جاءت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لجرحى لواء المظليين 55 في مركز شيبا الطبي في توقيت محسوب، لتُعيد تثبيت سردية “المعركة المفتوحة” على الجبهة الشمالية ولتبرير استمرار العمليات داخل الأراضي السورية. فنتنياهو لا يكتفي بإظهار التعاطف مع الجنود الجرحى، بل يوظّف الزيارة كمنصة لإعادة رسم الإطار السياسي والأمني للمرحلة المقبلة، خصوصاً بعد حادثة الاشتباك الأخيرة في سوريا.
حويل في تصريحه الاشتباك الحدودي إلى معركة دفاع وجودي. عبر ربطه العمليات في سوريا بما بعد السابع من أكتوبر، يضع نتنياهو كل تحرك عسكري في سياق واحد: حماية “بلدات الشمال” ومنع تموضع مجموعات معادية، في رسالة مباشرة إلى الداخل الإسرائيلي مفادها أن المعركة لم تعد موضعية بل جزء من استراتيجية ردع شاملة.
كما يقدّم نتنياهو مقاربة جديدة في خطابه عبر استدعاء “حماية الدروز” كذريعة إضافية لتبرير الوجود العسكري، في محاولة لتوسيع قاعدة الشرعية الأخلاقية للعمل داخل سوريا، وربط أمن إسرائيل بأمن مجموعات محلية مجاورة. هذه النقطة تحمل رسالة مزدوجة: داخلياً لتقوية الدعم الشعبي، وخارجياً لاستمالة أطراف دولية عبر خطاب حماية الأقليات.
الرسالة الأهم جاءت في مطالبته العلنية بإقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى العازل؛ وهي صياغة تكشف عن تحول واضح من عمليات محدودة إلى طرح سياسي – أمني يرسم وقائع جديدة على الأرض. فنتنياهو لا يتحدث عن “إجراءات أمنية” بل عن إعادة هندسة جيوسياسية لشريط واسع داخل الأراضي السورية، بما يشمل الطرق الحيوية المؤدية إلى جبل الشيخ.
وتشديده على “التمسك بهذه الأراضي لضمان أمن المواطنين” إلى نية إسرائيل تثبيت معادلة جديدة: لا انسحاب من النقاط التي تم السيطرة عليها أو الانتشار فيها إلا ضمن تفاهمات تلبي شروطها الأمنية بالكامل. وهو ما يعكس رغبة في خلق نموذج مشابه للشريط الأمني الذي أقامته إسرائيل سابقاً في جنوب لبنان، لكن هذه المرة بصيغة أوسع وأكثر عمقاً.
وكلام نتنياهو عن أن “اتفاقاً مع السوريين ممكن إذا تفهموا هذه المبادئ” ليس مبادرة دبلوماسية بقدر ما هو خطاب إملاء شروط، يوحي بأن المطلوب من دمشق ليس التفاوض بل الانصياع لمحددات أمنية مسبقة. وهي رسالة إلى مفادها أن إسرائيل مستعدة لتوسيع قواعد الاشتباك إن لم تُؤمَّن حدودها الشمالية وفق معاييرها.
