شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

يمنح الاتفاق الجديد بين لبنان وقبرص بشأن ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة فرصة مهمة لإعادة تنظيم ملف طالما اتسم بالغموض والتأخير. فالاعتماد على خط الوسط، مع إبقاء إمكانية تعديل النقطة (7) لاحقاً عند استكمال الترسيم مع الدول الأخرى، يقدّم إطاراً مرناً يحفظ للبنان مجالاً للتحرّك في أي مفاوضات مستقبلية. وهذه المرونة تُعد نقطة قوة لأنها تمنع التقيّد بحدود نهائية قد تتعارض لاحقاً مع مصالح لبنان البحرية.

أبرز مكاسب لبنان من الاتفاق تتمثل في الحدّ من الالتباس القانوني الذي أثّر سلباً على قطاعي الاستكشاف والاستثمار البحري. إذ إن وجود حدود واضحة مع قبرص يعطي الشركات الدولية ضمانات قانونية أكبر، ويقلّل من المخاطر التي كانت تمنع دخول استثمارات ضخمة في مشاريع التنقيب. كلما أصبحت البيئة القانونية أكثر وضوحاً، زادت احتمالات جذب شركات عالمية تمتلك التقنيات والخبرات التي يحتاجها لبنان لتطوير قطاعه البحري.

كذلك يعزّز الاتفاق فرص التعاون الثنائي والإقليمي في مجالات الطاقة والربط الكهربائي والغازي. بالنسبة للبنان، يشكّل هذا التعاون مدخلاً للمشاركة في مشاريع إقليمية تقودها قبرص والاتحاد الأوروبي، ما قد يساعد على نقل الخبرات والتقنيات إليه. كما يشمل الاتفاق بنداً مهماً حول الموارد المشتركة، يفرض على البلدين التعاون في حال اكتشاف حقول تمتد عبر الحدود، وهو عنصر قد يفتح المجال أمام آليات مشتركة للإنتاج أو الإدارة.

ورغم المكاسب المحتملة، يحمل الاتفاق تحديات واضحة. فزيادة النشاط البحري تعني ارتفاع احتمالات التلوّث البحري أو حدوث أضرار بيئية، بينما لا يزال لبنان يفتقر إلى بنية قوية للاستجابة للطوارئ البيئية. لذلك يحتاج لبنان إلى خطط متكاملة للرقابة والحماية لضمان عدم تضرّر سواحله وقطاعاته الاقتصادية المرتبطة بالبحر.

كما يفرض الاتفاق مسؤوليات أمنية إضافية، لأن تحديد الحدود بشكل دقيق يتطلّب قدرة أعلى على مراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة، خصوصاً إذا ظهرت لاحقاً بنى تحتية بحرية تحتاج إلى حماية. وهذا قد يستدعي تطوير العمل البحري لدى القوى الأمنية، وزيادة التعاون التقني مع دول المنطقة.

محلياً، سيمر الاتفاق بالمناقشات الدستورية والسياسية المعتادة، وقد يثير جدلاً حول توقيته وتأثيره على الترسيم مع الدول الأخرى. ومع ذلك، كخطوة انتقالية مهمّة تنقل لبنان من حالة الغموض القانوني إلى وضع أكثر تنظيماً، شرط أن ترافقه متابعة دبلوماسية وتقنية فعّالة.

يشكّل الاتفاق مع قبرص فرصة للبنان لوضع أسس واضحة لإدارة موارده البحرية. لكن نجاح هذه الخطوة يعتمد على مدى قدرته على استكمال الترسيم مع الآخرين، حماية بيئته البحرية، تعزيز قدراته الأمنية، واستقطاب الاستثمارات المطلوبة. الاتفاق ليس إنجازاً نهائياً بقدر ما هو بداية لمسار طويل سيحدد مستقبل الثروة البحرية اللبنانية.

شاركها.