في خطاب اتّسم بلهجة اعترافية غير مسبوقة، قدّم الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، سلسلة مواقف تعكس حجم التراجع البنيوي والتنظيمي داخل الحزب، كما تكشف من حيث لا يريد،عن مستوى الانكشاف الذي وصل إليه في مواجهة إسرائيل. فبدلاً من خطاب القوة التقليدي، بدا قاسم وكأنه يعلن، خطوة بخطوة، انهيار هيبة الحزب وتآكل قدرته على الردع.
أبرز ما كشفه قاسم هو إقراره بانعدام التوازن العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل، واعترافه بأن تل أبيب باتت تعمل “براحة كبيرة” داخل لبنان براً وجواً، وأن الساحة مفتوحة أمام العملاء، مدعوماً بتأكيده أنّ “أجهزة استخبارات غربية وعربية ترفد إسرائيل بالمعلومات’. هذا الاعتراف لا يضرب فقط صورة “المقاومة” التي شيّدها الحزب لعقود، بل ينسف رواية السيطرة الأمنية التي لطالما استخدمها لتبرير سلاحه وهيمنته على القرار اللبناني.
وفي سياق أكثر دلالة، عاد قاسم ليقول إنه “لا يبرّئ الحزب من الأخطاء، وأن عليه استخلاص العبر. هذه العبارة، التي تبدو بسيطة، تُقرأ كـ”إسقاط موارب” على الأداء الفاشل الذي قاد إلى سلسلة اغتيالات طالت قادة الصف الأول، من بينهم هيثم الطبطبائي، الذي كان مكلفاً ـ بحسب قاسم نفسه ـ بقيادة معركة “أولي البأس” وإدارة منظومة الصواريخ والطائرات المسيّرة. اعتراف من هذا النوع يعني أنّ الحزب فقد أحد أهم أعمدة بنيته العملياتية، وأن إسرائيل تعمل داخل عمقه بدقة وحرية غير مسبوقة.
وفي محاولة لاحتواء تداعيات هذا الانكشاف، أشار إلى أن “هدف اغتيال الطبطبائي هو ضرب المعنويات، ولن يتحقق”. غير أن مضمون خطابه نفسه يؤكّد العكس: فمجرد وصفه للهجوم بأنه ضربة للمعنويات يعترف بأن بنية الحزب النفسية والعسكرية باتت مترنّحة.
على المستوى السياسي، حاول قاسم تدوير الزوايا عبر مباركة زيارة البابا إلى لبنان، والتأكيد على استعداد الحزب للنقاش في الاستراتيجية الدفاعية، لكن بشرط ألا يتم ذلك تحت الضغط الإسرائيلي. وهو بذلك يقدّم صيغة ملتبسة: انفتاح مشروط يهدف إلى كسب الوقت، لا تغيير قواعد اللعبة.
كما وصف وقف إطلاق النار بأنه “انتصار للبنان ولحزب الله وللناس”، رغم اعترافه في الوقت نفسه بوجود انسحاب يجب أن يتم، وقصف يجب أن يتوقف، وأسرى يجب أن يفرج عنهم. هذا التعارض الخطابي يشي بقلق داخلي أكثر مما يعكس ثقة بالنفس.
ويذهب قاسم أبعد حين يشدد على أن “كل لبنان مسؤول عن الدفاع”، محملاً الحكومة مسؤولية حماية الاتفاق. هذا التحميل ليس سوى محاولة لنقل العبء إلى الدولة، بعد سنوات طويلة كان الحزب يمنع خلالها أي نقاش جدي حول احتكار السلاح والاستراتيجية الدفاعية.
