يقدّم البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، عبر مواقفه الأخيرة، رؤية سياسية واضحة تتجاوز الطابع الراعوي التقليدي لتلامس جوهر الأزمة اللبنانية من بوابة ثلاثة محاور مركزية: إعادة تثبيت حياد لبنان، إنهاء سطوة السلاح خارج الدولة، وإطلاق مسار سلام إقليمي يُعيد الاستقرار ويوقف النزيف الديموغرافي في سوريا ولبنان.
في قراءته للمرحلة، ميّز الراعي في حديث لبرنامج “جدل” على الLBcI، بين الوعود الدبلوماسية وبين القدرة الفعلية على ترجمتها. فزيارته المرتقبة إلى الفاتيكان، كما يقول، لا تكتسب أهميتها من رمزية اللقاء مع البابا فحسب، بل من احتمال تحولها إلى محطة دولية تُعيد طرح الملف اللبناني على طاولة القرار العالمي. وهو يشدد على أنّ اللحظة السياسية لا تسمح بالاكتفاء بالشعارات، لأن البلاد تواجه فراغاً في الرؤية الوطنية وتفككاً في مؤسساتها، ما يجعل خيار السلام حاجة وجودية لا ترفاً سياسياً.
وعلى مستوى الحياد، يدفع نحو مقاربة تعتبر أنّ هوية لبنان التاريخية قائمة على التوازن والانفتاح، وأنّ أي حياد فعلي يحتاج إلى مظلة أممية تُعيد تثبيت وظيفة لبنان كجسر تواصل لا كساحة صراع. وهو بذلك يضع القوى السياسية، وخصوصاً تلك المنخرطة في المحاور، أمام تحدي إعادة صياغة دور الدولة في الإقليم.
أما في ما يتعلق بالسلاح، فيرفع الراعي السقف بوضوح غير مسبوق: نزع السلاح ليس شعاراً ظرفياً بل قرار لا عودة عنه. وهو يربط تنفيذه بوجود دولة قادرة، تمتلك قرار الحرب والسلم، وتواجه الخروقات الإسرائيلية ضمن منظومة سيادية متكاملة. ولعل الرسالة الأبرز كانت لحزب الله حين قال: “أنتم لبنانيون وحرام الشباب يموتوا هيك”، في إشارة إلى استنزاف بيئته قبل خصومه.
وفي البعد الدولي، يبعث بإشارة لافتة بوصفه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بـ”رجل قرار”، آملاً أن يمتد هذا القرار إلى صناعة سلام حقيقي يراعي مصالح لبنان. ويظهر امتعاضه من إلغاء زيارة قائد الجيش إلى واشنطن كدليل على هشاشة التوازنات التي تعتمد عليها المؤسسة العسكرية في ظل دعم إيراني متواصل للحزب، ما يضع واشنطن أمام مسؤولية إعادة تقييم دورها.
كما يفتح الراعي باباً حساساً في السياسة اللبنانية حين يشجع على التفاوض المباشر مع إسرائيل كمدخل للسلام، مؤكداً أنّ هذا الطرح لا يعني التطبيع، بل استعادة الدولة زمام المبادرة في الملفات السيادية.
وفي الشق الداخلي، يواصل الضغط على الساحة التشريعية مطالباً رئيس مجلس النواب نبيه بري بوضع قانون الانتخاب على جدول الأعمال، في محاولة لكسر الجمود السياسي والدفع نحو إعادة انتظام العمل المؤسساتي.
بهذه المواقف، لا يكتفي الراعي بدور الشاهد على الأزمة، بل يعلن نفسه طرفاً في معركة استعادة الدولة، محدّداً مساراً تصادميّاً مع القوى التي عطّلت الحياد واحتكرت السلاح وعطّلت المؤسسات، ومراهناً على دعم الفاتيكان والمجتمع الدولي لإعادة لبنان إلى دوره الطبيعي.
