يُظهر رغبة باريس في إعادة تنشيط موقعها داخل مسارات الحل، في مقابل اندفاعة تركية باتت أكثر حضوراً في الملفات ذات الحساسية الاستراتيجية.
وركز أردوغان خلال الاتصال على إعادة تفعيل مسار إسطنبول الذي سبق أن شكّل أهم منصة تفاوض مباشرة بين روسيا وأوكرانيا منذ اندلاع الحرب. ويعكس تأكيد أردوغان الاستعداد لبذل كل الجهود لإعادة فتح باب السلام محاولة تركية لإحياء دور الوسيط القادر على التواصل مع موسكو وكييف في آن، وهو دور تعزّز تاريخياً بتوازنات العلاقات التركية_ الروسية التي تجمع بين التنافس والتعاون.
كما حمل الاتصال دلالات تتجاوز الجبهة الأوكرانية. فبحث التطورات في القوقاز وغزة وسوريا يبرز إدراكاً فرنسياً وأوروبياً بأن تركيا أصبحت لاعباً محورياً في إدارة الأزمات الإقليمية، من جنوب القوقاز بعد الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، إلى غزة حيث تصعّد أنقرة خطابها السياسي، وصولاً إلى الساحة السورية التي تبقى عنصراً أساسياً في الأمن الإقليمي.
وشدد أردوغان على “ضرورة استخدام القنوات الدبلوماسية بكفاءة، في إشارة غير مباشرة إلى قناعة تركية بأن الحرب الروسية_ الأوكرانية أصبحت عند حدود لا تسمح بالحلول العسكرية، ما يجعل إعادة إحياء المبادرات السابقة ضرورة لتجنّب مزيد من التصعيد القاري. أما حديثه عن دعم تركي متزايد لجهود السلام وخصوصاً خلال أي وقف لإطلاق النار، فيبين رغبة أنقرة في تموضع كضامن محتمل لأي اتفاق مستقبلي أو ترتيبات ما بعد الحرب.
على الجانب الآخر، يحرص ماكرون على فتح خطوط مشتركة مع تركيا رغم التباينات المعروفة بين البلدين. ويندرج ذلك ضمن محاولة فرنسا تحسين موقعها الإقليمي بعد تراجع تأثيرها في عدد من الساحات، خصوصاً في القوقاز والساحل الإفريقي، فضلاً عن رغبتها في استعادة وزنها داخل معادلات الأمن الأوروبي.