شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

القوات اللبنانية والعبور الحقيقي نحو السلم والشراكة

أحمد الأيوبي

كشف إفطار معراب الكثير من الحقائق السياسية والوطنية وترك آثاراً أبعد من المشهد الديني والسياسي والدبلوماسي والإعلامي الذي ظهر عشية ذلك اليوم الرمضاني وشكّل قفزة نوعية في مسار القوات اللبنانية السياسي والوطني، وكرّس صورة مكتملة للتحالفات الوطنية، وخاصة مع القيادات السنية، وعزّز البعد العربي في علاقة القوى السيادية، وخاصة مع المملكة العربية السعودية.

لكنّ النجاح الواضح لإفطار معراب أثار غيظ جهات كثيرة، أولها “حزب الله” وشريكه في الحرب على القوات تيار المستقبل، فانطلقت حملة “مشتركة” تستهدف مشاركة العلماء في هذا الإفطار، وتعيد أسطوانة التخوين أو السعي للسيطرة على الشارع السني من قبل القوات. ورغم شراسة هذه الحملات، إلاّ أنّها فشلت في تقويض النتائج السياسية والوطنية لهذا الحدث.

هدفت حملة الذباب الأزرق على مشاركة العلماء في الإفطار إلى منع التواصل الإسلامي المسيحي أولاً، تحت ذرائع مختلفة، وكأنّ أهل السنة ملكية حصرية لشخص سعد الحريري، وهذا وَهْمٌ يحاول تسويقه لدى السذّج من جمهوره، الذين ينسلخون من تاريخهم العريق الذي يتجاوز الأشخاص ولا يتوقّف عند الفاشلين ولا يسجّل في صفحاته إلاّ الثابتين الصامدين الصادقين.

إفطار الوحدة الوطنية

كان إفطار معراب جامعاً حضره مفتي الجمهورية ممثّلاً بالقاضي الشيخ خلدون عريمط، مع وفد علمائي من مناطق مختلفة، ومشاركة لافتة للسفراء العرب على رأسهم سفير المملكة العربية السعودية وليد البخاري، والكويت عبد العال القناعي وقطر إبراهيم بن عبد العزيز محمد صالح، بالإضافة إلى شخصيات سياسية واجتماعية وإعلامية، بحيث تشكّل مشهد الحضور الوطني والعربي في أرفع المستويات.

القوات اللبنانية والعبور الحقيقي للسلم والشراكة

كان اللافت في مشهد إفطار معراب هو تلك الإحاطة الكاملة بالشعائر المرافقة للصيام.

ارتفع أذان المغرب معلناً موعد الإفطار بتوقيت معراب، مكاناً وزماناً وحضوراً ومشاركة، وعبقت أجواء المودّة التي طالما تحدّث عنها القرآن الكريم بين المسلمين والمسيحيين، وانتقل المشاركون لأداء صلاة المغرب في مساحة خُصِّصت للمصلين، في خطوة رمزية راقية تؤشّر إلى القبول بالمسلمين بهويتهم الدينية والحضارية، في استكمال لتحوّل القوات اللبنانية نحو العمل السياسي الوطني المشترك، في نقضٍ كامل لمسارات الحرب الأهلية وولوج السلم الأهلي بكلّ أبعاده وموجباته.

رسوخ العلاقة بين معراب ودار الفتوى

من مؤشرات ثبات علاقة القوات اللبنانية بأهل السنة حرص سماحة مفتي الجمهورية الشيخ هبد اللطيف دريان على رعاية التواصل والتعاون مع الدكتور سمير جعجع بالبعد الوطني الحريص على الشراكة الإسلامية المسيحية، والمسألة هنا أبعد من مشاركة دار الفتوى في إفطار معراب، فالمؤشرات على تحرّر الدار من الحصار السياسي الذي كان مضروباً عليها تتعزّز مع توسع حضورها في الشأن الوطني.

في النتائج السياسية لإفطار معراب

تزخر معراب بحركة يومية لا تهدأ من إعلان الترشيحات ودعم اللوائح وتأكيد التحالفات بأبعادها المناطقية والوطنية، بينما تبدو الأحزاب الأخرى، وخاصة التيار الوطني الحرّ منشغلاً بأزماته الداخلية الناتجة عن طغيان جبران باسيل على التيار، وبمشاكله في الشارع المسيحي نتيجة فشله المزمن في إدارة الحكم.

بدت القوات اللبنانية وقد أقامت تحالفاتها في الشارع السني وأبرزت جدّية هذه التحالفات التي تشير إلى أنّ عملية التعاون القواتي السني ستكون أكثر اتساعاً بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي، وأنّ ما يجري الآن مجرّد بداية لمسار تأخّر سنوات عدة، وهو الآن على السكة الصحيحة، وذلك في إطار تطوير تحالف وطني جامع، بعيداً عن أوهام الوراثة السياسية للحريري.

في معراب، إجتمع الحلفاء والأصدقاء، وهم يحتلون مكانتهم في السياسة والمجتمع، وهم يتحرّكون في الفضاء الوطني بتحالفات أو بدونها، بينما ترزح مكوِّنات قوى 8 آذار بين التبعية والاستزلام، وبين الخضوع والارتهان، وهذا هو الفارق الجوهري بين المعسكرين: معسكر الحرية والشراكة، ومعسكر الإكراه والكراهية، وهو الذي يجمع المتناقضات على قاعدة تقاسم النفوذ وتبادل الخدمات بين السلاح والفساد.

بدت معراب تعجّ بالحياة وتزدحم في قاعاتها اللقاءاتُ والاجتماعات، ويحتشد في أروقتها الأصدقاء والحلفاء، بينما يخيّم على قصر بعبدا الفراغ وعلى بيت الوسط الضياع والتحسّر على الأيام الخوالي، وهي طالما ارتبط ازدهارها بمدى استقامة السلوك السياسي للرئيس الحريري، ووصلت إلى الإفلاس بسبب انحراف البوصلة وتخبّط الخيارات الاستراتيجية.

شاركها.