في زيارة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز طابعها الروحي، استقبل رئيس الجمهورية جوزاف عون البابا لاوون الرابع عشر في قصر بعبدا، مستثمراً المناسبة لإعادة تثبيت موقع لبنان في الخريطة الدولية بوصفه نموذجاً مهدّداً في الشرق، فيما حمل خطاب البابا رسائل مباشرة إلى الطبقة السياسية حول مسؤولياتها في إنتاج السلام الداخلي ووقف الانهيار.
منذ بداية كلمته، سعى عون إلى تأطير الزيارة ضمن سردية وطنية تعيد وصل لبنان بإرثه التاريخي والروحي، مقدّماً البلاد كمساحة وحيدة تجمع الإيمان والحرية والتعددية. استعاد رمزية لبنان كما ورد في الكتب المقدسة، في محاولة لصياغة قراءة سياسية _هوية للدولة، تُستخدم كحجة في مواجهة التحديات البنيوية التي تهدّد صيغة العيش المشترك.
وفي رسالة واضحة، قدّم لبنان “بلداً وُجد للحرية”، مكرّساً خطاباً يعتبر أن “سقوط المكون المسيحي يوازي انهيار معادلة الوطن. وربط بين حماية التعددية وبين استقرار المنطقة، مستنداً إلى مقولات يوحنا بولس الثاني لتثبيت موقع لبنان كـرسالة لا كدولة فحسب”. ومن خلال الحديث عن القديس شربل ودوره العابر للطوائف، حاول عون إعادة بناء سردية جامعة تُستثمر في مواجهة التشرذم الداخلي.
كما اعتبر عون أن “لبنان يشكّل مساحة اللقاء الوحيدة” في المنطقة، وأن استمراره ضرورة لسلام الشرق. دعوته للبابا “لإبلاغ العالم أننا لن نرحل ولن نيأس”. حملت بُعداً يلمّح إلى رغبة الرئاسة في تثبيت صورة لبنان كدولة مصمّمة على البقاء رغم الانهيار الاقتصادي والصراعات الإقليمية. وهنا ظهرت محاولة واضحة لتوظيف الزيارة في ترميم الشرعية السياسية المتهالكة وإعادة تموضع لبنان في النظام الدولي.
في المقابل، حمل خطاب البابا رسائل مباشرة لا تخلو من النقد الضمني. فقد وجّه كلامه إلى المسؤولين باعتبارهم فاعلي سلام محتملين، داعياً إياهم إلى “استثمار سلطتهم في إنتاج الاستقرار بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات”. وانتقل نحو مقاربة واقعية لأزمة الدولة، مشدداً على “التعقيد الذي يلف الظروف، وعلى مسؤولية السلطة في ترجمة لغة السلام إلى سياسات فعلية”.
وبنبرة قريبة من التحذير، ذكّر البابا بأن “صمود اللبنانيين لا يعفي السياسيين من مسؤولياتهم، داعياً إياهم إلى التمسك “بلغة الرجاء”، والعمل على مداواة الجراح الجماعية قبل أن تتحول إلى أزمات مستدامة”. رسالته حول “ثقافة المصالحة” بدت موجّهة مباشرة إلى الطبقة السياسية التي عجزت خلال سنوات عن بناء مشروع وطني جامع. وشدّد على أن المصالحة ليست مبادرة قاعدية فقط، بل عملية مؤسساتية تتطلب تغليب الخير العام على مصالح القوى النافذة.
وأعاد البابا صياغة تعريف السلام كمشروع سياسي لا علاقة له بـ“التوازن المهترئ” الذي يميّز الحياة اللبنانية، بل بتحقيق شروط العيش المشترك الحقيقي والمستقبل المشترك. وفي دعوته إلى عدم الانفصال عن الشعب، وضرورة البقاء في الوطن رغم صعوباته، بدا أنّه يربط الأزمة المالية – الاقتصادية بالخلل السياسي البنيوي، ويدعو إلى إعادة بناء الثقة بين السلطة والناس.
ولم يخلُ الخطاب من إشارات إلى توزيع المسؤوليات، إذ أكّد أن “المجتمع المدني والشباب يشكّلان نقطة قوّة يجب البناء عليها، ما يعكس رؤية بأن إعادة النهوض لا يمكن أن تبقى حكراً على المؤسسات الرسمية التي تآكلت فعاليتها”.
