
أحمد الأيوبي
لم يتوقّع ما تبقّى من قيادة “تيار المستقبل”، الصلابة التي أثبتها الرئيس فؤاد السنيورة في مواجهة ما تعرّض له من ضغوط وحملات واستهداف منذ إطلاقه مبادرة إنقاذ الوضع السنّي، إثر إخلاء الرئيس سعد الحريري الساحة لصالح “حزب الله”، وتفرّغه لمحاربة القوى والشخصيات السيادية المُعارِضة للحزب على امتداد الساحة اللبنانية، وعبثاً يحاول الأمين العام لـ”تيار المستقبل” أحمد الحريري التملّص من هذا السلوك، لأنّه استقرَّ في عقول ونفوس اللبنانيين أنّ جُلَّ ما تريده المجموعة المحيطة بالرئيس الحريري هو إجهاض أي بديل سنّيٍّ مُمكن.
اكتشف “سعادة الأمين العام”، كما يُطلِق عليه أنصاره المتفرِّغون للتهجّم على الرئيس السنيورة ولائحة “بيروت تواجه”، أنّ الذي تمكّن من الصمود في وجه حصار “حزب الله” في السراي الكبير، قادرٌ على أنْ يصمد في وجه فلول “المستقبل”، الذين لا يملكون سوى نشر الأحقاد والتشويش والابتزاز. وبالتالي، فإنّ الأستاذ أحمد الحريري وَجَدَ نفسه مُضّطراً للظهور بشكل مباشر في المشهد، بعدما فشل “الذُباب الأزرق” وسماسرة الانتخابات في تعطيل مسيرة الرئيس السنيورة واللوائح المُتحالِفة معه في كلّ لبنان.
نزل أحمد الحريري عن الشجرة، من دون “سُلّم”، بعدما أصبحت وسائله في الضغط مُتداعية، فقرّر التوجّه بشكل مُباشر إلى الرئيس السنيورة من خلال تغريدات يجب الوقوف عندها، حيث قال فيها:
“إلى دولة الرئيس فؤاد السنيورة:
محبّتك وغيرتك على “تيار المستقبل” ليست جديدة، لكن العودة إلى تقييم قرار الرئيس سعد الحريري بتعليق المشاركة في الانتخابات في خانة تسليم البلد إلى ”حزب الله” وإيران أمرٌ يُحاكي الحملات التي تستهدف تيّارنا ورئيسه واستباق غير مبرّر لنتائج الانتخابات.
القول باعتزال الانتخابات رسالة غير موفّقة يا دولة الرئيس لتيار المستقبل ولجمهوره.
قرارنا تعليق المشاركة وقرارك ومَنْ معك المشاركة بالانتخابات ولا ضرورة لتحميل ذنوبها لأحد مع دعائنا لكم بالتوفيق”.
إقرار بمكانة الرئيس السنيورة
أوّلاً: يُقرُّ أحمد الحريري في رسالته هذه بفضل الرئيس السنيورة ومكانته واحترامه، وهو الذي لا يحتاج إلى شهادة، وذلك بخلاف الناطقين بإسم الحريري الذين يدأبون على التعرّض للرجل.. ثمّ ماذا يقول هؤلاء عن الرئيس السنيورة، وقد سَمِعوا من مُعلّمهم هذا الإقرار بمحبّته لـ”تيار المستقبل”؟!
لا يمكن للسيد أحمد الحريري أنْ يُظهِر احترامه للرئيس السنيورة ويُقرُّ بفضله ويترك مَنْ يرفعون صور الرئيس الحريري وينطقون بإسمه منفلتي العِقال، يرمون بإساءاتهم رَجُلاً كان شريكاً للشهيد رفيق الحريري في مساره التأسيسي السياسي والوطني، فهذا لعمرك انفصام ولعبة مكشوفة قائمة على تبادل الأدوار.
المستقبل يصطدم بصمود السنيورة
من الواضح أنّ أحمد الحريري ومَنْ وراءَه قد أُصيبوا إصابات بالغة بسبب القوّة الدفاعية السياسية والإعلامية التي أظهرت تماسُكاً وقوّة في المواجهة، ما أوقع خسائر فادحة في ما تبقّى من مواقع للحريري على المستوى الشعبي.
ومن الواضح أيضاً أنّ الحقيقة التي عمل الرئيس السنيورة وفريقه وحلفاؤه على تظهيرها، وهي أنّ سلوك “تيار المستقبل” وإخلاءه الساحة ودعوته للمقاطعة، سيؤدي إلى تسليم البلد لـ”حزب الله”، أصبحت حقيقة راسخة في أذهان وعقول الجمهور السنّي، ولن تزول منها، طالما هذه الممارسات مستمرّة.
ماذا يريد أحمد الحريري؟
هنا نتساءل: ماذا يريد السيد أحمد الحريري من قوله للرئيس السنيورة إنّ “العودة إلى تقييم قرار الرئيس سعد الحريري بتعليق المشاركة في الانتخابات في خانة تسليم البلد إلى “حزب الله” وإيران أمرٌ يُحاكي الحملات التي تستهدف تيّارنا ورئيسه واستباق غير مُبرّر لنتائج الانتخابات”؟
هل يريد سيادة الأمين العام من الرئيس السينورة أنْ يصمت ويمتنع عن التعبير عن آرائه وتقديره للموقف السياسي الراهن، وكشف المخاطر التي تحتّمت بعد انحساب الحريري المُنظّم والمقصود.
مُجاملات لا تُسمِن من جوع
ربما يعتقد الأستاذ أحمد الحريري أنّ بعض عبارات المجاملة مثل تمنّي التوفيق للرئيس السنيورة من شأنه أنْ يُنهي الإشكال القائم بالأساس بسبب إصرار الرئيس الحريري على اعتقال وتعطيل كُلّ الحركة السياسية السنيّة، فقط لأنّه رأى بعد كلّ مراحل الفشل التي خاضها، أنّه يجب الخروج من المعترك الانتخابي، لكنّه في هذا التقدير مُخطئ في حساباته، لأنّ مسيرة الرئيس السنيورة ماضية في مسارها الوطني لاستنهاض واقع المسلمين، والعمل على استعادة وجودهم في الدولة، بناءً على استجماع الطاقات، وعلى رؤية سياسية وتنموية متكاملة.
انفصام الخطاب
يعتبر الحريري في رسالته للرئيس السنيورة أنّ “القول باعتزال الانتخابات رسالة غير موفّقة لـ”تيار المستقبل” ولجمهوره.. قرارنا تعليق المشاركة وقرارك، ومَنْ مَعَك المشاركة بالانتخابات، ولا ضرورة لتحميل ذنوبها لأحد مع دُعائنا لكم بالتوفيق”.
لا يمكن أنْ تحتوي عبارة “ضياعاً” بقدر ما تحمله هذه العبارة، فالسيد أحمد الحريري يقول إنّ جمهوره لن يعتزل الانتخابات، أيّ أنّه سيكون مُنظّماً وسينتخب وفق قرار سياسي، ثم يقول إنّ القرار هو تعليق المشاركة في الانتخابات، فكيف يمكن فهم هذه المعادلة؟
يختم السيد أحمد الحريري بالقول: لا ضرورة لتحميل ذنوب المشاركة لأحد.
المشاركة ليست ذنباً يستحقّ التكفير عنه، بل هي واجب وطني يتعلّق بوجودنا في المعادلة الوطنية، وليس لدى أهل السُنّة ترف الوقت لجدل بيزنطي كهذا.
وإلى السيد أحمد الحريري نقول أخيراً:
راجعوا حساباتكم وعودوا إلى ثوابتكم التي انحرفتم عنها أو اتركوا المتمسّكين بها وشأنهم، وكفى جُموحاً وجُنوحاً في الشارع، فكلّ هذا لا يُفيد، وفكّروا كيف تقفون مع أهلكم بدل الانقلاب عليهم.
وإذا كان صمود الرئيس السنيورة قد أزعجكم، وخطابه لا يلائمكم، فالأَوْلى بكم الارتقاء إلى لُغة خطاب سليمة، وسحب وسائل الابتزاز من الإعلام والشارع، وترك المجال لكلّ طرف أنْ يعمل وفق اجتهاده، وعندها يكون التمنّي بالتوفيق له قيمة واعتبار.
وللرئيس السنيورة نقول:
إمضِ في ما أعلنته وتعمل عليه، فالمسؤولية يحملها رجال الدولة، والمشاركة في الاستحقاق الانتخابي محطّة تأسيسية هامة، ونراهن على مرحلة ما بعد الانتخابات لفتح صفحة مشاركة فعلية مع جميع مكوّنات المجتمع، تشاوراً وتعاوناً وشقّاً لطريق الإنقاذ وبناء الدولة، رغم كلّ ما نمرّ به من كوارث.
